الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
ومنها أن تكون عنايته بتحصيل العلم النافع في الآخرة المرغب في الطاعات مجتنبا للعلوم التي يقل نفعها ويكثر فيها الجدال والقيل والقال .

فمثال من يعرض عن علم الأعمال ويشتغل بالجدال مثل : رجل مريض به علل كثيرة وقد صادف طبيبا حاذقا في وقت ضيق يخشى فواته فاشتغل بالسؤال عن خاصية العقاقير والأدوية وغرائب الطب وترك مهمه الذي هو مؤاخذ به وذلك محض السفه .

وقد روي أن رجلا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " علمني من غرائب العلم فقال له : ما صنعت في رأس العلم فقال ؟ : وما رأس العلم ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : هل عرفت الرب تعالى ؟ قال : نعم ، قال : فما صنعت في حقه ؟ قال ما شاء الله فقال صلى الله عليه وسلم ، هل عرفت الموت ؟ قال : نعم ، قال : فما أعددت له ؟ قال : ما شاء الله ، قال صلى الله عليه وسلم اذهب فاحكم : ما هناك ، ثم تعال ، نعلمك من غرائب العلم بل ينبغي أن يكون المتعلم من جنس ما روي عن حاتم الأصم ، تلميذ شقيق البلخي رضي الله عنهما أنه قال له شقيق : منذ كم صحبتني قال حاتم : منذ ثلاث وثلاثين سنة ، قال : فما تعلمت مني في هذه المدة ؟ قال : ثماني مسائل ، قال شقيق له : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ذهب عمري معك ولم تتعلم إلا ثماني مسائل ، قال : يا أستاذ لم أتعلم غيرها وإني لا ، أحب أن أكذب فقال هات هذه الثماني مسائل حتى أسمعها قال حاتم : نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد يحب محبوبا فهو مع محبوبه إلى القبر فإذا وصل إلى القبر فارقه فجعلت الحسنات محبوبي فإذا دخلت القبر دخل محبوبي معي فقال أحسنت يا حاتم فما الثانية فقال ؟ : نظرت في قول الله عز وجل : وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ، فعلمت أن قوله سبحانه وتعالى هو الحق فأجهدت ، نفسي في دفع الهوى حتى استقرت على طاعة الله تعالى .

الثالثة أني : نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل من معه شيء له قيمة ، ومقدار رفعه وحفظه ثم نظرت إلى قول الله عز وجل ما عندكم ينفذ وما عند الله باق فكلما وقع معي شيء له قيمة ومقدار وجهته إلى الله ليبقى عنده محفوظا .

، الرابعة أني : نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد منهم يرجع إلى المال وإلى الحسب والشرف والنسب فنظرت فيها فإذا هي لا شيء ، ثم نظرت إلى قول الله تعالى : إن أكرمكم عند الله أتقاكم فعملت في التقوى حتى أكون عند الله كريما .

الخامسة أني ، نظرت إلى هذا الخلق وهم يطعن بعضهم في بعض ويلعن بعضهم بعضا ، وأصل هذا كله الحسد ، ثم نظرت إلى قول الله عز وجل ، نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا فتركت الحسد واجتنبت الخلق وعلمت أن القسمة من عند الله سبحانه وتعالى فتركت ، عداوة الخلق عني .

السادسة نظرت إلى هذا الخلق يبغي بعضهم على بعض ويقاتل بعضهم بعضا فرجعت إلى قول الله عز وجل : إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا فعاديته وحده واجتهدت في أخذ حذري منه لأن الله تعالى شهد عليه أنه عدو لي فتركت عداوة الخلق غيره .

السابعة نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد منهم يطلب هذه الكسرة فيذل فيها نفسه ويدخل فيما لا يحل له ثم نظرت إلى قوله تعالى : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها فعلمت أني واحد من هذه الدواب التي على الله رزقها فاشتغلت بما لله تعالى علي وتركت ما لي عنده .

الثامنة نظرت إلى هذا الخلق فرأيتهم كلهم متوكلين على مخلوق ، هذا على ضيعته وهذا على تجارته ، وهذا على صناعته ، وهذا على صحة بدنه وكل مخلوق متوكل على مخلوق مثله فرجعت إلى قوله تعالى ومن يتوكل على الله فهو حسبه فتوكلت على الله عز وجل فهو حسبي قال شقيق يا حاتم ، وفقك الله تعالى فإني نظرت في علوم التوراة والإنجيل والزبور والفرقان العظيم فوجدت جميع أنواع الخير والديانة وهي تدور على هذه الثمان مسائل فمن استعملها ، فقد استعمل الكتب الأربعة فهذا الفن من العلم لا يهتم بإدراكه والتفطن له إلا علماء الآخرة فأما علماء الدنيا فيشتغلون بما يتيسر به اكتساب المال والجاه ويهملون أمثال هذه العلوم التي بعث الله بها الأنبياء كلهم ، عليهم السلام ، وقال الضحاك بن مزاحم أدركتهم وما يتعلم بعضهم من بعض إلا الورع وهم اليوم ما يتعلمون إلا الكلام ومنها أن يكون غير مائل إلى الترفه في المطعم والمشرب والتنعم في الملبس والتجمل في الأثاث والمسكن بل يؤثر الاقتصاد في جميع ذلك ويتشبه فيه بالسلف رحمهم الله تعالى ويميل إلى الاكتفاء بالأقل في جميع ذلك

التالي السابق


( ومنها) أي: ومن العلامات المميزة بين علماء الدنيا والآخرة ( أن تكون عنايته) وهمته ( بتحصيل العلم النافع في الآخرة) لا غير ( و) كذلك العلم ( المرغب في الطاعة) حالة كونه ( متجنبا للعلوم التي يقل نفعها) ولا يحتاج إليها في أكثر الحالات ( و) هي العلوم التي ( يكثر فيها الجدال) والخصومات ( والقيل والقال) حتى يؤدي إلى تمزيق الثياب والمسافهة، والمصافعة بالأكف والنعال، ( فمثال من يعرض عن علم الأعمال ويشتغل) عنها ( بالجدال) وعلم القيل والقال، ( مثال: رجل مريض به علل كثيرة وقد صادف) أي: وجد ( طبيبا حاذقا) أي: ماهرا بفنه ( في وقت ضيق يخشى فواته) بسفره أو غيره ( فاشتغل بالسؤال عن) مسائل مثل ( خاصية بالعقاقير والأدوية) أي: مفرداتها ( وغرائب الطب) ونوادره التي لا يحتاج إليها ( وترك مهمة الذي هو) مقصود له، و ( مؤاخذ به) لدفع علله، ( وذلك محض السفه) ، وعين الحماقة، وقلة الإدراك في تصوره، (وروي أن رجلا جاء إلى رسول [ ص: 379 ] الله صلى الله عليه وسلم، وقال له: "علمني من غرائب العلم فقال له: ما صنعت في رأس العلم؟ قال: وما رأس العلم؟ فقال له صلى الله عليه وسلم: هل عرفت الرب سبحانه؟ قال: نعم، قال: فما صنعت في معرفته؟ قال ما شاء الله، قال هل عرفت الموت؟ قال: نعم، قال: فما أعددت له؟ قال: ما شاء الله، قال: اذهب فاحكم ما هناك، ثم تعال، نعلمك من غرائب العلم) .

قال العراقي: رواه أبو بكر بن السني، وأبو نعيم، كل واحد في كتابه رياضة المتعلمين، وابن عبد البر في بيان العلم، من رواية خالد بن أبي كريمة عن عبد الله بن المسور، قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم: فقال: "يا رسول الله، أتيتك لتعلمني من غرائب العلم"، فذكره وهو مرسل ضعيف جدا، قال ابن أبي حاتم عبد الله بن مسور بن عبد الله بن عون بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي المدائني، سألت أبي عنه، فقال: الهاشميون لا يعرفونه وهو ضعيف، الحديث يحدث بمراسيل لا يوجد لها أصل في أحاديث الثقات .

وقال أحمد بن حنبل: أحاديثه موضوعة، كان يضع الحديث، ويكذب اهـ .

قلت: وفي الديوان للذهبي عبد الله بن مساور، تابعي مجهول، وأما الراوي عنه خالد بن أبي كريمة، فمن رجال النسائي وابن ماجه، وثق، وقال أبو حاتم ليس بالقوي، ثم إنه قد يكون المراد بغرائب العلم الأحاديث الغرائب التي لا خير في روايتها، وقد ورد عن جماعة من العلماء كراهية الاشتغال بها، وذهاب الأوقات في طلبها فقد أخرج الخطيب في مناقب شرف أصحاب الحديث له من طريق محمد بن جابر عن الأعمش عن إبراهيم، قال: كانوا يكرهون غريب الكلام وغريب الحديث وأخرج من طريق بشر بن الوليد قال سمعت أبا يوسف يقول: لا تكثروا من الحديث الغريب، الذي لا يجيء به الفقهاء، وآخر أمر صاحبه أن يقال: كذاب، وأخرج من طريق المروزي قال: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: تركوا الحديث وأقبلوا على الغرائب ما أقل الفقه، فيهم فعلم من ذلك أن السؤال في غرائب الكلام والحديث مذموم والمدار على معرفة رأس العلم الذي هو معرفة الله سبحانه، ثم ثم ( بل ينبغي أن يكون التعلم) في العلم ( من جنس ما روي عن حاتم) بن علوان ( الأصم، تلميذ شقيق) بن إبراهيم ( البلخي) ، الزاهد، رحمهما الله تعالى: ( إنه قال له شقيق: منذ كم صحبتني) ؟ أي في السلوك ( قال حاتم: منذ ثلاث وثلاثين سنة، قال: فما تعلمت مني في هذه المدة؟ قال: ثماني مسائل، قال شقيق: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهب عمري معك ولم تتعلم إلا ثماني مسائل، قال: يا أستاذ لم أتعلم غيرها، ولا أحب أن أكذب) في قولي ( فقال) شقيق: ( هات هذه الثماني مسائل حتى أسمعها قال حاتم: نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد يحب محبوبا) له، ( فهو مع محبوبه إلى القبر فإذا وصل القبر فارقه) ورجع إلى ما فيه، ( فجعلت الحسنات محبوبي) وهي الأعمال الصالحة ( فإذا دخلت القبر دخل معي محبوبي) فهي لا تفارقني دنيا وأخرى ( قال أحسنت يا حاتم فما الثانية؟ قال: نظرت في قول الله عز وجل: وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ، فعلمت أن قوله سبحانه هو الحق، فاجتهدت نفسي) وكلفتها ( في دفع الهوى) المذكور في الآية ( حتى استقرت) ، وثبتت ( على طاعة الله تعالى) ، واطمأنت بها .

( الثالثة: نظرت الى هذا الخلق فرأيت كل من معه شيء له قيمة، ومقدار ينفد) أي: يفرغ ( وما عند الله باق) أي: لا يفنى ولا ينفد، ( فكلما وقع معي شيء له) عندي ( مقدار وقيمة وجهته إليه) ذخيرة ( ليبقى عنده، الرابعة: إني نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد منهم يرجع) في الكرم ( إلى المال) فيقتنيه ويضن به ( و) إلى ( الحسب) فيفتخر به، وفي نسخة والنسب والشرف، ( فإذا هو لا شيء، ثم نظرت إلى قوله عز وجل: إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) وعرفت سره ( فعلمت في التقوى حتى أكون [ ص: 380 ] عند الله كريما) ، وفي نسخة شريفا كريما ( الخامسة، نظرت إلى هذا الخلق وهم يطعن بعضهم في بعض) بذكر المعايب والمخازي، ( ويلعن بعضهم بعضا، وأصل هذا كله الحسد، ثم نظرت إلى قول الله عز وجل، نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا فتركت) ما هو سبب لذلك، وهو ( الحسد) واجتنبت الخلق، ( وعلمت أن القسم من الله تعالى، وتركت عداوة الخلق عني السادسة نظرت إلى هذه الخلق يبغي بعضهم على بعض) ، بالتعدي ( ويقاتل بعضهم بعضا) على حب المال والجاه والرياسة، ( فرجعت إلى قوله تعالى: إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا فعاديته وحده) إذ هو رأس الأعداء وأصل كل بلاء ( واجتهدت في أخذ حذري منه) واتقيته; ( لأن الله تعالى شهد عليه) في كتابه العزيز ( إنه عدو لي فتركت عداوة الخلق) وسلمت من شره ( السابعة نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد منهم يطلب هذه الكسرة) من الخبز، ( فيذل نفسه) في تحصيلها، ( ويدخل فيما لا يحل له) الدخول فيه، ( ثم نظرت إلى قوله تعالى: وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها فعلمت) أن الله قد تكفل بالرزق و ( إني واحد من هذه الدواب التي على الله رزقها فاشتغلت بما لله علي) من الائتمار بأوامره، والانتهاء عن مناهيه، ( وتركت مالي عنده) ، فاسترحت ( الثامنة نظرت إلى هذا الخلق، فرأيت كل واحد) منهم ( متوكلا) ومستندا ( هذا على ضيعته) أي: قريته، التي يستغل منها الرزق، ( وهذا على تجارته، وهذا على صناعته، وهذا على صحة بدنه) فيستغل بالأجرة، ( وكل مخلوق متوكل على مخلوق) معتمد عليه في حوائجه ومهماته، ( فرجعت إلى قوله عز وجل ومن يتوكل على الله فهو حسبه) أي: كافيه، عن غيره ( فتوكلت على الله وهو حسبي) ، وتركت التوكل على المخلوق ( قال شقيق يا حاتم، وفقك الله فإني نظرت في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن العظيم وهم يدورون) ، وفي نسخة فهي تدور ( على هذه الثماني المسائل فمن استعملها، فقد استعمل الكتب الأربعة) ، هكذا أورده المصنف بهذا السياق، وساقها أبو نعيم في الحلية، في ترجمة حاتم الأصم بما يخالفه، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا عبد الله بن محمد بن زكريا، حدثنا أبو تراب، قال: قال شقيق لحاتم الأصم مذ أنت صحبتني أي شيء تعلمت؟ قال: ست كلمات قال: ما أولهن؟ قال: رأيت كل الناس في شك من أمر الرزق، وإني توكلت على الله تعالى، قال: وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها فعلمت أني من هذه الدواب، واحد، فلم أشغل نفسي بشيء قد تكفل لي به ربي، قال: أحسنت، فما الثانية؟ قال: رأيت لكل إنسان صديقا يفشي إليه سره، ويشكو إليه أمره، فقلت: أنظر من صديقي فكل صديق راح، رأيته قبل الموت، فأردت أن أعد صديقا يكون لي بعد الموت، فصادقت الخير ليكون معي إلى الحساب، ويكون معي على الصراط، ويثبتني بين يدي الله عز وجل، قال: أصبت فما الثالثة؟ قال: رأيت كل الناس لهم عدو، فقلت: أنظر من عدوي، فأما من اغتابني فليس هو عدوي، وأما من أخذ مني شيئا فليس هو عدوي، ولكن عدوي الذي إذا كنت في طاعة الله، أمرني بمعصية الله فرأيت ذلك إبليس وجنوده فاتخذتهم عدوا فوضعت الحرب بيني وبينهم، ووترت قوسي ووصلت سهمي، فلا أدعه يقربني قال: أحسنت، فما الرابعة، قال: رأيت كل الناس لهم طالب، كل واحد منهم واحدا فرأيت ذلك ملك الموت، ففزعت له نفسي، حتى إذا جاء لا ينبغي أن أمسكه فأمضي معه، قال أحسنت فما الخامسة؟ قال: نظرت في هذا الخلق، فأحببت واحدا، وأبغضت واحدا، فالذي أحببته لم يعطني، والذي أبغضته لم يأخذ مني شيئا فقلت: من أين أتيت هذا فرأيت أني، أتيت هذا من قبل الحسد فطرحت الحسد من قلبي فأحببت الناس كلهم، فكل شيء لم أرضه لنفسي لم أرضه لهم، قال: أحسنت، فما السادسة؟ قال: رأيت الناس كلهم لهم بيت ومأوى، ورأيت مأواي القبر، فكل شيء قدرت عليه من الخير قدمته لنفسي حتى أعمر قبري، فإن القبر إذا لم يكن عامرا لم يستطع القيام فيه، فقال شقيق: عليك بهذه الخصال الستة [ ص: 381 ] فإنك لا تحتاج إلى علم غيره، انتهى. ( فهذا الفن) والنوع ( من العلم) إنما ( يهتم بإدراكه) ، ويقوم بأود تحصيله، ( والتفطن له) ، والانصباغ به ( علماء الآخرة) كحاتم وأضرابه، ( وأما علماء الدنيا فيشتغلون بما يتيسر به اكتساب المال والجاه) والرياسة، ( ويهملون) أي: يتركون ( أمثال هذه العلوم) النفيسة، ( التي بعث بها الأنبياء والرسل كلهم، عليهم) الصلاة و ( السلام، وقال الضحاك) بن مزاحم الهلالي أبو القاسم، ويقال: أبو محمد الخراساني: صدوق كثير الإرسال، مات بعد المائة ( أدركتهم وما يتعلم بعضهم من بعض إلا الورع) المراد عصر الصحابة، فإن الضحاك تابعي، ( وهم اليوم يتعلمون الكلام) ويتركون السؤال عن الورع، وهذا القول أورده صاحب القوت، و ( منها) أي، ومن علامات علماء الآخرة ( أن يكون غير مائل إلى الترفه في المطعم) ، فيعطي للنفس منه مناها ( و) لا ( التنعم في الملبس) بأن يلبس رقاق الثياب ورفيعه وما يشار إليها بالبنان، ( و) لا ( التجمل في الأثاث) فرش البيت ( والمسكن) بسعته ورفعة بنائه، وكذا التجمل في المركب، وقد نهي عن كل من ذلك ( بل يؤثر) يختار ( الاقتصاد) أي: التوسط ( في جميع ذلك ويتشبه فيه بالسلف) الصالحين، ( ويميل فيه بالاكتفاء بالأقل في جميع ذلك) فهذه علامة علماء الآخرة، وقد أشار لذلك القطب سيدي علي وفا في بعض مؤلفاته وبين الاقتصاد في كل ذلك، وزاد فأفاد قال رضي الله عنه: يكفيك من الغذاء ما تهن لتركه القوى ومن الملبس ما لا يسفهك به العاقل، ولا يزدريك به الغافل، ومن المركب ما حمل رحلك، وأراح رجلك، ولا يزدري بركوبه مثلك، ومن المسكن ما وراك عمن لا تريده أن يراك ومن الحلائل الودود الولود ومن الخدم الأمين المطيع، ومن الأصحاب من يعينك على كمالك في جميع أحوالك ومن الأدب ما يقيك غضب الكريم، والعالم وجراءة اللئيم، والظالم ومن العلم ما طابق الذوق الصحيح، من الاعتقاد ما يعينك على طاعة المعتقد من غير اعتراض، ومن معرفة الحق ما أسقط اختيارك لغيره، ومن معرفة بالباطل ما منعك، من اختياره ومن المحبة ما حققتك بإيثار محبوبك على سواء، ومن حسن الظن بالخلق ما لا يقبل معه سوء التأويل ولا قول العائب بغير دليل، ومن الحذر ما يمنع من مراكنة تجر إلى مباينة، ومن الظن بالله ما لا يجر إلى معصيته ولا يؤيس من رحمته، ومن اليقين ما تعصم به من صرف وجه الطلب عن حيرة، ومن التوحيد ما لا يبقى معه، أثر لغيره ومن الفكر ما وصل إلى فهم مراده، ومن الخواطر ما بعث على تعظيم ما عظم وهضم ما هضم، وقد وضحت لك الأنوار فإن شئت فاقتبس، وقد بينت الأصول فافهم الجامع، واتق المانع ثم قس انتهى، أوردته بتمامه تبركا به، وإن كانت الأنفاس متفاوتة لكن المآل إلى واحد .




الخدمات العلمية