الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
معلومات الكتاب

تطوير التعليم الشرعي (حاجة أم ضرورة)

الدكتور / محمد بن عبد الله الدويش

معيار التميز العلمي

التميز العلمي مطلب للعديد من المختصين في كافة المجالات، والمجال الشرعي أحد هذه المجالات، التي ينشد فيها التميز.

ولا نزال نسمع في أوساط المهتمين بشأن التعليم الشرعي الحديث عن التميز العلمي والقوة العلمية، سواء في التأكيد عليها، أو في وصف المترجم لهم بذلك، أو في المقارنة بين الأجيال في تميزهم.

والاعتناء بالتميز العلمي، ظاهرة صحية تقود إلى الاعتناء بجودة المخرجات، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما هو معيار التميز؟

في ميدان التعليم النظامي (المعاهد والكليات الشرعية) يمثل التقويم الختامي (امتحانات نهاية الفصل أو العام) أهم أدوات تقويم المتعلم، وبالتالي أهم معايير قياس التميز؛ فالمتعلم المتميز هو القادر على الحصول على المعدلات العالية، وكلما اقترب من الدرجة النهائية زاد تميزا.

وبناء على ذلك ستتأثر معايير التميز بأساليب التقويم وأدواته، والأغلب أن التقويم يتمثل في اختبار مقالي يركز على الحفظ والاستـدعاء؛ فالمتميز هو الأقدر على الحفظ وتدوين ما حفظه في ورقة الامتحان، يحدثني أحد [ ص: 83 ] دارسي الدكتوراه في كلية شرعية أن سؤالا في الامتحان النهائي كان نصه: "دار حوار في القاعة الدراسية حول موضوع.."، ثم طلب الأستاذ من المتعلمين تلخيص هذا الحوار، وسرد الأقوال التي ذكرت أثناء المحاضرة، ولئن كان هذا المثال لا يخلو من ندرة وتطرف، إلا أن عددا غير قليل من أسئلة التقويم تركز على الحفظ والاستظهار أكثر من العمليات العقـلية الأعلى، مما يسهم في الحكم على التميز وفقا للحفظ وحده.

أما الذين يملكون القدرة على ممارسة العمليات العليا من تحليل ومقارنة واستنتاج، فهؤلاء لن يجدوا لهم مكانا بين المتميزين إلا إن كانوا متميزين في الحفظ والاستظهار بالدرجة نفسها.

والنموذج نفسه يتكرر في التعليم في المساجد، فكثيرا ما يقاس التميز من خلال الحرص على الحضور والانتظام فيه - وهو أمر مهم- لكنه وحده غير كاف، كما يقاس التميز من خلال الحفظ والاستظهار؛ إذ معظم الأسئلة التي تقدم للمتعلمين تركز حول استظهار ما سبق تناوله في الدرس نفسه أو درس سابق.

إن الحفظ والقدرة على الاستظهار أمر لا ينبغي أن يهمل، لكنه ليس وحده هو معيار التميز، لذا نرى عددا ممن يحفظون ويستظهرون الكثير، لكنهم غير قادرين على التحليل والمقارنة والاستنتاج، وغير قادرين على تقديم معرفة جديدة أو حلول جديدة، ويفتقدون إلى العمق في تعاملهم مع القضايا العلمية والفكرية. [ ص: 84 ]

والتركيز على إبراز الحفظ والاستظهار على أنه معيار التميز يقلل من نمو الجوانب الأخرى في شخصية المتعلم، ومن اعتنائه بها.

كما يؤثر على ترشيح العناصر لمواصلة التعليم العالي، أو للوظائف التي تتطلب تحقيق قدر من التميز كالإعادة في الجامعة، أو القضاء الشرعي.

ولأن كل شيخ وأستاذ يهمه تميز طلابه، فستؤثر صورة التميز، التي يتطلع إليها على الهدف، الذي يسعى إلى تحقيقه لديهم وتوجيههم له.

إن الحاجة ملحة لتحديد معايير التميز العلمي لدى طالب العلم، وتحديد هذه المعايير ينبغي أن يتم من خلال أدوات علمية موضوعية، وأن ينطلق من تحليل للمهام والأدوار المنتظرة من مخرجات التعليم الشرعي.

وتحديد هذه المعايير له ثمرات عدة، من أهمها ما يلي:

- أن تكون موجها للقائمين على التخطيط للتعليم الشرعي وتقويمه، وإدارته.

- أن تكون أحد مصادر تقويم مخرجاته.

- أن تكون موجها للأساتذة والمعلمين والموقف التعليمي؛ إذ الأستاذ - كما سبق - يعنيه كثيرا تميز طلابه.

- أن تسهم في توجيه المتعلمين، وتكون أحد أدوات تحديد أهدافهم العلمية وبناء شخصياتهم. [ ص: 85 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية