الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
(الفصل الخامس: في ثناء الأكابر عليه من مشايخه وممن عاصره وممن أتى بعده)

قال ابن السبكي: حكي عن الشيخ العارف أبي الحسن الشاذلي -رضي الله عنه- وكان سيد عصره ولسان وقته، وبركة زمانه أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- في النوم، وقد باهى -عليه الصلاة والسلام- موسى وعيسى -عليهما السلام- بالإمام الغزالي، وقال: "أفي أمتكما حبر مثل هذا؟ قالا: لا" .

وسئل السيد العارف بالله سيد وقته أيضا أبو العباس المرسي عن الغزالي، فقال: أنا أشهد له بالصديقية العظمى .

ونقل المناوي في طبقاته عن القطب اليافعي، عن بعض العلماء الجامعين بين علم الظاهر والباطن، أنه قال: لو كان نبي بعد النبي لكان الغزالي [ ص: 10 ] وشهد له القطب سيدي محيي الدين بن عربي، وناهيك به أنه من رؤساء الطريق وساداتهم، ونقل عنه أنه كان يرى المناسبة، ويقول بها، فرأى في بيت المقدس حمامة وغرابا لصق أحدهما بالآخر، وأنس به، ولم يستوحش منه فقال: اجتماعهما لمناسبة، فأشار إليهما بيده، فدرجا، فإذا بكل منهما عرج. قال: والمناسبة في مساق الأشياء صحيحة، ومعرفتها من مقامات خواص أهل الطريقة، وهي غامضة موجودة في كل شيء حتى بين الاسم والمسمى. قال: والقائلون بها من طريقتنا عظماء أهل المراقبة والأدب، ولا تكون إلا بعد كشف علمي، ومشهد ملكوتي .

ويروى عن بعضهم قال: الأقطاب ثلاثة: قطب العلوم كحجة الإسلام الغزالي، وقطب الأحوال، كأبي يزيد البسطامي، وقطب المقامات كعبد القادر الجيلاني، نقلته من كتاب القصد والسداد في مناقب القطب السيد عبد الله باحداد.

وفيه أيضا من كلمات المترجم -قدس سره- هذا الثوب نسجه الغزالي، وقصره عبد القادر الجيلاني، أو قال الشعراني، أو هما، ونحن خيطناه ونقشناه، وأين من يلبسه؟

قال: ففيه إشارة إلى أن الغزالي والشعراني قد بلغا في العلوم اللدنية المبلغ الذي فاقا به الكل .

وقال السبكي في جواب كتاب أبي العفيف المطري، وقد سأله عن الغزالي ما نصه: وماذا يقول الإنسان وفضله واسمه قد طبق الأرض، ومن خبر كلامه عرف أنه فوق اسمه؟! .

وقال محمد بن يحيى النيسابوري تلميذ الغزالي: لا يعرف الغزالي وفضله إلا من بلغ أو كاد أن يبلغ الكمال في عقله .

قال ابن السبكي: يعجبني هذا الكلام فإن الذي يجب أن يطلع على منزلة من هو أعلى منه في العقل يحتاج إلى العقل والفهم، فبالعقل يميز وبالفهم يقضي، ولما كان علم الغزالي في الغاية القصوى احتاج من يريد الاطلاع على مقداره أن يكون هو تام العقل .

وأقول: لا بد مع تمام العقل من مداناة مرتبته في العلم لمرتبة الآخر، وحينئذ فلا يعرف أحد ممن جاء بعد الغزالي قدر الغزالي إلا بمقدار علم الغزالي؛ إذ لم يجئ بعده مثله، ثم المداني له إنما يعرف قدره بقدر ما عنده لا بقدر الغزالي نفسه .

سمعت الشيخ الإمام الوالد يقول: لا يعرف قدر الشيخ في العلم إلا من ساواه في رتبته وخالطه، مع ذلك قال: وإنما يعرف قدره بمقدار ما أوتيه هو، وكان يقول لنا: لا أحد من الأصحاب يعرف قدر الشافعي كما يعرفه المزني، قال: وإنما يعرف المزني من قدر الشافعي بمقدار قوى المزني، والزائد عليها من قوى الشافعي لم يدركه المزني .

وكان يقول أيضا: لا يقدر أحد النبي -صلى الله عليه وسلم- حق قدره إلا الله تعالى، وإنما يعرف كل واحد من مقداره بمقدار ما عنده هو، قال: فأعرف الأمة بقدره -صلى الله عليه وسلم- أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- لأنه أفضل الأمة، قال: وإنما يعرف أبو بكر من مقدار المصطفى -صلى الله عليه وسلم- ما تصل إليه قوى أبي بكر، وثم أمور تقتصر عنها قواه لم يحط بها علمه، ومحيط بها علم الله، وهو كلام نفيس .

وقد قدمنا كلام شيخه إمام الحرمين فيه -وناهيك به جلالة وقدرا-: إن الغزالي بحر مغرق .

وقال الحافظ أبو طاهر السلفي: سمعت الفقهاء يقولون: كان الجويني -يعني إمام الحرمين- يقول في تلامذته إذا ناظروا: التحقيق للخوافي والحربيات للغزالي، والبيان للبكاء.

التالي السابق


الخدمات العلمية