الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأما الإمام مالك رضي الله عنه فإنه كان أيضا متحليا بهذه الخصال الخمس فإنه قيل له ما تقول يا مالك في طلب العلم فقال حسن جميل ولكن انظر إلى الذي يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسي فالزمه وكان رحمه الله تعالى في تعظيم علم الدين مبالغا حتى كان إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرح لحيته واستعمل الطيب وتمكن من الجلوس على وقار وهيبة ثم حدث فقيل له : في ذلك فقال : أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال مالك : العلم نور يجعله الله حيث يشاء وليس بكثرة الرواية وهذا الاحترام والتوقير يدل على قوة معرفته بجلال الله تعالى وأما إرادته وجه الله تعالى بالعلم فيدل عليه قوله : الجدال في الدين ليس بشيء .

ويدل عليه قول الشافعي رحمه الله إني شهدت مالكا وقد سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال : في اثنتين وثلاثين منها لا أدري .

ومن يرد غير وجه الله تعالى بعلمه فلا تسمح نفسه بأن يقر على نفسه بأنه لا يدري ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه إذا ذكر العلماء فمالك النجم الثاقب وما أحد أمن علي من مالك .

وروي أن أبا جعفر المنصور منعه من رواية الحديث في طلاق المكره ثم دس عليه من يسأله فروى على ملأ من الناس ليس على مستكره طلاق فضربه بالسياط ولم يترك رواية الحديث .

وقال مالك رحمه الله : ما كان رجل صادقا في حديثه ولا يكذب إلا متع بعقله ولم يصبه مع الهرم آفة ولا خرف .

التالي السابق


(وأما مالك رضي الله عنه) قال السيوطي في تزيين الأرائك في مناقب الإمام مالك ما حاصله: هو إمام الأئمة أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خثيل بن عمرو بن الحارث هو ذو أصبح بن سويد بن عمرو بن سعيد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سهل بن عمر بن قبيل بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير الأكبر بن سبأ الأكبر بن عبد شمس بن يعرب بن يشجب بن قحطان قال أبو مصعب مالك بن أنس من العرب وحلفه من قريش في بني تيم بن مرة، قال الغافقي: وأمه العالية ابنة شريك الأزدية وقيل: اسمها طليحة وذكر القاضي بكر بن العلاء القشيري إن أبا عمر جد مالك له صحبة وابنه مالك جد مالك من كبار التابعين ويقال: إن جده أبا عامر تابعي مخضرم .

ولد الإمام مالك سنة ثلاث وتسعين في ربيع الأول وقيل: سنة أربع قاله محمد بن عبد الحكم، وقيل: سنة ثلاث وسبعين، وقيل: غير ذلك، قال ابن سعد: وأخبرنا مطرف بن عبد الله قال: كان مالك بن أنس طويلا عظيم القامة أصلع أبيض الرأس واللحية أبيض شديد البياض إلى الشقرة وكان لباسه الثياب المدنية الجياد وكان يكره حلق الشارب ويعيبه ويراه من المثل، وشيوخه كثيرون قد أفردوا بالتآليف منهم نافع والزهري والمقري وربيعة الرأي وغيرهم، وروى عنه ألف رجل سوى سبعة عدهم الحافظ أبو بكر الخطيب مرتبا على حروف المعجم من كبارهم إبراهيم بن أدهم الزاهد والإمام الشافعي، والإمام أبو حنيفة ومحمد بن الحسن الشيباني ووالد البخاري صاحب الصحيح وإسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة وإسحاق بن إبراهيم الموصلي صاحب الأغاني وأشهب بن عبد العزيز [ ص: 202 ] المصري وبشر بن الحارث أبو نصر الزاهد والحسن بن زياد اللؤلؤي وذو النون المصري وسفيان الثوري، ومات قبله، وسفيان بن عيينة والحسين الكرابيسي وابن المبارك وعبد الله بن عبد الحكم والأوزاعي وهو أكبر منه والأصمعي والليث بن سعد وهو من أقرانه والزهري وهو من شيوخه وابن أبي ذؤيب ومحمد الباقر ويحيى بن سعيد الأنصاري وهو من شيوخه وتوفي في ربيع الأول سنة 179 وقال مصعب في صفر، وصلى عليه عبد الله بن محمد بن إبراهيم الهاشمي، أمير المدينة وكان أحد من حمل نعشه وخلف من الأولاد يحيى ومحمدا وحمادة وأم أبيها وبلغت تركته ثلاثة آلاف دينار وثلاثمائة دينار ونيفا (فإنه كان ملتحيا بهذا الخصال الخمس) المذكورة (فإنه سئل ما يقول مالك) وفي نسخة: يا مالك ما تقول (في طلب العلم) المفهوم من حديث: طلب العلم فريضة على كل مسلم (فقال في جوابه) هو ( حسن جميل ولكن انظر الذي يلزمك) تعلمه ( من حيث تصبح إلى حين تمسي فالزمه) وهذه المقالة قد رويت عنه من أوجه ثلاثة: الأول رواه ابن عبد البر في كتاب بيان العلم من طريق ابن وهب قال: سئل مالك عن طلب العلم أهو فريضة على الناس؟ فقال: لا والله ولكن يطلب منه ما ينتفع به في دينه، الثاني من طريق محمد بن معاوية الحضرمي قال: سئل مالك وأنا أسمع عن الحديث الذي يذكر فيه: طلب العلم فريضة على كل مسلم، فقال: ما أحسن طلب العلم فأما فريضته فلا، الثالث: من طريق عبد الملك بن حبيب أنه سمع عبد الملك بن الماجشون، قال: سمعت مالكا وسئل عن طلب العلم أواجب؟ فقال: أما معرفة شرائعه وسننه وفقهه الظاهر فواجب وغير ذلك، منه من ضعف عنه فلا شيء عليه وهذه الأقوال مع غيرها ذكرناها مبسوطة فيما سلف عند ذكر الحديث المذكور (وكان -رحمه الله- في تعظيم علم الدين مبالغا حتى) روى عنه أنه (كان إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه) أي: أعلاه (وسرح لحيته) بالمشط (واستعمل الطيب وتمكن في الجلوس) على ركبتيه (على وقار وهيبة) وخشوع وسكون ( ثم يحدث فقيل له: في ذلك فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم) ويروى عن معن بن عيسى، قال: كان مالك إذا أراد أن يجلس للحديث اغتسل وتبخر وتطيب فإن رفع أحد صوته في مجلسه زبره، وقال: قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي فمن رفع صوته عند حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكأنما رفع صوته فوق صوت النبي -صلى الله عليه وسلم- اهـ .

ومن هنا قال بعض الحفاظ: ما أعهد من نفسي أني أمسكت جزءا من الحديث وأنا على غير طهارة (وقال مالك: العلم نور) إلهي (يجعله الله تعالى حيث يشاء) من عباده وفي نسخة: فيمن يشاء (وليس) العلم (بكثرة الرواية) وهذه الجملة الأخيرة قد رويت عن عبد الله بن مسعود، أخرج أبو نعيم في الحلية من طريق عون بن عبد الله بن مسعود، قال: قال عبد الله بن مسعود ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية وسيأتي ذلك .

(وهذا الاحترام والتوقي) للعلم (يدل على قوة معرفته بجلال الله عز وجل) وخوفه منه (وأما إرادته وجه الله تعالى بالعلم فيدل عليه قوله: الجدال في الدين) أي: المعادات في علومه (ليس بشيء) أي لا ثمرة له وهو مذموم عند السلف، وأخرج الخطيب من رواية سعيد بن بشير بن ذكوان، قال كان مالك إذا سئل عن مسألة فظن أن صاحبها غير متعلم، وأنه يريد المغالطة نزع له بهذه الآية يقول: قال الله تعالى: وللبسنا عليهم ما يلبسون . (ويدل عليه) أيضا (قول الشافعي) فيما روي عنه (إني شهدت مالكا و) قد (سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال: في اثنين وثلاثين منها لا أدري) وأجاب عن الباقي وهكذا كان عبد الله بن عمر إذا سئل عن عشرة يجيب عن واحدة ويسكت عن تسعة وسيأتي أن لا أدري نصف العلم، وفي رواية ثلث العلم، وقال أحمد بن شيبان: سمعت عبد الرحمن بن مهدي قال: كنا عند مالك فجاءه رجل فقال من مسيرة ستة أشهر حملني أهل بلادي مسألة فسأله عنها فقال لا أحسن قال فأي شيء أقول لأهل بلادي قال: تقول: قال مالك لا أحسن، وأخرج أبو نعيم من طريق أبي مصعب قال: سمعت مالكا [ ص: 203 ] يقول ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك (ومن يريد غير وجه الله بعلمه فلا تسمح نفسه) بمقتضى جبلتها (بأن يقر على نفسه بأنه لا يدري) بل يجب أن يجيب في كل مسألة مهما أمكن لئلا ينسب الجهل إلى نفسه (فلذلك قال الشافعي) فيما رواه عنه يونس بن عبد الأعلى الصوفي (إذا ذكر العلماء فمالك نجم) ويروى إذا جاء مالك فمالك النجم، وفي الحلية من طريقه إذا جاء الأثر فمالك النجم، وقال يونس: وسمعته يقول لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز، وأخرج البخاري في تاريخه عن يحيى بن سعيد القطان، قال: مالك أمير المؤمنين في الحديث، وقوله: (الثاقب) ليس في الرواية المذكورة وقد سقط من بعض النسخ وقال ابن عساكر في تاريخه أنشدنا أبو بكر يحيى بن إبراهيم أنشدني والدي عن عبد الله الحميدي الأندلسي:

إذا قيل من نجم الحديث وأهله أشار أولو الألباب يعنون مالكا إليه تناهى علم دين محمد
فوطأ فيه للرواة المسالكا ونظم بالتصنيف أشتات نشره
وأوضح ما لولاه قد كان حالكا وأحيا دروس العلم شرقا ومغربا
تقدم في تلك المسالك سالكا وقد جاء في الآثار من ذاك شاهد
على أنه في العلم خص بذلكا فمن كان ذا طعن على علم مالك
ولم يقتبس من نوره كان هالكا

وروى يونس عن الشافعي أنه قال (ما أحد أمن علي من مالك) أي: أكثر منة منه (وروى أن أبا جعفر من الخلفاء) وهو المنصور عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس ثاني الخلفاء العباسية (منعه من رواية الحديث في طلاق المكره) هكذا في النسخ: أبا جعفر، والصحيح أن المانع له من ذلك هو جعفر بن سليمان الهاشمي، لا أمير المؤمنين كما هو نص الحلية وغيرها (ثم دس عليه) خفية (من يسأله) عن هذا الحديث (فروى على ملأ من الناس ليس على مستكره طلاق فضربه بالسياط ولم يترك رواية الحديث) أخرج أبو نعيم في الحلية أن جعفر بن سليمان ضرب مالكا في طلاق المكره، قال ابن وهب: وحمل على بعير، فقال: ألا من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس بن عامر، وأنا أقول طلاق المكره ليس بشيء فبلغ جعفر بن سليمان أنه ينادي على نفسه بذلك، فقال: أدركوه وأنزلوه، وفي تاريخ الذهبي، قال المفضل ابن زياد: سألت أحمد من الذي ضرب مالكا؟ قال: ضربه بعض الولاة في طلاق المكره، كان لا يجيزه فضربه لذلك، وقال أبو داود السنجي: ضرب جعفر بن سليمان العباسي مالكا في طلاق المكره فحدثني بعض أصحاب ابن وهب أن مالكا ضرب وحلق وحمل على بعير فقيل له ناد على نفسك، فنادى فذكر مثل ما تقدم من سياق الحلية، وعن إسحاق القروي وغيره قال: ضرب مالك ونيل منه، وحمل مغشيا عليه، وعن مالك قال: ضربت فيما ضرب فيه سعيد بن المسيب ومحمد بن المنكدر وربيعة ولا خير فيمن لا يؤذى في هذا الأمر، وعن الليث بن سعد قال: إني لأرجو أن يرفعه الله بكل سوط درجة في الجنة، قال مصعب بن عبد الله: ضربوه ثلاثين سوطا، ويقال ستين سوطا وذلك في سنة ست وأربعين ومائة، قال الأصمعي: ضربه جعفر بن سليمان ثم بعد مشيت بينهما حتى جعله في حل، وقال الواقدي: حسدوا مالكا وسعوا به إلى جعفر بن سليمان، وهو على المدينة وقالوا: إنه لا يرى بيعتكم هذه شيئا ويأخذ بحديث في طلاق المكره إنه لا يجوز، فغضب ودعا به وجرد ومدت يده حتى انخلع كتفه، وفي رواية يداه، حتى انخلعت كتفاه، قال الواقدي فوالله ما زال بعد ذلك الضرب في علو ورفعة، وروى الحافظ أبو الوليد الباجي قال: حج المنصور فأقاد مالكا من جعفر بن سليمان فامتنع مالك وقال: معاذ الله، قلت: وطلاق المكره غير صحيح وخالفهم أبو حنيفة فصححه ودليلهم ما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم عن عائشة: لا طلاق ولا عتاق في إغلاق، وقال الحاكم بعد ما أخرجه من طريقين: إنه صحيح على شرط مسلم، ورده الحافظ الذهبي بأن فيه من إحدى طريقيه [ ص: 204 ] محمد بن عبيد بن صالح لم يحتج به مسلم وضعفه أبو حاتم، وفي الأخرى نعيم بن حماد، صاحب مناكير ولذا ضعفه الحافظ ابن حجر، والإغلاق الإكراه، قال ابن الأعرابي: أغلق زيد عمرا على شيء يفعله إذا أكرهه عليه، واعتبر الإمام أبو حنيفة وجود اللفظ المعتبر من أصله في محله ولم يعتبر وجود الرضا بثبوت الحكم، ومنهم من فسر الإغلاق بمعنى أنه لا تغلق التطليقات كلها دفعة واحدة حتى لا يبقى منها شيء ولكن يطلق طلاق السنة، وقيل غير ذلك ومحله كتب الفقه (وقال مالك: ما كان رجل صادق في حديثه) أو عود لسانه بالصدق (لا يكذب) فيه (إلا متع بعقله) أمتعه الله به (ولم يصبه مع الهرم) أي: كبر السن (آفة) في بدنه وحواسه (ولا خرف) أي: فساد العقل وهذا ظاهر في أهل الحديث المشتغلين به يموت أحدهم عن التسعين، وأكثر وأقل ممتعا بحواسه ببركة صدقه في الحديث وروايته له .




الخدمات العلمية