الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 546 ] وبتعديه زجره الحاكم

التالي السابق


( وبتعديه ) أي الزوج على زوجته بضرب أو غيره وثبوته عليه ولم ترد فراقه ( زجره ) أي الزوج ( الحاكم ) باجتهاده بوعظ فضرب ، فإن لم يثبت زجره بوعظ فقط ولا يأمرها فيهما بهجره ويزجرها أيضا إن ثبت ضررها بوعظ فضرب . ابن عرفة وشقاق الزوجين إن ثبت فيه ظلم أحدهما الآخر حكم القاضي بدرء ظلم الظالم منهما ، ثم قال وإن لم يتبين ظلم أحدهما ففيه اضطراب . ابن سهل أفتى ابن لبابة وابن الوليد قاضيا اشتكت إليه امرأة ضرر زوجها ووكلت على مطالبته وعاودت الشكوى ببعث الحكمين إليهما وقاله عبيد الله بن يحيى بعد تلوم واستقصاء نظر ، وكذا في أحكام ابن زياد ، وفيها إذا أشكل على القاضي أمر الزوجين ولم يصل إلى معرفة الضار منهما أرسل الحكمين قاله أيوب وابن وليد ، وفيها أيضا ترددت شكوى امرأة بإضرار زوجها فهل أرسل [ ص: 547 ] الحكمين أو أرسلهما إلى دار أمين حتى أفهم كما كانت القضاة تفعل ، فهمنا سؤالك ونرى أن ترسل الحكمين كما قال الله تعالى لا يجوز غير ذلك ، لقول الله تعالى { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } قاله محمد بن الوليد .

وقال أيوب بن سليمان قول أهل العلم في هذا كشف الحاكم أهل الخبرة بهما من أهل الثقة والأمانة فإن أشكل الأمر ولم يجد له بيانا أرسل الحكمين وفيها أيضا كتب إلى عبيد الله بن يحيى . قلت إن أبي وعمي لم يحكما بإرسال الحكمين ولم يجر به عمل هاهنا ، إنما كان الذي ينظر به القضاة إخراج الرجل وامرأته إلى دار أمين حتى يفهم به الحال ، فهل أمضي إلى الحكمين أو بما كانت القضاة تفعله ، فقال عبيد الله بن يحيى لا أرى أمر الحكمين لأنك تحكم بما لم يحكم به من كان قبلك من أئمة العدل كعمك ووالدك وأخرجهما إلى دار أمين أو أسكن معهما أمينا ، وهذا هو الأمر الذي لم تزل القضاة تفعله .

ابن سهل أجوبتهم هذه مضطربة مختلفة غير محصلة عبيد الله هذا في جوابه وأنكر أمر الحكمين ، وقال للقاضي الذي سأله لا أرى أمر الحكمين ، وعنى قوله بهما في مسألة أبي تمام ، وقال إنه لم يره لانفراده بحكم لم يحكم به أحد من أئمة العدل ، وجهل أن عمر بن الخطاب حكم به على ما حكاه ابن حبيب وأن عثمان بن عفان بعث حكمين علي بن أبي طالب ومعاوية وحكم بذلك علي بن أبي طالب في خلافته ، ولو تدبر السؤال وأتقن فهمه لم يحتج إلى إنكار ما لا يجوز إنكاره ، لأنه إنما سئل عمن شكت ضررا فقط فكان [ ص: 548 ] جوابه أن يسألها بيان ضررها ، فلعله منعها من الحمام أو أدبها على ترك الصلاة ، فإن بينت ضررا لا يجوز فعله بها أوقف عليه زوجها ، فإن أنكرها أمرها بالبينة عليه ، فإن عجزت وتكررت شكواها كشف القاضي عن أمرها جيرانها إن كان فيهم عدول ، فإن لم يكونوا فيهم أمره القاضي بإسكانها في موضع له جيران عدول ، فإن بان من ضرره ما يوجب تأديبه أدبه . وإن كان لها شرط أباح لها الأخذ به ، وإن غمي عليه خبرها ورأى إسكانهما مع ثقة يتفقد أمرهما فعل هذا ما ذكره ابن حبيب عن مطرف وأصبغ .

وقال عيسى بن دينار وسحنون فيمن ادعت ضرر زوجها وادعى هو إضرارها وسوء عشرتها وجهل صدقهما اختبر الحاكم أمرهما بأن يجعل معهما ، أو يجعلهما مع من يتبين له به أمرهما فيعمل عليه ، وهذا كله يقتضي أن الحكمين إنما يبعثان عند إشكال أمر الزوجين . قلت هذا الذي عليه الأكثر ، وقاله ابن فتوح والمتيطي وابن فتحون .




الخدمات العلمية