الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
معلومات الكتاب

تطوير التعليم الشرعي (حاجة أم ضرورة)

الدكتور / محمد بن عبد الله الدويش

الأمر الأول: التأهيل المعاصر لطلاب العلم:

طالب العلم لا يستغني عن أن يعيش عصره ويدرك أبعاده ومتغيراته، وقد تفرض طبيعة التعليم الشرعي على طالب العلم الارتباط بشكل أساس بالكتب والمراجع التراثية؛ إذ هي تمثل المصادر الأصيلة لهذا العلم، وهو أمر ليس محل جدل أو اعتراض.

لكن هذا لا يغني طالب العلم عن أن يحمل ثقافة وتأهيلا عصريا يمكنه من فقه القضايا المعاصرة والتعامل معها.

إن طالب العلم يتحـدث في قضايا شرعية ذات أبعـاد أخرى: فمنها ما هو ذو بعد سياسي، ومنها ما هو ذو بعد اجتمـاعي، أو بعد اقتصادي، أو تربوي.. إلخ، ولا يمكن أن يكون طالب العلم الشرعي مختصا في جميع هذه المجالات، أو مستوعبا لتفاصيلها وفروعها، لكن لا يسوغ أن تستوي معرفته فيها مع معرفة العوام، فضلا عن أن يكونوا أكثر فقها منه [1] .

ورغم أنه لا يمكن تحويل طلاب العلم إلى مختصين في الفكر والثقافة المعاصرة، فلا بد من أن تتضمن مناهج التعليم الشرعي ما يسهم في الارتقاء الثقافي والفكري بهم. [ ص: 91 ]

كما أن هـذا الإعـداد يترك أثره الإيجابي على طلاب العلم الشرعي في تعاملهـم مع الواقـع سواء فيما يتصل بحياتهم الشخصية، أو الأسرية، أو الدعوية.

وهو يكسبهم القدرة على التواصل الإيجابي مع أصحاب التخصصات الأخرى؛ إذ الملاحظ على من يعيشون في عزلة عن الثقافة المعاصرة أنهم يفتقدون لكثير من آليات التواصل مع المختصين.

ويؤكد عماد الدين خليل هذا المعنى بقوله: "والآن فإن إحدى مشاكل المناهج الجامعية بصدد علوم الشريعة أنها تعطي طلابها الفقه الشرعي، وتمضي معهم في الفقه الدعوي إلى منتصف الطريق، ولكنها لا تكاد تعطيهم شيئا عن الفقه الحضاري، وهذه هي الحلقة الضعيفة في عقل خريجي المعاهد الشرعية والتي تساعد بدورها على حفر الخنادق، وتعميق الهوة بين الشريعة والحياة، وتعين على تأكيد تلك الثنائية المقيتة، التي عزلت ولا تزال حشود الخريجين عن الدخول في نسيج الحياة، وإعادة صياغتها، فضلا عن تسنم مراكز القيادة فيها، والشهادة عليها". (عماد الدين خليل، ص 629، بتصرف يسير).

ويقول أيضا واصفا ما يراد من الفقيه: "الذي أريد له ألا يشارك في عملية التغيير، أو الصياغة، أو إعادة تعديل الوقفة، وأن يتحـول إلى واعظ، أو خطيب جمعة تقليدي، أو مدرس دين ولغة عربية، يتلقى في معظم الأحوال أجره الشهري من الحكومات والتي قررت عمدا أن يكون الأجر [ ص: 92 ] زهيدا لا يكاد يسد الرمق، وكان العالم أو الفقيه غير قادر على أية حرفة إضـافية تعينه على الارتقـاء بمستـواه المعاشي صوب الحد الأدنى من سويته المعقولة، انعكس ذلك كلـه عليه، فأصبـح مسحوقا ممتهنا ضعيفا لا يملك في معظم الأحيان الشخصية الآسرة القوية المؤثرة، التي تمكنه من أداء دوره المطلوب، لقـد رأينا جميعا هذا بأم أعيننا، ثمة حالات استثنائية بكل تأكيد، ولكنه الاستثنـاء الذي يعزز القاعدة ولا ينفيها". (عماد الدين خليل، ص 618).

وقبله اشتكى العلامة محمد رشيد رضا، رحمه الله، من هذا الواقع، فقال: "وأما أمتهما الإسلامية فكانت عند ظهورهما معتلة منحلة، ليس فيها تربية دينية ولا سياسية، ولا جمعيات إصلاحية، وإنما كان التعليم الديني مناقشات لفظية في عبارات كتب هي أبعد عن العلـم الصحيـح من كل ما كتب سلفهم في عصر حياة العلم، وكان أهل هذا التعليم العقيم في عزلة عن العالم لا يشعرون بشيء من أطوار الأمم في ترقيها وتدليها، وقوة دولها وضعفها، وما تجدد لها من التربية والتعليم والتشريع الموجب للتجديد. وكان تعليمها المدني قاصرا على فئة قليلة تعلم؛ لتكون آلات وأدوات في معمل الحكومة" (المنار، 33 / 211 ).

كما اشتكى، رحمه الله، من ازدواجية التعليم، فقال: "فإن طلبة العلم بالجامع الأزهر مثلا منقطعون لمزاولة علوم الدين وما تعلق بها، معرضون عن التعاليم الوقتية التي لا ينكر فضلها ولزومها في الأوقات الحالية، كما أن [ ص: 93 ] تلاميذ المكاتب المصرية لا يتعاطون إلا الفنون الوقتية، وليس لهم أدنى إلمام بعلوم الدين؛ بحيث افترق جمهور الطلبة المصريين إلى فريقين، كلاهما مضاد للآخر في أفكاره ونزعته وأخلاقه، وليس هناك رابطة بين ذينك الفريقين، وإن شئت قلت: بين ذينك التعليمين" (مجلة المنار، 3 / 318 ).

إن ما يحتاجه الفقيه اليوم من العلوم المعاصرة يختلف كثيرا عما يحتاجه الفقيه فيما مضى، ومصادر المعرفة في التخصصات الأخرى اختلفت كثيرا عن المراحل التي استقر فيها تدوين العلوم الشرعية وتصنيفها، مما يتطلب مراجعة إعداد طلاب العلم الشرعي.

استمعت إلى أحد الأفاضل من طلاب العلم يتحدث مع بداية فصل الشتاء، وقدم للمستمعين توجيهات مهمة حول وقاية أولادهم من الآثار الضـارة المرتبطة بدرجـات الحـرارة المتـدنية، لكنه كان يتحـدث بلغة أشبه ما تكون بلغة العـامة وثقافتهم، ويثير قضايا تحتاج إلى خلفية طبية، واعترضت عليه بأنه كان عليه أن يترك هذه التفاصيل، أو يحيل فيها إلى أهل الاختصاص الطبي، ويكتفي بالتأكيد على مسؤولية الوالدين عن وقاية أولادهم، وعن مشـروعية التوقي عما يضر، وأنه لا يتعارض مع الإيمان بالقـدر، فاحتج علي بأن ما قاله إنما هو منقول عن أحد علماء الحنابلة القدامى، فقلت له: إن الثقافة الطبية قد تجاوزت ما كان يتحدث عنه هذا الفقيه بمراحل عديدة، ولم يعد ما قاله، رحمه الله، هو المصدر الملائم للمعرفة الطبية. [ ص: 94 ]

ومع أهمية تأهيل طلاب العلم في الثقافة المعاصرة؛ فالحاجة ملحة اليوم لنوع جديد من التخصصات، كمن يتخصص في فقه القضايا الطبية، ومن يتخصص في فقه الأسرة والقضايا الاجتماعية، والفقه السياسي، والاقتصادي. وأصحاب هذا التخصص لا ينبغي أن يقف تأهيلهم عند مجرد التأهيل الفقهي، بل لا بد من تأهيلهم في المجالات التي يختصون بها: فقهية، وسياسية، وطبية، واقتصادية [2] .

وقد أكد أهل العلم على شيء من ذلك، قال الغزالي: "ألا يدع فنا من العلوم المحمودة ولا نوعا من أنواعه إلا وينظر فيه نظرا يطلع به على مقصده وغايته، ثم إن ساعده العمر ظل يتبحر فيه، وإلا اشتغل بالأهم منه واستوفاه وتطرف من البقية؛ فإن العلوم متفاوتة وبعضها مرتبط ببعض".(إحياء علوم الدين، 1 / 51 ).

ويشير الغزالي إلى أن من فوائد اعتناء طالب العلم بالتوسع في سائر العلوم تقبلها، فيقـول: "ويستفيد منه في حال الانفكاك عن عداوة ذلك العلم بسبب جهله، فإن الناس أعداء ما جهلوا" (إحياء علوم الدين، 1 / 51 -52). [ ص: 95 ]

وكثيرا ما نرى بعض طـلاب العـلم يتحـدث عن قضيـة فكرية أو اجتماعية أو سياسية ذات بعد شرعي، وهو يجهل هذا المجال، فلكل مجال لغته وأدواته الخاصة؛ وارتباطه بجانب شرعي لا يعني أن القضية بمجملها شرعية؛ فهي تحوي بعدا شرعيا، وبعدا سياسيا أو فكريا أو اجتماعيا، والإحاطة بالبعد الشرعي لا تكفي لتناول الموضوع والحديث فيه.

وقد اشترط أهل العلم على من يفتي أن يكون فقيها بالواقعة محل الفتوى، وهذا الفقه لا يتأتى إلا بوجود الثقافة الكافية في هذا المجال.

كما اشترط الفقهاء لبعض الوظائف الشرعية المعرفة بما يتصل بهذه الوظيفة، فاشترطوا للمؤذن العلم بالوقت، واشترطوا للقاضي شروطا تخصه، وهكذا في سائر الوظائف، ولا يسوغ لمن يتصدى للشأن العام ويدلي برأيه فيه أن يكون محدود الثقافة، ولا أن تقتصر مصادر تكوينه على الكتب التراثية فحسب.

كما أن أثر الثقـافة المعـاصرة لا يقتصر على ما تقدمه من محتوى، فلها أثرها على شخصية صاحبها، وطريقة تفكيره ورؤيته للأمور.

ولذا اعتنى طائفة من علماء السـلف بتعـلم بعض العلوم لا لذاتها، إنما لتأثيرها على شخصية المتعلم، وتنمية مهاراته.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله: "وأيضا فإن النظر في العلوم الدقيقة يفتق الذهن، ويدربه ويقويه على العلم، فيصير مثل كثرة الرمي بالنشاب وركوب الخيل تعين على قوة الرمي والركوب، وإن لم يكن ذلك وقت قتال، وهذا مقصد حسن. [ ص: 96 ]

ولهذا كان كثير من علماء السنة يرغب في النظر في العلوم الصادقة الدقيقة كالجبر، والمقابلة، وعويص الفرائض، والوصايا؛ لشحذ الذهن؛ فإنه علم صحيح في نفسه، ولهذا يسمى الرياضي؛ فإن لفظ الرياضة يستعمل في ثلاثة أنواع: في رياضة الأبدان بالحركة والمشي، كما يذكر ذلك الأطباء وغيرهم، وفي رياضة النفوس بالأخلاق الحسنة المعتدلة والآداب المحمودة، وفي رياضة الأذهان بمعرفة دقيق العلم والبحث عن الأمور الغامضة.

ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "إذا لهوتم فالهوا بالرمي، وإذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض"، أراد إذا لهوا بعمل، أن يلهوا بعمل ينفعهم في دينهم وهو الرمي، وإذا لهوا بكلام لهوا بكلام ينفعهم أيضا في عقلهم ودينهم، وهو الفرائض".(الرد على المنطقيين، 255-256).

التالي السابق


الخدمات العلمية