الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين الْخَامِسُ : الِاعْتِدَالُ فِي الْغَيْرَةِ وَهُوَ : أَنْ لَا يَتَغَافَلَ عَنْ بَوَادِرِ الْأُمُورِ الَّتِي تُخْشَى غَوَائِلُهَا وَلَا يُبَالِغَ فِي إِسَاءَةِ الظَّنِّ وَالتَّعَنُّتِ وَتَخْشِينِ الْبَوَاطِنِ فَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُتَّبَعَ عَوْرَاتُ النِّسَاءِ ، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ : أَنْ تُبْغَتَ النِّسَاءُ . وَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سَفَرِهِ قَالَ قَبْلَ دُخُولِ الْمَدِينَةِ لَا تَطْرُقُوا النِّسَاءَ لَيْلًا فَخَالَفَهُ ، رَجُلَانِ فَسَبَقَا ، فَرَأَى كُلُّ وَاحِدٍ فِي مَنْزِلِهِ مَا يَكْرَهُ . وَفِي الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ : الْمَرْأَةُ كَالضِّلْعِ إِنْ قَوَّمْتَهُ كَسَرْتَهُ ، فَدَعْهُ تَسْتَمْتِعْ بِهِ عَلَى عِوَجٍ . وَهَذَا فِي تَهْذِيبِ أَخْلَاقِهَا . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنَ الْغَيْرَةِ : غَيْرَةً يُبْغِضُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَهِيَ غَيْرَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ غَيْرِ رِيبَةٍ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ ، الَّذِي نُهِينَا عَنْهُ ، فَإِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ . وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا تُكْثِرِ الْغَيْرَةَ عَلَى أَهْلِكَ فَتُرْمَى بِالسُّوءِ مِنْ أَجْلِكَ . وَأَمَّا الْغَيْرَةُ فِي مَحَلِّهَا ، فَلَا بُدَّ مِنْهَا ، وَهِيَ مَحْمُودَةٌ . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغَارُ ، وَالْمُؤْمِنَ يَغَارُ ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى : أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ أَنَا وَاللَّهِ أَغْيَرُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي . وَلِأَجَلِّ غَيْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ وَلِذَلِكَ بَعَثَ ; الْمُنْذِرِينَ وَالْمُبَشِّرِينَ ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ ; وَلِأَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ الْجَنَّةَ . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فِي الْجَنَّةِ قَصْرًا وَبِفِنَائِهِ جَارِيَةٌ ، فَقُلْتُ لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ فَقِيلَ : لِعُمَرَ ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَنْظُرَ إِلَيْهَا فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ يَا عُمَرُ ، فَبَكَى عُمَرُ ، وَقَالَ أَعَلَيْكَ : أَغَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟! وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ : أَتَدَعُونَ نِسَاءَكُمْ لِيُزَاحِمْنَ الْعُلُوجَ فِي الْأَسْوَاقِ ، قَبَّحَ اللَّهُ مَنْ لَا يَغَارُ وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : إِنَّ مِنَ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ ، وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ ، وَمِنَ الْخُيَلَاءِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ ، وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ ، فَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ ، فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ ، وَالْغَيْرَةُ الَّتِي يُبْغِضُهَا اللَّهُ ، فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ ، وَالِاخْتِيَالُ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ ، اخْتِيَالُ الرَّجُلِ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الْقِتَالِ ، وَعِنْدَ الصَّدْمَةِ ، وَالِاخْتِيَالُ الَّذِي يُبْغِضُهُ اللَّهُ ، الِاخْتِيَالُ فِي الْبَاطِلِ . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي لِغَيُورٌ ، وَمَا مِنَ امْرِئٍ لَا يَغَارُ إِلَّا مَنْكُوسُ الْقَلْبِ . وَالطَّرِيقُ الْمُغْنِي عَنِ الْغَيْرَةِ : أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهَا الرِّجَالُ وَهِيَ لَا تَخْرُجُ إِلَى الْأَسْوَاقِ . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنَتِهِ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ ، ، أَيُّ شَيْءٍ خَيْرٌ لِلْمَرْأَةِ ؟ قَالَتْ : أَنْ لَا تَرَى رَجُلًا ، وَلَا يَرَاهَا رَجُلٌ ، فَضَمَّهَا إِلَيْهِ ، وَقَالَ : ذَرِّيَّةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ فَاسْتَحْسَنَ قَوْلَهَا . ، إتحاف السادة المتقين (الْخَامِسُ: الِاعْتِدَالُ فِي الْغَيْرَةِ) وَهِيَ بِالْفَتْحِ، مُشْتَقَّةٌ مِنْ تَغَيُّرِ الْقَلْبِ، وَهَيَجَانِ الْغَضَبِ، كَرَاهَةَ شَرِكَةِ الْغَيْرِ فِي حَقِّهِ، وَأَشَدُّ ذَلِكَ مَا يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَلَهَا حَدٌّ، فَإِذَا جَاوَزَهَا الرَّجُلُ، قَصَّرَ عَنِ الْوَاجِبِ، فَالْمُرَادُ بِالِاعْتِدَالِ هُنَا: الْوُقُوفُ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِّ، الَّذِي بِتَجَاوُزِهِ يَقَعُ فِي التَّقْصِيرِ (وَهُوَ: أَنْ لَا يَتَغَافَلَ عَنْ بَوَادِرِ الْأُمُورِ) وَظَوَاهِرِهَا (الَّتِي تُخْشَى غَوَائِلُهَا) أَيْ: مَهَالِكُهَا (وَلَا يُبَالِغَ فِي إِسَاءَةِ الظَّنِّ وَالتَّعَنُّتِ) وَهُوَ: إِدْخَالُ الْمَشَقَّةِ وَالْأَذَى عَلَى الْغَيْرِ (وَتَخْشِينِ الْبَوَاطِنِ) أَيْ: إِيقَاعِ الْخُشُونَةِ فِيهَا، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَتَجَسُّسِ الْبَوَاطِنِ. (فَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ تُتَّبَعَ عَوْرَاتُ النِّسَاءِ. وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: أَنْ يُتَعَنَّتَ النِّسَاءُ) . أَيْ: أَنْ يُفْعَلَ مَا يُوقِعُهُنَّ فِي الْعَنَتِ، أَيِ: الْمَشَقَّةِ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: أَنْ يَتَطَلَّبَ عَثَرَاتِ النِّسَاءِ. وَالْحَدِيثُ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: نَهَى أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا، يَتَخَوَّنُهُمْ، أَوْ يَطْلُبُ عَثَرَاتِهِمْ. وَاقْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ عَلَى ذِكْرِ النَّهْيِ عَنِ الطُّرُوقِ لَيْلًا، اهـ . (وَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ سَفَرٍ) وَهِيَ غَزْوَةُ تَبُوكَ (قَالَ قَبْلَ دُخُولِهِ الْمَدِينَةَ: لَا تَطْرُقُوا النِّسَاءَ لَيْلًا، فَجَاءَ رَجُلَانِ فَسَبَقَاهُ، فَرَأَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَنْزِلِهِ مَا يَكْرَهُ) . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، اهـ. قُلْتُ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا تَطْرُقُوا النِّسَاءَ لَيْلًا، فَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: نَهَى أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلُهُ لَيْلًا. وَتَقَدَّمَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَفِي الصَّحِيحِ حَدِيثُ جَابِرٍ الْمَذْكُورُ: فَلَمَّا قَدَّمْنَا ذَهَبَنَا لِنَدْخُلَ، فَقَالَ: أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا. أَيْ: عَشَاءً، لَكَى تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ الْمُغَيَّبَةُ. وَفِي لَفْظٍ آخَرَ قَالَ لَهُ: إِذَا دَخَلْتَ لَيْلًا فَلَا تَدْخُلُ عَلَى أَهْلِكَ حَتَّى تَسْتَحِدَّ الْمُغَيَّبَةُ، وَتَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ لَا تَطْرُقُوا النِّسَاءَ لَيْلًا: أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى بُلُوغِ خَبَرِهِمْ بِالْوُصُولِ فَاسْتَعَدُّوا، أَوْ أَنَّ الْأَمْرَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَالنَّهْيَ فِي أَثْنَائِهِ، أَوِ الْأَمْرُ لِمَنْ عَلِمَ أَهْلُهُ بِقَدُّومِهِ، وَالْحِكْمَةُ فِي الْإِمْهَالِ . (وَفِي الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ: الْمَرْأَةُ كَالضِّلْعِ) بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَفَتْحِ اللَّامِ، وَسُكُونِهَا، وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ (فَإِنْ قَوَّمْتَهُ كَسَرْتَهُ، فَدَعْهُ تَسْتَمْتِعْ بِهِ عَلَى عِوَجٍ) . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، اهـ. قُلْتُ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي بَابِ الْمُدَارَاةِ مَعَ النِّسَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: الْمَرْأَةُ كَالضِّلْعِ، إِنْ أَقَمْتَهَا كَسَرْتَهَا، وَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: أَنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعٍ، لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ. وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، مَرْفُوعًا: أَنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعٍ، فَإِنْ أَقَمْتَهَا كَسَرْتَهَا، فَدَارِهَا تَعِشْ بِهَا. وَفِي غَرَائِبِ مَالِكٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ نَحْوُ لَفْظِ الْبُخَارِيِّ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: عَلَى خَلِيقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ كَالضِّلْعِ، وَالْعِوَجِ، كَعِنَبٍ، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، وَعِنْدَ أَبِي ذَرٍّ: بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى الْكَسْرِ، وَقِيلَ: بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ -أَيْضًا- فِي بَابِ الْوَصَاةِ لِلنِّسَاءِ، بَعْدَ أَنْ سَاقَ سَنَدَهُ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، مَرْفُوعًا، وَفِيهِ: وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلْعٍ أَعْوَجَ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلْعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ دَنَيْتَ تُقِيمُهُ كَسْرَتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ وَلَمْ تُقِمْهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا. وَمَعْنَى كَالضِّلْعِ، أَيْ: خُلِقَتْ خَلْقًا فِيهِ اعْوِجَاجٌ، فَكَأَنَّهَا كَالضِّلْعِ، وَهُوَ مُعْوَجٌّ مِنْ أَصْلِهِ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الشَّاعِرِ فِي هَذَا الْمَعْنَى: هِيَ الضِّلْعُ الْعَوْجَاءُ لَسْتَ تُقِيمُهَا * إِلَّا أَنَّ تَقْوِيمَ الضُّلُوعِ انْكِسَارُهَا أَتَجْمَعُ ضَعْفًا وَاقْتِدَارًا عَلَى الْهُدَى * أَلَيْسَ عَجِيبًا ضَعْفُهَا وَاقْتِدَارُهَا (فَهَذَا فِي تَهْذِيبِ أَخْلَاقِهَا) وَالرِّفْقِ بِهَا، وَالصَّبْرِ عَلَى عِوَجِ أَخْلَاقِهَا، وَاحْتِمَالِ ضَعْفِ عَقْلِهَا، وَأَنَّ مَنْ رَامَ تَقْوِيمَهَا رَامَ مُسْتَحِيلًا، وَفَاتَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا (وَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: غَيْرَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ، وَهِيَ غَيْرَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ غَيْرِ رِيبَةٍ) كَذَا فِي الْقُوتِ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ، اهـ. (لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ، الَّذِي نُهِينَا عَنْهُ، فَإِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) بِنَصِّ الْقُرْآنِ (وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا تُكْثِرِ الْغَيْرَةَ عَلَى أَهْلِكَ فَتُرْمَى بِالسُّوءِ مِنْ أَجْلِكَ) نَقَلَهُ صَاحِبُ الْقُوتِ (وَكَذَا الْغَيْرَةُ فِي مَحَلِّهَا، فَلَا بُدَّ مِنْهَا، وَهِيَ مَحْمُودَةٌ) مُثْنًى عَلَيْهَا (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغَارُ، وَالْمُؤْمِنَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ: أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ) . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ يَقُلِ الْبُخَارِيُّ: وَالْمُؤْمِنُ يَغَارُ، اهـ. قُلْتُ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ الْغَيْرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّهُ سَمَّعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: أَنْ لَا يَأْتِي، بِزِيَادَةٍ لَا، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ النَّسْفِي، وَأَفْرَطَ الصَّغَانِيُّ فَقَالَ: كَذَا لِلْجَمِيعِ، وَالصَّوَابُ: حَذْفُ لَا، كَذَا قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ، وَمَا أَدْرِي مَا أَرَادَ بِالْجَمِيعِ، بَلْ أَكْثَرَ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَلَى حَذْفِهَا، وِفَاقًا لِمَا رَوَاهُ غَيْرُ الْبُخَارِيِّ، كَمُسْلِمٍ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَغَيْرِهِمَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالتَّقْدِيرُ عَلَى ثُبُوتِ لَا، غَيْرَةُ اللَّهِ ثَابِتَةٌ; لِأَجْلِ أَنْ لَا يَأْتِيَ، وَقَدْ وَجَّهَهُ الْكَرْمَانِيُّ بِمَعْنًى آخَرَ مَذْكُورٍ فِي شَرْحِهِ (وَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ) ؟! بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ الِاسْتِخْبَارِيِّ، أَوِ الْإِنْكَارِيِّ، أَيْ: لَا تَعْجَبُوا مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ (وَاللَّهِ لِأَنَّا أَغْيَرُ مِنْهُ) بِلَامِ التَّأْكِيدِ (وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي) وَغَيْرَتُهُ تَعَالَى: تَحْرِيمُهُ الْفَوَاحِشَ، وَالزَّجْرُ عَنْهَا; لِأَنَّ الْغَيُورَ: هُوَ الَّذِي يَزْجُرُ عَلَى مَا يَغَارُ عَلَيْهِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، فَأَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ الْغَيْرَةِ مُعَلَّقًا، وَفِي كِتَابِ الْحُدُودِ مَوْصُولًا، قَالَ وَزَادَ: عَنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ سَعْدُ بْنُ عِبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لِضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرِ مُصَفَّحٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟! أَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالْحَاكِمِ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْآيَةُ، قَالَ سَعْدُ بْنُ عِبَادَةَ: أَهَكَذَا أُنْزِلَتْ؟ فَلَوْ وَجَدْتُ لُكَاعَ يَفْتَخِذُهَا رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ لِي أَنْ أُحَرِّكَهُ، وَلَا أُهَيِّجَهُ، حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ! فَوَاللَّهِ لَا آتِي بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَا تَسْمَعُونَ مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَلُمْهُ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ غَيُورٌ، وَاللَّهِ مَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً قَطُّ إِلَّا عَذْرَاءَ، وَلَا طَلَّقَ امْرَأَةً قَطُّ فَاجْتَرَأَ رَجُلٌ مِنَّا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، مِنْ شِدَّةِ غَيْرَتِهِ، فَقَالَ سَعْدٌ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّهُ لَحَقٌّ، وَأَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَلَكِنَّنِي عَجِبْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي. (وَلِأَجَلِّ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ) كُلُّ مَا اشْتَدَّ قُبْحُهُ مِنَ الْمَعَاصِي، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: التَّغَيُّرُ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالدَّلَالَةِ الْقَطْعِيَّةِ، فَيَجِبُ تَأْوِيلُهُ، كَالْوَعِيدِ وَإِيقَاعِ الْعُقُوبَةِ بِالْفِعْلِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ (مَا ظَهَرَ مِنْهَا) أَيْ: مِنَ الْفَوَاحِشِ (وَمَا بَطَنَ) أَيْ: خِفِيَ (وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى; وَلِأَجْلِ ذَلِكَ يَبْعَثُ الْمُنْذِرِينَ وَالْمُبَشِّرِينَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعَفْوُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى; وَلِأَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ بِالْجَنَّةِ) . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ، وَمَا أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ. هَكَذَا أَخْرَجَ فِي بَابِ الْغَيْرَةِ، مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ، وَأَخْرَجَهُ -أَيْضًا- فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي التَّوْبَةِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ . (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: رَأَيْتُ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ زِيَادَةُ: لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي (وَفِيهِ جَارِيَةٌ، فَقُلْتُ) لِجِبْرِيلَ، أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ: (لِمَنْ هَذَا) الْقَصْرُ؟ (فَقِيلَ: لِعُمَرَ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَنْظُرَ إِلَيْهَا) أَيْ: إِلَى الْجَارِيَةِ (فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ يَا عُمَرُ، فَبَكَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَالَ: عَلَيْكَ) بِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ (أَغَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ) ؟ قَالَ الْعِرَاقِيُّ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ دُونَ ذِكْرِ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِي، وَلَمْ يَذْكُرِ الْجَارِيَةَ، فَذَكَرَ الْجَارِيَةَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي... الْحَدِيثُ، اهـ. قُلْتُ: حَدِيثُ جَابِرٍ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْمَنَاقِبِ، وَكِتَابِ النِّكَاحِ، وَهَذَا لَفْظُهُ فِي بَابِ الْغَيْرَةِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمَقْدِسِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: قَالَ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، أَوْ أَتَيْتُ الْجَنَّةَ، فَأَبْصَرْتُ قَصْرًا، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ قَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَهُ، فَلَمْ يَمْنَعْنِي إِلَّا عِلْمِي بِغَيْرَتِكَ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَوَعَلَيْكَ أَغَارُ؟ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرْنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جُلُوسٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا لِعُمَرَ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ، فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا، فَبَكَى عُمَرُ وَهُوَ فِي الْمَجْلِسِ، ثُمَّ قَالَ: أَوَعَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغَارُ؟ وَفِي الْبُخَارِيِّ أَيْضًا، فِي الْمَنَاقِبِ، مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا أَنَا بِالرُّمَيْصَاءِ، امْرَأَةِ أَبِي طَلْحَةَ، وَسَمِعْتُ خَشْفَةً، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا بِلَالٌ، وَرَأَيْتُ قَصْرًا بِفَنَائِهِ جَارِيَةٌ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: لِعُمَرَ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُدْخِلَهُ فَأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ، فَقَالَ عُمَرُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعَلَيْكَ أَغَارُ؟ وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى سِيَاقِ الْمُصَنِّفِ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ بِرَيْدَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَدَعَا بِلَالًا، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَأَتَيْتُ عَلَى قَصْرٍ مِنْ ذَهَبٍ، مُرْتَفِعٍ، مُشَرَّفٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ؟ قَالُوا: لِرَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ، قُلْتُ: أَنَا عَرَبِيٌّ، لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ؟ قَالُوا: لِرَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، قُلْتُ: فَأَنَا مُحَمَّدٌ، لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ؟ قَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لَوْلَا غَيْرَتُكَ يَا عُمَرُ لَدَخَلْتُ الْقَصْرَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كُنْتُ لِأَغَارَ عَلَيْكَ... الْحَدِيثُ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، غَرِيبٌ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَاهُ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَالضِّيَاءُ، مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو يَعْلَى، وَالرُّوَيْنِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ فِي الْغَيْلَانِيَّاتِ، وَالشَّافِعِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمُشَرَّفٍ بِالتَّشْدِيدِ مَعْنَاهُ: ذُو شُرَافَاتٍ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ: مُرَبَّعٍ مُشْرِفٍ، أَيْ: ذَا أَرْبَاعٍ، لَا مُدَوَّرَ، وَمُشْرِفٍ، أَيْ: مُرْتَفِعٍ . (وَكَانَ الْحَسَنُ) الْبَصْرِيُّ (رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: أَتَدَعُونَ نِسَاءَكُمْ) ؟ أَيْ: تَتْرُكُوهُنَّ (يُزَاحِمْنَ الْعُلُوجَ) جَمْعُ الْعِلْجِ، بِالْكَسْرِ، وَهُوَ: الرَّجُلُ الضَّخْمُ مِنْ كُفَّارِ الْعَجَمِ، وَبَعْضُهُمْ يُطْلِقُهُ عَلَى مُطْلَقِ الْكَافِرِ (فِي الْأَسْوَاقِ، قَبَّحَ اللَّهُ مَنْ لَا يَغَارُ) . نَقْلَهُ صَاحِبُ الْقُوتِ . (وَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّ مِنَ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ، وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ، وَمِنَ الْخُيَلَاءِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ، وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ، فَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ، فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ، وَالْغَيْرَةُ الَّتِي يُبْغِضُهَا اللَّهُ، فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ الرِّيبَةِ، وَالِاخْتِيَالُ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ، اخْتِيَالُ الرَّجُلِ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الْقِتَالِ، وَعِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى، وَالِاخْتِيَالُ الَّذِي يُبْغِضُهُ اللَّهُ، الِاخْتِيَالُ فِي الْبَاطِلِ) . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ، وَهُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ قَبْلَهُ بِأَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ، اهـ. قُلْتُ: وَيُرْوَى نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، مَرْفُوعًا، قَالَ: غَيْرَتَانِ إِحْدَاهُمَا يُحِبُّهَا اللَّهُ، وَالْأُخْرَى يُبْغِضُهَا اللَّهُ، الْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ يُحِبُّهَا اللَّهُ، وَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ الرِّيبَةِ يُبْغِضُهَا اللَّهُ، وَالْمَخْيَلَةُ إِذَا تَصَدَّقَ الرَّجُلُ، يُحِبُّهَا اللَّهُ، وَالْمَخْيَلَةُ فِي الْكِبْرِ يُبْغِضُهَا اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَالْحَاكِمُ فِي الزَّكَاةِ، وَقَالَ: صَحِيحٌ، وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ، وَقَالَ الْهَيْتَمِيُّ: رِجَالُ الطَّبَرَانِيِّ رِجَالُ الصَّحِيحِ، غَيْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْأَزْرَقِ، وَهُوَ ثِقَةٌ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا الْحَدِيثُ ضَابِطُ الْغَيْرَةِ الَّتِي يُلَامُ صَاحِبُهَا، وَالَّتِي لَا مَلَامَ فِيهَا، قَالَ: وَهَذَا التَّفْصِيلُ يَتَمَحَّضُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ; لِضَرُورَةِ امْتِنَاعِ زَوْجَيْنِ لِامْرَأَةٍ بِطَرِيقِ الْحِلِّ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَحَيْثُ غَارَتْ مِنْ زَوْجِهَا فِي ارْتِكَابِ مُحَرَّمٍ، كَزِنَا، أَوْ نَقْصِ حَقِّ، وَجَوْرٍ عَلَيْهَا لِضَرَّةٍ، وَتَحَقَّقَتْ ذَلِكَ، أَوْ ظَهَرَتِ الْقَرَائِنُ فِيهِ، فَهِيَ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ، فَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ تَوَهُّمٍ، مِنْ غَيْرِ رِيبَةٍ، فَإِنَّهَا الْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الزَّوْجُ عَادِلًا، وَوَفَّى لِكُلِّ مِنْ زَوْجَتَيْهِ حَقَّهَا، فَالْغَيْرَةُ مِنْهَا إِنْ كَانَتْ لِمَا فِي الطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ الَّتِي لَمْ يَسْلَمْ مِنْهَا أَحَدٌ مِنَ النِّسَاءِ فَتُعْذَرُ فِيهَا، مَا لَمْ تَتَجَاوَزْ إِلَى مَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ، أَوْ فِعْلٍ، وَعَلَيْهِ حُمِلَ مَا جَاءَ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنَ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، اهـ . (وَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنِّي لِغَيُورٌ، وَمَا مِنَ امْرِئٍ لَا يَغَارُ إِلَّا مَنْكُوسُ الْقَلْبِ) . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: تَقَدَّمَ أَوَّلُهُ، وَأَمَّا آخِرُهُ فَرَوَاهُ أَبُو عُمَرَ النَّوْقَانِيُّ، فِي كِتَابِ مُعَاشَرَةِ الْأَهْلِينَ، مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ مُرْسَلًا، وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، اهـ. قُلْتُ: وَمَنْكُوسُ الْقَلْبِ، هُوَ: الدَّيُّوثُ، وَقِيلَ: الْمُخَنَّثُ (وَالطَّرِيقُ الْمُغْنِي عَنِ الْغَيْرَةِ: أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهَا الرِّجَالُ) وَلَوْ كَانَ مِنْ قَرَابَتِهَا; لِمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ: الْحُمْوُ الْمَوْتُ. (وَهِيَ تَخْرُجُ إِلَى الْأَسْوَاقِ) وَلَا إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الْمَحَافِلِ، الَّتِي تَجْتَمِعُ فِيهَا النِّسَاءُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، فَهَذَا هُوَ الدَّوَاءُ النَّافِعُ لِقَطْعِ الْغَيْرَةِ، إِذْ يَسْلَمُ حِينَئِذٍ مِنْ وَقْعِ الرِّيبَةِ فِيهَا مِنْ سَائِرِ الْوُجُوهِ . (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِابْنَتِهِ فَاطِمَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَيُّ شَيْءٍ خَيْرٌ لِلْمَرْأَةِ؟ قَالَتْ: أَنْ لَا تَرَى رَجُلًا، وَلَا يَرَاهَا رَجُلٌ، فَضَمَّهَا إِلَيْهِ، وَقَالَ: ذَرِّيَّةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، وَاسْتَحْسَنَ كَلَامَهَا) قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ، مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية