الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَقَلَّ مَنْ يَعْرِفُ الْقَدْرَ فِيمَا لَا بُدَّ مِنْهُ بَلْ أَكْثَرُ النَّاسِ يُقَدِّرُونَ فِيمَا عَنْهُ بُدٌّ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَعِدُهُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُهُمْ بِالْفَحْشَاءِ فَيُصْغُونَ إِلَيْهِ وَيَجْمَعُونَ مَا لَا يَأْكُلُونَ خِيفَةَ الْفَقْرِ وَاللَّهُ يَعِدُهُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا فَيُعْرِضُونَ عَنْهُ وَلَا يَرْغَبُونَ فِيهِ . الْأَمْرُ الثَّانِي : الْقَيْلُولَةُ وَهِيَ سُنَّةٌ يُسْتَعَانُ بِهَا عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ كَمَا أَنَّ التَّسَحُّرَ سُنَّةٌ يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ فَإِنْ كَانَ لَا يَقُومُ بِاللَّيْلِ لَكِنْ لَوْ لَمْ يَنَمْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِخَيْرٍ ، وَرُبَّمَا خَالَطَ أَهْلَ الْغَفْلَةِ وَتَحَدَّثَ مَعَهُمْ فَالنَّوْمُ أَحَبُّ لَهُ إِذَا كَانَ لَا يَنْبَعِثُ نَشَاطُهُ لِلرُّجُوعِ إِلَى الْأَذْكَارِ وَالْوَظَائِفِ الْمَذْكُورَةِ إِذْ فِي النَّوْمِ الصَّمْتُ وَالسَّلَامَةُ ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّمْتُ وَالنَّوْمُ فِيهِ أَفْضَلُ أَعْمَالِهِمْ وَكَمْ مِنْ عَابِدٍ أَحْسَنُ أَحْوَالِهِ النَّوْمُ ؛ وَذَلِكَ إِذَا كَانَ يُرَائِي بِعِبَادَتِهِ ، وَلَا يُخْلِصُ فِيهَا ، فَكَيْفَ بِالْغَافِلِ الْفَاسِقِ . قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ كَانَ يُعْجِبُهُمْ : إِذَا تَفَرَّغُوا أَنْ يَنَامُوا طَلَبًا لِلسَّلَامَةِ فَإِذَا كَانَ نَوْمُهُ عَلَى قَصْدِ طَلَبِ السَّلَامَةِ وَنِيَّةِ قِيَامِ اللَّيْلِ كَانَ نَوْمُهُ قُرْبَةً، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَنَبَّهَ قَبْلَ الزَّوَالِ بِقَدْرِ الِاسْتِعْدَادِ لِلصَّلَاةِ بِالْوُضُوءِ وَحُضُورِ الْمَسْجِدِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَإِنْ لَمْ يَنَمْ وَلَمْ يَشْتَغِلْ بِالْكَسْبِ وَاشْتَغَلَ بِالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ فَهُوَ أَفْضَلُ أَعْمَالِ النَّهَارِ ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ غَفْلَةِ النَّاسِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَاشْتِغَالِهِمْ ، بِهُمُومِ الدُّنْيَا فَالْقَلْبُ الْمُتَفَرِّغُ لِخِدْمَةِ رَبِّهِ عِنْدَ إِعْرَاضِ الْعَبِيدِ عَنْ بَابِهِ جَدِيرٌ بِأَنْ يُزَكِّيَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَيَصْطَفِيَهُ لِقُرْبِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَفَضْلُ ذَلِكَ كَفَضْلِ إِحْيَاءِ اللَّيْلِ فَإِنَّ اللَّيْلَ وَقْتُ الْغَفْلَةِ بِالنَّوْمِ ، وَهَذَا وَقْتُ الْغَفْلَةِ بِاتِّبَاعِ الْهَوَى وَالِاشْتِغَالِ بِهُمُومِ الدُّنْيَا ، وَأَحَدُ مَعْنَيَيْ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَيْ : يَخْلُفُ أَحْدُهُمَا الْآخَرَ فِي الْفَضْلِ وَالثَّانِي : أَنَّهُ يَخْلُفُهُ ، فَيُتَدَارَكُ فِيهِ مَا فَاتَ فِي أَحَدِهِمَا . إتحاف السادة المتقين ( وَقَلَّ مَنْ يَعْرِفُ الْقَدْرَ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ) مِمَّا يَكْفِيهِ ( بَلْ أَكْثَرُ النَّاسِ يُقَدِّرُونَ) فِي أَنْفُسِهِمْ ( فِيمَا عَنْهُ بُدٌّ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ) وَهَذِهِ وَرْطَةٌ كَبِيرَةٌ يَصْعُبُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا ( وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَعِدُهُمُ الْفَقْرَ) وَيُمَنِّيهِمْ بِهِ، وَيُسَوِّلُ لَهُمْ فِي طُرُقِهِ، وَيُوهِمُهُمْ أَنَّهُ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ ( وَيَأْمُرُهُمْ بِالْفَحْشَاءِ) مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالِاعْتِقَادِ ( فَيُصْغُونَ إِلَيْهِ) أَيْ: يَمِيلُونَ ( وَيَجْمَعُونَ مَا لَا يَأْكُلُونَ) مِمَّا يَفْضُلُ عَنِ الْحَاجَةِ ( خِيفَةَ الْفَقْرِ) وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؛ وَلِذَا يُوجَدُ فِي آوَاخِرِ الزَّمَانِ أَكْثَرَ مِنْ أَوَّلِهِ ( وَاللَّهُ يَعِدُهُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا فَيُعْرِضُونَ عَنْهُ وَلَا يَرْغَبُونَ فِيهِ) بَلْ يَصُدِّقُونَهُ بِاللِّسَانِ، وَيُخَالِفُونَهُ عِنْدَ الِاخْتِبَارِ وَالْعَمَلِ . ( الْأَمْرُ الثَّانِي: الْقَيْلُولَةُ) وَهِيَ النَّوْمُ فِي الظَّهِيرَةِ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْقَيْلُولَةُ وَالْمَقِيلُ عِنْدَ الْعَرَبِ الِاسْتِرَاحَةُ نِصْفَ النَّهَارِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ نَوْمٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَحْسَنُ مَقِيلًا وَالْجَنَّةُ لَا نَوْمَ فِيهَا، وَعَمَلُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَى أَنَّ الْقَيْلُولَةَ مَطْلُوبَةٌ ( وَهِيَ سُنَّةٌ يُسْتَعَانُ بِهَا عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ) فَإِنْ كَانَ قَبْلَ انْتِصَافِ النَّهَارِ فَيُسْتَعَانُ بِهَا عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْقِيَامِ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَعَلَى مَا سَيَأْتِي ( كَمَا أَنَّ التَّسَحُّرَ سُنَّةٌ يُسْتَعَانُ بِهَا عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ) وَعُلِمَ مِنْ سِياقِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْقَيْلُولَةَ مِنْ غَيْرِ قِيَامِ اللَّيْلِ كَالسَّحُورِ مِنْ غَيْرِ صِيَامِ النَّهَارِ . وَقَدْ رُوِيَ فِي فَضْلِ الْقَيْلُولَةِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: "قِيلُوا فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَا تَقِيلُ" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ، وَالدَّيْلَمِيُّ، وَالْبَزَّارُ، وَفِي الْإِسْنَادِ كَثِيرُ بْنُ مَرْوَانَ وَهُوَ مَتْرُوكٌ. رَوَاهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ الدَّالَانِيِّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ أَنَسٍ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: "اسْتَعِينُوا بِطَعَامِ السَّحَرِ عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ، وَالْقَيْلُولَةِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ" رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي السُّنَنِ، وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، وَالْحَاكِمُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَامِرٍ الْعَقَدِيِّ حَدَّثَنَا زَمْعَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَكَذَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ لَهُ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ زَمْعَةَ: "اسْتَعِينُوا بِقَائِلَةِ النَّهَارِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ، وَبِأَكْلَةِ السَّحَرِ عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ" وَهُوَ عِنْدَ الْبَزَّارِ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَأَوْرَدَهُ الضِّيَاءُ فِي الْمُخْتَارَةِ، فَهُوَ عِنْدَهُ حُجَّةٌ . وَأَخْرَجَ الْبَرَّازُ، عَنْ قَتَادَةَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: "ثَلَاثٌ مَنْ أَطَاقَهُنَّ فَقَدْ أَطَاقَ الصَّوْمَ؛ مَنْ أَكَلَ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبَ، وَتَسَحَّرَ وَقَالَ" أَيْ: نَامَ الْقَيْلُولَةَ . وَلِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ لَهُ مِنْ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ قَالَ: "بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ عَامِلًا لَهُ لَا يَقِيلُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ! فَقِلْ؛ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَا تَقِيلُ". وَفِي حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ أَنَّهُ قَالَ: "الْقَائِلَةُ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الْخَيْرِ، وَهِيَ مُجِمَّةٌ لِلْفُؤَادِ، مِقْوَاةٌ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ". ( فَإِنْ كَانَ لَا يَقُومُ بِاللَّيْلِ) أَيْ: لَيْسَ مِنْ عَادَتِهِ ذَلِكَ ( وَلَكِنْ لَوْ لَمْ يَنَمْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِخَيْرٍ، وَرُبَّمَا خَالَطَ أَهْلَ الْغَفْلَةِ) وَالْكَسَلِ ( وَتَحَدَّثَ مَعَهُمْ) فِيمَا لَا يَعْنِيهِ ( فَالنَّوْمُ أَحَبُّ لَهُ إِذَا كَانَ لَا يَنْبَعِثُ نَشَاطُهُ لِلرُّجُوعِ إِلَى الْأَذْكَارِ وَالْوَظَائِفِ الْمَذْكُورَةِ) . وَقَالَ صَاحِبُ الْعَوَارِفِ: فَإِنْ سَئِمَ مِنَ الصَّلَاةِ تَنَزَّلَ إِلَى التِّلَاوَةِ، ثُمَّ إِلَى الذِّكْرِ، ثُمَّ مِنْهُ إِلَى الْفِكْرِ وَالْمُرَاقَبَةِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْمُرَاقَبَةِ وَتَمَلَّكَتْهُ الْوَسَاوِسُ وَتَزَاحَمَ فِي بَاطِنِهِ حَدِيثُ النَّفْسِ فَلْيَنَمْ؛ فَفِي النَّوْمِ السَّلَامَةُ، وَإِلَّا فَكَثْرَةُ حَدِيثِ النَّفْسِ تُقَسِّي الْقَلْبَ، كَكَثْرَةِ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ مِنْ غَيْرِ لِسَانٍ، فَيُحْتَرَزُ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَسْوَأُ الْمَعَاصِي حَدِيثُ النَّفْسِ، وَالطَّالِبُ يُرِيدُ أَنْ يَعْتَبِرَ بَاطِنَهُ كَمَا يَعْتَبِرُ ظَاهِرَهُ؛ فَإِنَّهُ بِحَدِيثِ النَّفْسِ وَمَا يُتَخَايَلُ لَهُ مِنْ ذِكْرِ مَا مَضَى وَرَأَى وَسَمِعَ كَشَخْصٍ آخَرَ فِي بَاطِنِهِ، فَيُقَيِّدُ الْبَاطِنَ بِالرِّعَايَةِ وَالْمُرَاقَبَةِ كَمَا يُقَيِّدُ الظَّاهِرَ بِالْعَمَلِ وَأَنْوَاعِ الذِّكْرِ . وَيُمْكِنُ الطَّالِبُ الْمُجِدُّ أَنْ يُصَلِّيَ مِنْ صَلَاةِ الضُّحَى إِلَى الِاسْتِوَاءِ مِائَةَ رَكْعَةٍ أُخْرَى، وَأَقَلُّ ذَلِكَ عِشْرُونَ رَكْعَةً، يُصَلِّيهَا خَفِيفَةً، أَوْ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ جُزْءًا مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَالنَّوْمُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ صَلَاةِ الضُّحَى، وَبَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَعْدَادٍ أُخَرَ مِنَ الرَّكَعَاتِ حَسَنٌ ( إِذْ فِي النَّوْمِ الصَّمْتُ وَالسَّلَامَةُ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّمْتُ وَالنَّوْمُ فِيهِ أَفْضَلُ أَعْمَالِهِمْ) وَلَفْظُ الْقُوتِ: وَأَدْنَى أَحْوَالِهِ الصَّمْتُ وَالنَّوْمُ؛ فَفِيهِمَا سَلَامَةٌ مِنْ آثَامِ وَمُخَالَطَةِ اللِّئَامِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْعِلْمِ: "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَكُونُ أَفْضَلُ عِلْمِهِمْ فِيهِ الصَّمْتُ، وَأَفْضَلُ أَعْمَالِهِمُ النَّوْمُ؛ هَذَا لِدُخُولِ الْمُشْكِلَاتِ فِي الْكَلَامِ وَخُرُوجِ الْإِخْلَاصِ مِنَ الْأَعْمَالِ" . ( فَكَمْ مِنْ عَابِدٍ أَحْسَنُ أَحْوَالِهِ النَّوْمُ؛ وَذَلِكَ إِذَا كَانَ يُرَائِي بِعِبَادَتِهِ، وَلَا يُخْلِصُ فِيهَا، فَكَيْفَ بِالْغَافِلِ الْفَاسِقِ) وَلَيْتَ الْعَبْدَ يَكُونُ فِي الْيَقَظَةِ كَالنَّوْمِ؛ إِذْ فِي نَوْمِهِ سَلَامَتُهُ، وَالسَّلَامَةُ مُتَعَذَّرَةٌ فِي يَقَظَتِهِ، وَإِنَّمَا الْفَضَائِلُ لِلْأَفَاضِلِ الَّذِينَ زَادُوا عَلَى السَّلَامَةِ وَالْعَدْلِ بِالْإِحْسَانِ وَالْفَضْلِ ( قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ) وَلَفْظُ الْقُوتِ وَالْعَوَارِفِ: كَانَ يُعْجِبُهُمْ ( إِذَا تَفَرَّغُوا أَنْ يَنَامُوا طَلَبًا لِلسَّلَامَةِ) وَالسَّلَامَةُ أَعَمُّ مِمَّا يَتَضَرَّرُ بِغَيْرِهِ أَوْ يَتَضَرَّرُ بِهِ غَيْرُهُ ( فَإِذَا كَانَ نَوْمُهُ عَلَى قَصْدِ طَلَبِ السَّلَامَةِ وَنِيَّةِ قِيَامِ اللَّيْلِ كَانَ قُرْبَةً) قَالَ صَاحِبُ الْعَوَارِفِ: وَهَذَا النَّوْمُ فِيهِ فَوَائِدُ: مِنْهَا أَنْ يُعِينَ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ، وَمِنْهَا أَنَّ النَّفْسَ تَسْتَرِيحُ وَيَصْفُو الْقَلْبُ لِبَقِيَّةِ النَّهَارِ وَالْعَمَلِ فِيهِ، وَالنَّفْسُ إِذَا اسْتَرَاحَتْ عَادَتْ جَدِيدَةً، فَبَعْدَ الِانْتِبَاهِ مِنْ نَوْمِ النَّهَارِ يَسْتَجِدُّ الْبَاطِنُ نَشَاطًا آخَرَ وَشَغَفًا، كَمَا كَانَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَيَكُونُ لِلصَّادِقِ فِي النَّهَارِ نُهُزَاتٌ يَغْتَنِمُهَا بِخِدْمَةِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَالدَّأَبِ فِي الْعَمَلِ . ( وَلَكِنْ يَنْبَغِي) إِذَا نَامَ ( أَنْ يَنْتَبِهَ) مِنْ نَوْمِهِ ذَلِكَ ( قُبَيْلَ الزَّوَالِ) بِسَاعَةٍ، وَذَلِكَ ( بِقَدْرِ الِاسْتِعْدَادِ) وَالتَّمَكُّنِ ( لِلصَّلَاةِ) أَيِ: الظُّهْرِ ( بِالْوُضُوءِ) وَالِاسْتِنْجَاءِ ( وَحُضُورِ الْمَسْجِدِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ) بِحَيْثُ يَكُونُ وَقْتَ الِاسْتِوَاءِ مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ، ذَاكِرًا وَمُسَبِّحًا، أَوْ تَالِيًا، أَوْ مُرَاقِبًا ( فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ وَقَالَ: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ أَيْ: صَلَاةَ الصُّبْحِ وَصَلَاةَ الْعَصْرِ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ أَرَادَ الْعِشَاءَ الْأَخِيرَةَ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ أَرَادَ الظُّهْرَ وَالْمَغْرِبَ؛ لِأَنَّ الظُّهْرَ صَلَاةٌ فِي آخِرِ الطَّرَفِ الْأَوَّلِ مِنَ النَّهَارِ، وَآخِرُ الطَّرَفِ الْآخَرِ غُرُوبُ الشَّمْسِ، وَفِيهَا صَلَاةُ الْمَغْرِبِ، فَصَارَ الظُّهْرُ أَوَّلَ الطَّرَفِ الْآخَرِ، فَيَسْتَقْبِلُ الطَّرَفَ الْآخَرَ بِالْيَقَظَةِ وَالذِّكْرِ، كَمَا اسْتَقْبَلَ الطَّرَفَ الْأَوَّلَ، وَقَدْ عَادَ بِنَوْمِ النَّهَارِ جَدِيدًا، كَمَا كَانَ بِنَوْمِ اللَّيْلِ . ( وَإِنْ لَمْ يَنَمْ وَلَمْ يَشْتَغِلْ بِالْكَسْبِ) وَكَانَ عِنْدَهُ نَشَاطٌ ( وَاشْتَغَلَ بِالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ) وَالتِّلَاوَةِ وَالْمُرَاقَبَةِ ( فَهُوَ أَفْضَلُ أَعْمَالِ النَّهَارِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ غَفْلَةِ النَّاسِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَ) وَقْتُ ( اشْتِغَالِهِمْ بِهُمُومِ الدُّنْيَا) لِمَرَمَّةِ الْمَعَاشِ ( فَالْقَلْبُ الْمُتَفَرِّغُ لِخِدْمَةِ رَبِّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- عِنْدَ إِعْرَاضِ الْعَبِيدِ عَنْ بَابِهِ) بِالْأَسْوَاقِ وَغَيْرِهَا ( جَدِيرٌ) أَيْ: حَقِيقٌ ( بِأَنْ يُزَكِّيَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ) وَيُطَهِّرَهُ ( وَيَصْطَفِيَهُ لِقُرْبِهِ وَمَعْرِفَتِهِ) بِأَنْ يَحِلَّ فِيهِ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِهِ فَيَغْمُرَهُ بِالْأَنْوَارِ ( وَفَضْلُ ذَلِكَ كَفَضْلِ إِحْيَاءِ اللَّيْلِ) بِالْقِيَامِ ( فَإِنَّ اللَّيْلَ وَقْتُ الْغَفْلَةِ بِالنَّوْمِ، وَهَذَا وَقْتُ الْغَفْلَةِ بِاتِّبَاعِ الْهَوَى) وَمَلَاذِّ النَّفْسِ ( وَالِاشْتِغَالِ بِهُمُومِ الدُّنْيَا، وَأَحَدُ مَعْنَيَيْ قَوْلِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً أَيْ: يَخْلُفُ أَحْدُهُمَا الْآخَرَ فِي الْفَضْلِ) وَهَذَا الْقَوْلُ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ ( وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَخْلُفُهُ، فَيُتَدَارَكُ فِيهِ مَا فَاتَ فِي أَحَدِهِمَا) رَوَاهُ ابْنُ حَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ بِالْمَعْنَيَيْنِ قَرِيبًا .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية