الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأما الإمام أحمد بن حنبل وسفيان الثوري رحمهما الله تعالى فأتباعهما أقل من أتباع هؤلاء وسفيان أقل أتباعا من أحمد ولكن اشتهارهما بالورع والزهد أظهر وجميع هذا الكتاب مشحون بحكايات أفعالهما وأقوالهما فلا حاجة إلى التفصيل الآن فانظر الآن في غير هؤلاء الأئمة . الثلاثة وتأمل أن هذه الأحوال والأقوال والأفعال في الإعراض عن الدنيا والتجرد لله عز وجل هل يثمرها مجرد العلم بفروع الفقه من معرفة السلم والإجارة والظهار والإيلاء واللعان ، أو يثمرها علم آخر أعلى وأشرف منه ، وانظر إلى الذين ادعوا الاقتداء بهؤلاء أصدقوا في دعواهم أم لا ؟

التالي السابق


(وأما أحمد بن حنبل وسفيان الثوري فأتباعهما أقل من) أتباع (هؤلاء وسفيان أقل أتباعا من أحمد) وأما الآن فليس لهم وجود ولا ذكر وشوكة الحنابلة ببغداد ونواحيها وبلاد الشام والنجد، ولم يبق بمصر الآن مع أنها حاضرة العلم من يفتي منهم أحد (ولكن اشتهارهما بالورع والزهد أظهر) وأكثر (وجميع هذا الكتاب مشحون بحكايات أحوالهما وأقوالهما فلا حاجة إلى التفصيل الآن) ولا بأس أن نلم بذكرهما تبركا لئلا يخلو الكتاب من محاسنهما .

فالإمام أحمد أبو عبد الله بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حبان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكاشة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل الشيباني المروزي ثم البغدادي هكذا نسبه ابنه عبد الله واعتمده أبو بكر الخطيب وغيره .

أما قول عباس الدوري وأبي بكر بن أبي داود أنه كان من بني ذهل بن شيبان فغلط، إنما كان من بني شيبان بن ذهل بن ثعلبة وذهل بن ثعلبة عم ذهل بن شيبان بن ثعلبة وهو الإمام الجليل صاحب المذهب، الصابر على المحنة، الناصر للسنة، شيخ العصابة مقتدى الطائفة، قال عبد الرزاق: ما رأيت أفقه من أحمد بن حنبل ولا أورع وقال أبو مسهر وقيل له هل تعرف أحدا يحفظ على هذه الأمة أمر دينها قال: لا أعلمه إلا شابا في ناحية المشرق يعني أحمد بن حنبل، ولد ببغداد سنة 164 إذ جيء به إليها من مر وحملا وسمع الحديث سنة تسع وسبعين، ومن شيوخه هشيم وابن عيينة وإبراهيم بن سعد وجرير بن عبد الحميد ويحيى القطان والوليد بن مسلم وإسماعيل بن علية ومعتمر بن سليمان وغندر وبشر بن الفضل، ويحيى بن أبي زائدة وأبو يوسف القاضي ووكيع وابن نمير وعبد [ ص: 215 ] الرحمن بن مهدي ويزيد بن هارون وعبد الرزاق والشافعي، وممن روى عنه شيوخه عبد الرزاق والحسن بن موسى الأشيب والشافعي لما يقول: أخبرنا الثقة .

ومن أقرانه علي بن المديني ويحيى بن معين ورحيم، وروى عنه البخاري بواسطة ومسلم وأبو داود وابناه صالح وعبد الله، قال الخطيب ورحل إلى الكوفة والبصرة والحرمين واليمن والشام والجزيرة، وقال ابنه عبد الله كتب أبي عشرة آلاف ألف حديث لم يكتب سوادا في بياض إلا حفظه وألف مسنده، وهو أصل من أصول هذه الأمة أحاديثه ثلاثون ألفا .

وأما زهده وورعه فقد سارت به الركبان، وقد أفرد جماعة من مناقبه كالبيهقي، وأبي إسماعيل الأنصاري وابن الجوزي وابن المغراء، وغيرهم، وتوفي سنة 241 لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول وكان عدد المصلين عليه ألف ألف وثلاثمائة ألف سوى من كان في السفن، وقال ابن المغراء: قال الربيع بن سليمان قال لي الشافعي: أحمد إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في القرآن إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في السنة، وهذا القدر كاف في معرفة علو مقامه رضي الله عنه .

وأما سفيان الثوري فهو أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله بن موهبة بن أبي بن عبد الله بن منقذ بن نصر بن الحارث بن ثعلبة بن ملكان بن ثور الثوري الكوفي، هكذا نسبه الهيثم بن عدي، وقيل في سياق نسبه مسروق بن حمزة بن حبيب وبإسقاط منقذ والحارث، ولد سنة سبع وتسعين وحدث وهو ابن ثلاثين سنة، روى عن عمرو بن مرة وسلمة بن كهيل، وحبيب بن ثابت وعبد الله بن دينار، وعمرو بن دينار، وأبي إسحاق، ومنصور، والأعمش، وعبد الملك بن عمير وصالح مولى التوأمة، وأبي الزناد، وإسماعيل بن أبي صالح، وأيوب السختياني، ويقال: إنه أدرك مائة وثلاثة من التابعين روى عنه مسعر، وابن جريج، ومحمد بن عجلان، والأوزاعي، ومحمد بن إسحاق، وأبو حنيفة، وهو أكبر منه، وأقدم وشعبة والحمادان وابن أبي ذئب ومالك وسليمان بن بلال وزائدة وزهير بن معاوية وهم من أقرانه، وابن المبارك ووكيع، ويحيى القطان، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وعبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن يوسف الفريابي، ويحيى بن يمان وعبيد الله الأشجعي وعبد الرزاق، وقبيصة بن عقبة، وأبو حذيفة النهدي، ومحمد بن كثير، وأحمد بن عبد الله بن يونس، وعلي بن الجعد، وغيرهم، قال ابن الجوزي: الذين رووا عنه أكثر من عشرين ألفا .

وأما سعة علمه وآدابه وأخلاقه وشمائله، وزهده وورعه، وتواضعه وخموله وشدة خوفه وتفكره، وبلاؤه وتعبده، ومجاهدته، والاقتصاد في معيشته، وصدعه بالحق وأمره بالمعروف، وثناء أئمة العصر ومن بعدهم عليه فقد سارت بأخباره الركبان، وقال علي بن شيبان: مرض سفيان بالكوفة فبعث بمائه إلى ابن أبي ذئب فلما رآه، قال: ويلك بول من هذا؟ قال: ما تسأل؟ قال: أرى بول رجل قد أحرق الحزن والخوف قلبه .

وفي رواية أبي أسامة: ذهبت ببوله إلى الديراني فنظر إليه فقال: بول من هذا؟ ينبغي أن يكون هذا البول بول زاهد هذا بول رجل فتت الحزن كبده، ما أرى لهذا دواء، قال أبو سعد: أجمعوا على أنه مات سنة إحدى وستين ومائة في أولها، وقال الواقدي في شعبان، وأما قول خليفة: إنه في اثنين وستين غلط -رضي الله عنه- وأرضاه عنا .

نقلت ذلك من كتاب الحافظ الذهبي الذي اختصره من كتاب ابن الجوزي في ترجمته وهو مجلد .

(فانظر الآن) وتأمل (في سير هؤلاء الأئمة) وأحوالهم (وتأمل هذه الأحوال والأقوال والأعمال في الإعراض عن الدنيا) والهروب منها (والتجرد لله تعالى هل يثمرها مجرد العلم بفروع الفقه من معرفة السلم والإجارة والكفالة والظهار واللعان، أو يثمرها علم آخر أعلى وأشرف منه، وانظر الآن إلى الذين ادعوا الاقتداء بهؤلاء أصدقوا في دعواهم أم لا؟ والله أعلم) .




الخدمات العلمية