الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين كِتَابِ تَرْتِيبِ الْأَوْرَادِ وَتَفْصِيلِ إِحْيَاءِ اللَّيْلِ . وَهُوَ الْكِتَابُ الْعَاشِرُ مِنْ إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ وَبِهِ اخْتِتَامُ رُبْعِ الْعِبَادَاتِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ الْمُسْلِمِينَ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . نَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى آلَائِهِ حَمْدًا كَثِيرًا وَنَذْكُرُهُ ذِكْرًا لَا يُغَادِرُ فِي الْقَلْبِ اسْتِكْبَارًا وَلَا نُفُورًا وَنَشْكُرُهُ ؛ إِذْ جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شَكُورًا وَنُصَلِّي عَلَى نَبِيِّهِ ، الَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَعَلَى آلِهِ الطَّاهِرِينَ وَصَحْبِهِ الْأَكْرَمِينَ الَّذِينَ اجْتَهَدُوا فِي عِبَادَةِ اللَّهِ غُدْوَةً وَعَشِيًّا وَبِكُرَة وَأَصِيلًا حَتَّى أَصْبَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَجْمًا فِي الدِّينِ هَادِيًا وَسِرَاجًا مُنِيرًا . أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْأَرْضَ ذَلُولًا لِعِبَادِهِ إِلَّا لِيَسْتَقِرُّوا فِي مَنَاكِبِهَا بَلْ لِيَتَّخِذُوهَا مَنْزِلًا فَيَتَزَوَّدُوا مِنْهَا زَادًا يَحْمِلُهُمْ فِي سَفَرِهِمْ إِلَى أَوْطَانِهِمْ وَيَكْتَنِزُونَ مِنْهَا تُحَفًا لِنُفُوسِهِمْ عَمَلًا وَفَضْلًا مُحْتَرِزِينَ مِنْ مَصَايِدِهَا وَمَعَاطِبِهَا وَيَتَحَقَّقُونَ أَنَّ الْعُمُرَ يَسِيرُ بِهِمْ سَيْرَ السَّفِينَةِ بِرَاكِبِهَا فَالنَّاسُ فِي هَذَا الْعَالَمِ سَفْرٌ وَأَوَّلُ مَنَازِلِهِمُ الْمَهْدُ وَآخِرُهَا اللَّحْدُ وَالْوَطَنُ هُوَ الْجَنَّةُ أَوِ النَّارُ وَالْعُمُرُ مَسَافَةُ السَّفَرِ فَسِنُوهُ مَرَاحِلُهُ وَشُهُورُهُ فَرَاسِخُهُ وَأَيَّامُهُ أَمْيَالُهُ وَأَنْفَاسُهُ خُطُوَاتُهُ وَطَاعَتُهُ بِضَاعَتُهُ وَأَوْقَاتُهُ رُءُوسُ أَمْوَالِهِ وَشَهَوَاتُهُ وَأَغْرَاضُهُ قُطَّاعُ طَرِيقِهِ وَرِبْحُهُ الْفَوْزُ بِلِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فِي دَارِ السَّلَامِ مَعَ الْمُلْكِ . الْكَبِيرِ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ وَخُسْرَانُهُ الْبُعْدُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ الْأَنْكَالِ وَالْأَغْلَالِ وَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ فِي دِرْكَاتِ الْجَحِيمِ . فَالْغَافِلُ فِي نَفَسٍ مِنْ أَنْفَاسِهِ حَتَّى يَنْقَضِيَ فِي غَيْرِ طَاعَةٍ تُقَرِّبُهُ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى مُتَعَرِّضٌ فِي يَوْمِ التَّغَابُنِ لِغَبِينَةٍ وَحَسْرَةٍ مَا لَهَا مُنْتَهَى وَلِهَذَا الْخَطَرِ الْعَظِيمِ وَالْخَطْبِ الْهَائِلِ شَمَّرَ الْمُوَفَّقُونَ عَنْ سَاقِ الْجِدِّ وَوَدَعُوا بِالْكُلِّيَّةِ مَلَاذَ النَّفْسِ وَاغْتَنَمُوا بَقَايَا الْعُمُرِ وَرَتَّبُوا بِحَسَبِ تَكَرُّرِ الْأَوْقَاتِ وَظَائِفَ الْأَوْرَادِ حِرْصًا عَلَى إِحْيَاءِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي طَلَبِ الْقُرْبِ مِنَ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ وَالسَّعْيِ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ فَصَارَ مِنْ مَهَمَّاتِ عِلْمِ طَرِيقِ الْآخِرَةِ تَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِي كَيْفِيَّةِ قِسْمَةِ الْأَوْرَادِ وَتَوْزِيعُ الْعِبَادَاتِ الَّتِي سَبَقَ شَرْحُهَا عَلَى مَقَادِيرِ الْأَوْقَاتِ وَيَتَّضِحُ هَذَا الْمُهِمُّ بِذِكْرِ بَابَيْنِ: الْبَابُ الْأَوَّلُ : فِي فَضِيلَةِ الْأَوْرَادِ وَتَرْتِيبِهَا فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ . الْبَابُ الثَّانِي : فِي كَيْفِيَّةِ إِحْيَاءِ اللَّيْلِ وَفَضِيلَتِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ . إتحاف السادة المتقين * ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، اللَّهُ نَاصِرُ كُلِّ صَابِرٍ) * الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَرَّبَ إِلَى قُدْسِهِ مَنْ شَاءَ وَأَرَادَهْ، وَأَدْنَى إِلَى حَظِيرَةِ أُنْسِهِ مَنْ سَبَقَتْ لَهُ مِنَ الْأَزَلِ الْعِنَايَةُ الْمَحْضَةُ بِالْإِرَادَهْ، وَرَدِفَ لَهُ مِنْ صَافِي مَحَبَّتِهِ شَرَابًا مِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ أَتْحَفَ بِهِ وُرَّادَهْ، فَيَسَّرَ لَهُ الْقِيَامَ بِوَظَائِفِ الْأَعْمَالِ وَأَوْرَادِ الْعِبَادَهْ، وَأَتَمَّ لَهُ الْوُصُولَ، وَأَكْمَلَ السُّؤْلَ، وَحَبَاهُ مُنَاهُ، وَأَوْلَاهُ مُرَادَهْ، أَحْمَدُهُ حَمْدًا أَسْتَدِرُّ بِهِ كُنُوزَ الزِّيَادَهْ، وَأَشْكُرُهُ شُكْرًا أَسْتَجْلِبُ بِهِ فَيْضَهُ وَإِمْدَادَهْ . وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً يَرْقَى بِهَا قَائِلُهَا مَصَاعِدَ السَّعَادَهْ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مَوْلَانَا وَسَيِّدَنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ وَخَلِيلُهُ، سَيِّدُ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، الْمَبْعُوثُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، مَنْ تَمَّتْ لَهُ فِي سَائِرِ الرُّتَبِ وَالْأَدْوَارِ السِّيَادَهْ، عَيْنُ الْيَقِينِ الْأَوَّلِ، وَقُطْبُ دَائِرَةِ التَّمْكِينِ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ لِأَهْلِ السُّلُوكِ وَالْإِرَادَهْ، وَعَلَى آلِهِ الْأعْيَانِ، وَأَصْحَابِهِ ذَوِي الْأَخْلَاقِ الْحِسَانِ، التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمُ الْحُسْنَى وَزِيَادَهْ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا كَثِيرًا . أَمَّا بَعْدُ: نَفَحَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ بِنَسَائِمِ قُرْبِهِ، وَسَقَانَا وَإِيَّاكَ مِنْ كَاسَاتِ حُبِّهِ . فَهَذَا شَرْحُ ( كِتَابِ تَرْتِيبِ الْأَوْرَادِ فِي الْأَوْقَاتِ) وَتَوْظِيفِ الْأَعْمَالِ عَلَى الْأَنْفَاسِ وَاللَّحَظَاتِ، وَهُوَ الْعَاشِرُ مِنَ الرُّبُعِ الْأَوَّلِ مِنَ الْإِحْيَاءِ، لِلْإِمَامِ الْعَالِمِ الْهُمَامِ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ أَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ، أَسْكَنَهُ اللَّهُ بُحْبُوحَةَ دَارِ السَّلَامِ، وَنَظَمَنَا فِي سِلْكِ أَحْبَابِهِ فِي يَوْمِ الْجَمْعِ وَالزِّحَامِ، يَحِلُّ أَلْفَاظَهُ وَيَكْشِفُ عَنْ مَعَانِيهِ، وَيَرْفَعُ النِّقَابَ عَنْ مُخَدِّرَاتِ أَسْرَارِهِ لِمَعَانِيهِ، فَهُوَ رَوْضٌ أَزْهَرُ بِالْمَعَارِفِ، وَمَجْمُوعُ جَمْعِ الْفَوَائِدِ وَاللَّطَائِفِ، سِرْتُ فِيهِ سَيْرًا وَسَطًا، وَتَجَنَّبْتُ تَفْرِيطًا وَشَطَطًا، لَا تَقْصِيرَ مُخِلٌّ وَلَا تَطْوِيلَ مُمِلٌّ، هَذَا مَعَ مَا أَنَا عَلَيْهِ مِنْ شُغُلِ الْبَالِ، بِتَغَيُّرِ الْأَحْوَالِ، وَتَوَاتُرِ الصُّرُوفِ وَالْأَهْوَالِ، فَصِرْتُ إِذَا أَصَابَتْنِي نِبَالٌ تَكَسَّرَتِ النِّصَالُ عَلَى النِّصَالِ، وَلِلَّهِ دَرُّ مْنَ قَالَ: وَيَمْنَعُنِي الشَّكْوَى إِلَى النَّاسِ أَنَّنِي عَلِيلٌ وَمَنْ أَشْكُو إِلَيْهِ عَلِيلُ وَيَمْنَعُنِي الشَّكْوَى إِلَى اللَّهِ أَنَّهُ عَلِيمٌ بِمَا أَلْقَاهُ قَبْلَ أَقُولُ وَأَنَا مُتَوَسِّلٌ بِالْمُصَنِّفِ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- إِلَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي حَلِّ عُقْدَتِي، وَتَفْرِيجِ كُرْبَتِي؛ فَقَدْ حَكَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعَارِفِينَ مَا يَدْخُلُ فِي ضِمْنِ مَنَاقِبِهِ أَنَّ مِنْ كَرَامَاتِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ مَنْ تَوَسَّلَ بِهِ إِلَى اللَّهِ أَجَابَ نِدَاءَهُ، وَقَبِلَ دُعَاءَهُ، فَهَا أَنَا بِهِ إِلَى الْمَوْلَى -جَلَّ وَعَزَّ- قَدْ تَوَسَّلْتُ، وَبِجَاهِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَشَفَّعْتُ، فَهُوَ أَوْجَهُ الشُّفَعَاءِ، وَأَكْرَمُ الْكُرَمَاءِ، وَرَبِّي -عَزَّ وَجَلَّ- هُوَ الْغَفُورُ الْجَوَادُ، الْقَدِيرُ عَلَى فَرَجِ الْعِبَادِ، لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَلَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُهُ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ . قَالَ الْمُصَنِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) يُقَالُ لِمَجْمُوعِهَا: الْبَسْمَلَةُ وَالتَّسْمِيَةُ، وَالْأَوَّلُ وَأَكْثَرُ، وَالْمُرَادُ بِالْكِتَابِ مَا أُرِيدَ كَتْبُهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ حَقَّهَا أَنْ تَكُونَ مُفْتَتَحَ كُلِّ كِتَابٍ، قِيلَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَرَبَ الْغَيْمُ إِلَى الْمَشْرِقِ، وَسَكَنَتِ الرِّيَاحُ، وَهَاجَ الْبَحْرُ، وَأَصْغَتِ الْبَهَائِمُ بِآذَانِهَا، وَرُجِمَتِ الشَّيَاطِينُ، وَحَلَفَ اللَّهُ بِعِزَّتِهِ وَجَلَالِهِ أَنْ لَا يُسَمَّى اسْمُهُ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا بَارَكَ فِيهِ، وَاخْتَصَّتْ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ لِيَعْلَمَ الْعَارِفُ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِأَنْ يُلْجَأَ إِلَيْهِ وَيُسْتَعَانَ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، وَيُعَوَّلَ عَلْيَهِ هُوَ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ، الْمَعْبُودُ بِالْحَقِّ، الَّذِي هُوَ مَوْلَى النِّعَمِ كُلِّهَا، عَاجِلِهَا وَآجِلِهَا، جَلِيلِهَا وَحَقِيرِهَا، فَيَتَوَجَّهُ بِكُلِّيَّتِهِ إِلَيْهِ، وَيَتَمَسَّكُ بِحَبَلِ التَّوْفِيقِ، وَيَشْغَلُ سِرَّهُ بِذِكْرِهِ، وَالِاسْتِغْنَاءِ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَيَعْتَمِدُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ عَلْيَهِ . ثُمَّ قَالَ ( نَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى آلَائِهِ) أَيْ: نِعَمِهِ ( حَمْدًا كَثِيرًا) أَيْ: مَوْصُوفًا بِالْكَثْرَةِ، وَآثَرَ الْجُمْلَةَ الْفِعْلِيَّةَ نَظَرًا لِمَقَامِ الْحَمْدِ عَلَى نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِيُفِيدَ تَجَدُّدَ صُدُورِ الْحَمْدِ مِنْ تَعَلُّقِهِ بِاللَّهِ تَعَالَى عَلَى اسْتِغْرَاقِ الْأَزْمِنَةِ بِمَعُونَةِ الْمَقَامِ، عَلَى أَنَّ فِيهِ إِتْعَابًا دُونَ الثُّبُوتِ . وَلَا شَكَّ أَنَّ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ أَحْمَزُهَا، أَيْ: أَشَدُّهَا وَأَشَقُّهَا، مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الشَّرَفِ بِإِظْهَارِ النِّعْمَةِ عَلْيَهِ، وَأَنَّهُ مِمَّنْ أَهْلٌ لِذَلِكَ لِتَلَبُّسِهِ بِالْعِبَادَةِ الْعُظْمَى الَّتِي هِيَ حَمْدُهُ عَلَى نِعَمِهِ السَّرْمَدِيَّةِ، وَأَيْضًا فَالْمَحْمُودُ عَلْيَهِ هُنَا لَيْسَ مِنَ الصِّفَاتِ الثَّابِتَةِ لِلَذَّاتِ كَالرُّبُوبِيَّةِ فَنَاسَبَ الْفِعْلِيَّةَ . ( وَنَذْكُرُهُ ذِكْرًا لَا يُغَادِرُ) أَيْ: لَا يَتْرُكُ ( فِي الْقَلْبِ) أَيْ: بَاطِنِهِ ( اسْتِكْبَارًا) أَيْ: تَكَبُّرًا ( وَلَا نُفُورًا) أَيِ: انْقِبَاضًا وَعَدَمَ الرِّضَا بِهِ، وَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ الْآيَةَ، وَلَفْظُ الذِّكْرِ يَشْمَلُ الْحَمْدَ وَغَيْرَهُ كَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالْحَوْقَلَةِ وَالْحَسْبَلَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلْيَهِ وَسَلَّمَ- فَإِنَّ الْآتِيَ بِكُلٍّ مِنْهَا يُسَمَّى ذَاكِرًا، وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَلِكُلِّ ذِكْرٍ ثَمَرَةٌ وَخَاصَّةٌ، فَإِيرَادُهُ بَعْدَ الْحَمْدِ مِنْ قَبِيلِ ذِكْرِ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ، وَهُوَ شَائِعٌ فِي فَصِيحِ الْكَلَامِ . وَلَمَّا كَانَ الْمَقَامُ يَقْتَضِي مَزِيدَ الِاهْتِمَامِ بِالْحَمْدِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْكِتَابَ الَّذِي شَرَعَ فِيهِ مِنْ جَلَائِلِ النِّعَمِ، قَدَّمَ جُمْلَةَ الْحَمْدِ عَلَى جُمْلَةِ الذِّكْرِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ أَفْضَلُ مِنْ بَاقِي الْأَذْكَارِ، صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ وَبَيَّنُوهُ بِمَا حَاصِلُهُ بِأَنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ فِيهِ تَنْزِيَهُ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوْحِيدُهُ، وَزِيَادَةُ شُكْرِهِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْأَذْكَارِ يُضَاعَفُ مَا يُضَاعَفُ الْحَمْدُ لِلَّهِ؛ فَإِنَّ النِّعَمَ كُلَّهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ الْمُنْعِمُ، وَالْوَسَائِطُ مُسَخَّرُونَ مِنْ جِهَتِهِ، وَهَذِهِ الْمَعْرِفَةُ وَرَاءَ التَّقْدِيسِ وَالتَّوْحِيدِ لِدُخُولِهِمَا فِيهِ، وَيَنْطَوِي فِيهَا مَعَهُمَا كَمَالُ الْقُدْرَةِ، وَالِانْفِرَادُ بِالْفِعْلِ؛ وَلِذَلِكَ ضُوعِفَ الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا لَمْ يُضَاعَفْ غَيْرُهُ مِنَ الْأَذْكَارِ مُطْلَقًا . ( وَنَشْكُرُهُ؛ إِذْ جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً) يَخْلُفُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، بِأَنْ يَقُومَ مَقَامَهُ فِيمَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ ( لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ) بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ: يَتَذَكَّرَ، وَقِرَاءَةُ حَمْزَةَ: "أَنْ يَذْكُرَ" بِالتَّخْفِيفِ، مِنْ ذَكَرَ بِمَعْنَى تَذَكَّرَ، أَيْ: يَتَذَكَّرَ، أَيْ: يَتَذَكَّرَ آلَاءَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَتَفَكَّرَ فِي صُنْعِهِ، فَيَعْلَمَ أَنْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ صَانِعٍ حَكِيمٍ، وَاجِبِ الذَّاتِ، رَحِيمٍ عَلَى الْعِبَادِ ( أَوْ أَرَادَ شَكُورًا) بِالضَّمِّ، أَيْ: شُكْرًا، أَيْ: أَرَادَ أَنْ يَشْكُرَ اللَّهَ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ النِّعَمِ. وَفِي إِيرَادِ هَذِهِ الْآيَةِ هُنَا بَرَاعَةُ الِاسْتِهْلَالِ . ( وَنُصَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ، الَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ) الْوَاضِحِ، وَهُوَ حَقٌّ ( بَشِيرًا) بِالْجَنَّةِ وَدَرَجَاتِهَا لِمَنْ آمَنَ بِهِ ( وَنَذِيرًا) بِالنَّارِ وَدَرَكَاتِهَا لِمَنْ خَالَفَهُ، وَتَمَرَّدَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ( وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الْأَكْرَمِينَ) جَمْعُ أَكْرَمَ، وَهُوَ أَفْعَلُ مِنْ كَرُمَ كَرَامَةً، وَكَرَامَتُهُمْ شَرَفُ نِسْبَتِهِمْ إِلَيْهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلْيَهِ وَسَلَّمَ- وَتَعَلُّقِهِمْ بِهِ قَرَابَةً وَصُحْبَةً ( الَّذِينَ اجْتَهَدُوا فِي عِبَادَةِ اللَّهِ) الْعَمَلِيَّةِ وَالْقَوْلِيَّةِ ( غُدْوَةً وَعَشِيًّا وَأَصِيلًا وَبُكُورًا) أَيْ: مَسَاءً وَصَبَاحًا ( حَتَّى أَصْبَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ) أَيْ: مِنَ الْآلِ وَالْأَصْحَابِ ( نَجْمًا فِي الدِّينِ) يُهْتَدَى بِهِ فِي أُمُورِهِ ( هَادِيًا) لِغَيْرِهِ بِأَنْوَارِهِ ( وَسِرَاجًا مُنِيرًا) أَيْ: مُضِيئًا، وَإِنَّمَا وَصَفَهُمْ بِالسِّرَاجِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعَدُّدِ النَّفْعِ، وَتَعَدِّيهِ إِلَى غَيْرِهِ . وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا يُبْصِرُ نَفْسَهُ وَغَيْرَهُ إِنْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُبْصَرُ بِهِ غَيْرُهُ أَيْضًا مَعَ أَنَّهُ يُبْصِرُ نَفْسَهُ وَغَيْرَهُ فَهُوَ أَوْلَى بَاسِمِ النُّورِ مِنَ الَّذِي لَا يُؤَثِّرُ فِي غَيْرِهِ أَصْلًا، بَلْ بِالْحَرِيِّ أَنْ يُسَمَّى سِرَاجًا مُنِيرًا؛ لِفَيَضَانِ أَنْوَارِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَهَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ تُوجَدُ لِلرُّوحِ الْقُدْسِيِّ النَّبَوِيِّ؛ إِذْ تَفِيضُ بِوَاسِطَتِهِ أَنْوَاعُ الْمَعَارِفِ عَلَى الْخَلَائِقِ، وَالْأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ سُرُجٌ . وَكَذَلِكَ الْآلُ وَالْأَصْحَابُ، وَلَكِنْ بَيْنَهُمْ تَفَاوُتٌ لَا يُحْصَى . ( أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- جَعَلَ الْأَرْضَ ذَلُولًا) أَيْ: لَيِّنَةً، يَسْهُلُ السُّلُوكُ فِيهَا ( لِعِبَادِهِ) وَلَكِنَّ ( لَا لِيَسْتَقِرُّوا فِي مَنَاكِبِهَا) أَيْ: جَوَانِبِهَا أَوْ جِبَالِهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: هُوَ مَثَلٌ لِفَرْطِ التَّذَلُّلِ؛ فَإِنَّ مَنْكِبَ الْبَعِيرِ يَنْبُو أَنْ يَطَأَهُ الرَّاكِبُ وَلَا يَتَذَلَّلُ لَهُ، فَإِذَا جَعَلَ الْأَرْضَ بِحَيْثُ يُمْشَى فِي مَنَاكِبِهَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ لَمْ يَتَذَلَّلْ ( بَلْ لِيَتَّخِذُوهَا مَنْزِلًا) قَلْعَةً ( فَيَتَزَوَّدُوا مِنْهَا) أَيْ: يَأْخُدُوا مِنْهَا الزَّادَ الَّذِي يُوصِلُهُمْ إِلَى مَعَادِهِمْ، فَمَنْ لَمْ يَتَزَوَّدْ مِنْهَا كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى خَابَتْ رِحْلَتُهُ، فَيْسَتْرِجِعُ مِنْهُ مَا أُعِيرَ مِنْ جَسَدِهِ وَذَاتِ يَدِهِ ( مُحْتَرِزِينَ مِنْ مَصَائِدِهَا) جَمْعُ مَصِيدَةٍ كَمَعِيشَةٍ ( وَمَعَاطِبِهَا) أَيْ: مَهَالِكِهَا ( وَيَتَحَقَّقُونَ) فِي أَنْفُسِهِمْ ( أَنَّ الْعُمُرَ) وَهُوَ بِالضَّمِّ اسْمٌ لِمُدَّةِ عِمَارَةِ الْبَدَنِ بِالْحَيَاةِ ( يَسِيرُ بِهِمْ سَيْرَ السَّفِينَةِ بِرَاكِبِهَا) حَسَبَ الرِّيَاحِ الْمُعْتَوِرَةِ، كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: رَأَيْتُ أَخَا الدُّنْيَا وَإِنْ كَانَ حَاضِرَا أَخَا سَفَرٍ يُسْرَى بِهِ وَهُوَ لَا يَدْرِي ( فَالنَّاسُ فِي هَذَا الْعَالَمِ) أَيْ: عَالَمِ الْمُلْكِ ( سَفْرٌ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، أَيْ: مُسَافِرُونَ ( وَأَوَّلُ مَنَازِلِهِمُ الْمَهْدُ) وَهُوَ مَا يُهَيَّأُ لِلصَّبِيِّ ( وَآخِرُهَا اللَّحْدُ) وَهِيَ الْحُفْرَةُ الْمَائِلَةُ عَنِ الْوَسَطِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَقَرُّ الْمَيِّتِ ( وَالْوَطَنُ) الْأَصْلِيُّ الَّذِي يَسْكُنُهُ ( هُوَ الْجَنَّةُ) إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا ( أَوِ النَّارُ) إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا ( وَالْعُمُرُ) بَيْنَهُمَا ( مَسَافَةُ السَّفَرِ) وَالْمَسَافَةُ الْمَضْرِبُ الْبَعِيدُ، يُقَالُ: كَمْ مَسَافَةُ هَذِهِ الْأَرْضِ؟ وَبَيْنَنَا مَسَافَةُ عِشْرِينَ يَوْمًا، وَأَصْلُهَا مَوْضِعُ سَوْقِ الْأَدِلَّاءِ، أَيْ: ... شَمُّهُمْ، يَتَعَرَّفُونَ حَالَهَا مِنْ قُرْبٍ وَبُعْدٍ، وَجَوْرٍ وَقَصْدٍ، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: عَلَى لَاحِبٍ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ إِذَا سَافَهُ الْعُودُ النُّبَاطِيُّ جَرْجَرَا وَيُقَالُ: بَيْنَهُمَا مَسَاوِفُ وَمَرَاحِلُ . ( فَسِنُوهُ) بِكَسْرِ السِّينِ، أَصْلُهُ سِنُونَ، حُذِفَتِ النُّونُ لِأَجْلِ الْإِضَافَةِ، جَمْعُ سَنَةٍ بِفَتْحٍ وَتَخْفِيفٍ، اسْمٌ لِأَمَدِ تَمَامِ دَوْرَةِ الشَّمْسِ، وَتَمَامِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ دَوْرَةً لِلْقَمَرِ ( مَرَاحِلُهُ) جَمْعُ مَرْحَلَةٍ، وَهِيَ الْمَنْزِلُ الَّذِي يَنْزِلُ فِيهِ الْمُسَافِرَ ثُمَّ يَرْتَحِلُ عَنْهُ ( وَشُهُورُهُ) جَمْعُ شَهْرٍ، اسْمٌ لِلزَّمَانِ الَّذِي بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ ( فَرَاسِخُهُ) جَمْعُ فَرْسَخٍ، وَهِيَ الْمَسَافَةُ الْمَعْلُومَةُ فِي الْأَرْضِ ( وَأَيَّامُهُ) جَمْعُ يَوْمٍ ( أَمْيَالُهُ) جَمْعُ مِيلٍ بِالْكَسْرِ، اسْمٌ لِمَسَافَةٍ مَعْلُومَةٍ فِي الْأَرْضِ ( وَأَنْفَاسُهُ) جَمْعُ نَفَسٍ بِالتَّحْرِيكِ، هُوَ الرِّيحُ الدَّاخِلُ وَالْخَارِجُ فِي الْبَدَنِ مِنَ الْفَمِ وَالْمِنْخَرِ، وَهُوَ كَالْغِذَاءِ لِلنَّفْسِ بِانْقِطَاعِهِ بُطْلَانُهَا ( خُطُوَاتُهُ) جَمْعُ خُطْوَةٍ، اسْمٌ لِلْمَسَافَةِ الَّتِي بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ عِنْدَ الْمَشْيِ ( وَطَاعَتُهُ) وَهِيَ كُلُّ مَا فِيهِ رِضًا وَتَقَرُّبٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ( بِضَاعَتُهُ) وَهِيَ فِي الْأَصْلِ قِطْعَةٌ وَافِرَةٌ مِنَ الْمَالِ تُقْتَنَى لِلتِّجَارَةِ . ( وَأَوْقَاتُهُ رُءُوسُ أَمْوَالِهِ) فَمَتَى ضُيِّعَتْ ضَاعَ رَأْسُ مَالِهِ، وَالْوَقْتُ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَحْدُودِ مِنَ الزَّمَنِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ إِلَى مَاضٍ وَمُسْتَقْبَلٍ، وَعِنْدَ الصُّوفِيَّةِ عِبَارَةٌ عَنْ حَالِكَ وَهُوَ مَا يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدَادُكَ ( وَشَهَوَاتُهُ) مُحَرَّكَةٌ، جَمْعُ شَهْوَةٍ كَثَمَرَةٍ وَثَمَرَاتٍ، وَهِيَ نُزُوعُ النَّفْسِ إِلَى مَا يُلَائِمُ الطَّبْعَ ( وَأَغْرَاضُهُ) جَمْعُ غَرَضٍ، مُحَرَّكَةٌ، وَهِيَ الْفَائِدَةُ الْمُرَتَّبَةُ عَلَى الشَّيْءِ مِنْ حَيْثُ هِيَ مَطْلُوبَةٌ بِالْإِقْدَامِ عَلْيَهِ ( قُطَّاعُ طَرِيقِهِ) وَهُمُ الَّذِينَ يُخِيفُونَ الْمَارَّةَ بِالْإِضْرَارِ وَالْإِتْلَافِ ( وَرِبْحُهُ) هُوَ بِالْكَسْرِ كُلَّ مَا يَعُودُ مِنْ ثَمَرَةِ عَمَلٍ ( الْفَوْزُ بِلِقَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) وَمُشَاهَدَتِهِ ( فِي دَارِ السَّلَامَةِ) أَيْ: جَنَّةِ الْوِصَالِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَقَوْلِهِ: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ( مَعَ الْمُلْكِ الْكَبِيرِ) بِضَمِّ الْمِيمِ، أَيِ: الْمُلْكِ الْعَظِيمِ ( وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ) أَيِ: الْأَبَدِيِّ، الَّذِي لَا يُحَوَّلُ وَلَا يَزُولُ، وَإِلَيْهِ يُرْشِدُ قَوْلُهُ تَعَالَى: نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا . ( وَخُسْرَانُهُ) هُوَ بِالضَّمِّ انْتِقَاصُ رَأْسِ الْمَالِ ( الْبُعْدُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ الْأَنْكَالِ) أَيِ: الْعُقُوبَاتِ ( وَالْأَغْلَالِ) وَهِيَ الْقُيُودُ الَّتِي يُغَلُّ بِهَا الْعُنُقُ ( وَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ) أَيِ: الْمُؤْلِمِ الْمُوجِعِ ( فِي دِرْكَاتِ الْجَحِيمِ) أَيْ: طَبَقَاتِهَا، وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا . ( فَالْغَافِلُ عَنْ نَفَسٍ مِنْ أَنْفَاسِهِ حَتَّى يَنْقَضِيَ) ذَلِكَ النَّفَسُ وَهُوَ فِي حَالَةِ الْغَفْلَةِ ( فِي غَيْرِ طَاعَةٍ تُقَرِّبُهُ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) أَيْ: مَنْزِلَةً رَفِيعَةً ( مُتَعَرِّضٌ فِي يَوْمِ التَّغَابُنِ) هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي تُجْمَعُ فِيهِ الْمَلَائِكَةُ وَالثَّقَلَانِ لِلْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ، وَيَغِبْنُ فِيهِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِنُزُولِ السُّعَدَاءِ مَنَازِلَ الْأَشْقِيَاءِ، وَكَانُوا سُعَدَاءَ، وَبِالْعَكْسِ، مُسْتَعَارٌ مِنْ تَغَابُنِ التُّجَّارِ، قَالَهُ الْبَيْضَاوِيُّ ( لِغَبِينَةٍ) أَيْ: خَسَارَةٍ ( وَحَسْرَةٍ) شَدِيدَةٍ ( مَا لَهَا مُنْتَهَى) حَتَّى يَبْقَى الْقَلْبُ حَسِيرًا لِبُلُوغِ النِّهَايَةِ فِي التَّلَهُّفِ، لَا مَوْضِعَ فِيهِ، كَالْبَصِيرِ الْحَسِيرِ لَا قُوَّةَ لِلنَّظَرِ فِيهِ . ثُمَّ إِنَّ هَذَا السِّيَاقَ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ قَوْلِهِ: أَمَّا بَعْدُ إِلَى هُنَا، هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ لِلْإِنْسَانِ فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَمَا رُشِّحَ لَهُ، مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ- كَمَا عَزَاهُ لَهُ الرَّاغِبُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الذَّرِيعَةِ، قَالَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "النَّاسُ سَفْرٌ، وَالدُّنْيَا دَارُ مَمَرٍّ لَا دَارُ مَقَرٍّ، وَبَطْنُ أُمِّهِ مَبْدَأُ سَفَرِهِ، وَالْآخِرَةُ مَقْصِدُهُ، وَزَمَانُ حَيَاتِهِ مِقْدَارُ مَسَافَتِهِ، وَسِنُوهُ مَنَازِلُهُ، وَشُهُورُهُ فَرَاسِخُهُ، وَأَيَّامُهُ أَمْيَالُهُ، وَأَنْفَاسُهُ خُطَاهُ، يُسَارُ بِهِ سَيْرَ السَّفِينَةِ بِرَاكِبِهَا، وَقَدْ دُعِيَ إِلَى دَارِ السَّلَامِ، فَمَنْ لَمْ يَتَزَوَّدْ مِنْ دُنْيَاهُ خَابَتْ رِحْلَتُهُ، وَتَحَسَّرَ حِينَ لَا يُغْنِيهِ تَحَسُّرُهُ، وَيَقُولُ: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا فَحِينَئِذٍ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ . ( وَلِهَذَا الْخَطَرِ الْعَظِيمِ) أَصْلُ الْخَطَرِ الْإِشْرَافُ عَلَى الْهَلَاكِ، وَخَوْفُ التَّلَفِ، يُقَالُ: هُوَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ، ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ أَمْرٍ عَظِيمٍ خَطَرًا لِذَلِكَ ( وَالْخَطْبِ الْهَائِلِ) أَيِ: الْمُفْزِعِ، يُقَالُ: خَطْبٌ يَسِيرٌ وَخَطْبٌ جَلِيلٌ، وَهُوَ يُقَاسِي خُطُوبَ الدَّهْرِ ( شَمَّرَ الْمُوَفَّقُونَ) أَذْيَالَهُمْ ( عَنْ سَاقِ الْجِدِّ) أَيِ: اسْتَعَدُّوا لِإِقَامَةِ مَرَاسِمِ الطَّاعَاتِ ( وَوَدَعُوا) وَهُوَ بِالتَّخْفِيفِ، وَمِنْهُ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: "مَا وَدَعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى" وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالتَّشْدِيدِ ( بِالْكُلِّيَّةِ) أَيْ: مَرَّةً وَاحِدَةً ( مَلَاذَ بِالنَّفْسِ) أَيْ: مُشْتَهَيَاتِهَا ( وَاغْتَنَمُوا بَقَايَا الْعُمُرِ) أَيْ: مَا بَقِيَ مِنْ عِمَارَةِ الْبَدَنِ بِالْحَيَاةِ ( وَرَتَّبُوا) عَلَى أَنْفُسِهِمْ ( بِحَسَبِ تَكْرَارِ الْأَوْقَاتِ وَظَائِفَ الْأَوْرَادِ) الْوَظِيفَةُ: مَا يُرَتَّبُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ رِزْقٍ أَوْ عَمَلٍ، يُقَالُ لَهُ: وَظِيفَةٌ مِنْ عَمَلٍ، وَالْأَوْرَادُ: جَمْعُ وِرْدٍ، بِالْكَسْرِ، وَهُوَ مَا يُرَتِّبُهُ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ مِنْ عَمَلٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: مَنْ لَا وِرْدَ لَهُ وَارِدَ لَهُ . ( حِرْصًا عَلَى إِحْيَاءِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ( فِي طَلَبِ الْقُرْبِ مِنَ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ) فَمَا تَقَرَّبَ إِلَيْهِ مُتَقَرِّبٌ كَتَقَرُّبِهِ بِالنَّوَافِلِ مِنَ الطَّاعَاتِ ( وَالسَّعْيِ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ) وَهِيَ دَارُ الْآخِرَةِ لِاسْتِقْرَارِهِمْ فِيهَا ( فَصَارَ مِنْ مَهَمَّاتِ عِلْمِ طَرِيقِ الْآخِرَةِ تَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِي كَيْفِيَّةِ قِسْمَةِ الْأَوْرَادِ) الْمُوَظَّفَةِ ( وَتَوْزِيعُ) أَيْ: تَقْسِيمُ أَنْوَاعِ ( الْعِبَادَاتِ الَّتِي قَدْ سَبَقَ شَرْحُهَا) فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ ( عَلَى مَقَادِيرِ الْأَوْقَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ) مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ( وَيَتَّضِحُ هَذَا الْمُهِمُّ) وَيُكْشَفُ سِرُّهُ ( بِذِكْرِ بَابَيْنِ: الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي فَضِيلَةِ الْأَوْرَادِ وَتَرْتِيبِهَا فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، الْبَابُ الثَّانِي: فِي كَيْفِيَّةِ إِحْيَاءِ اللَّيْلِ وَفَضِيلَتِهِ) وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية