الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
والسياسة وهي للتأليف والاجتماع والتعاون على أسباب المعيشة وضبطها .

الثاني : ما هي مهيئة لكل واحدة من هذه الصناعات وخادمة لها كالحدادة فإنها تخدم الزراعة وجملة من الصناعات بإعداد آلاتها كالحلاجة والغزل فإنها تخدم الحياكة بإعداد عملها .

الثالث : ما هي متممة للأصول ومزينة كالطحن والخبز للزراعة وكالقصارة والخياطة للحياكة وذلك بالإضافة إلى قوام أمر العالم الأرضي مثل أجزاء الشخص بالإضافة إلى جملته فإنها ثلاثة أضرب أيضا ؛ إما أصول كالقلب والكبد والدماغ وإما خادمة لها كالمعدة والعروق والشرايين والأعصاب والأوردة وإما مكملة لها ومزينة كالأظفار والأصابع والحاجبين وأشرف هذه الصناعات أصولها وأشرف أصولها السياسة بالتأليف والاستصلاح ولذلك تستدعي هذه الصناعة من الكمال فيمن يتكفل بها ما لا يستدعيه سائر الصناعات ولذلك يستخدم لا محالة صاحب هذه الصناعة سائر الصناع والسياسة في استصلاح الخلق وإرشادهم إلى الطريق المستقيم المنجي في الدنيا والآخرة على أربع مراتب : الأولى وهي العليا سياسة الأنبياء عليهم السلام وحكمهم على الخاصة والعامة جميعا في ظاهرهم وباطنهم .

والثانية الخلفاء والملوك والسلاطين وحكمهم على الخاصة والعامة جميعا ولكن على ظاهرهم لا على باطنهم .

والثالثة العلماء بالله عز وجل وبدينه الذين هم ورثة الأنبياء وحكمهم على باطن الخاصة فقط ، ولا يرتفع فهم العامة على الاستفادة منهم ولا تنتهي قوتهم إلى التصرف في ظواهرهم بالإلزام والمنع والشرع .

والرابعة الوعاظ وحكمهم على بواطن العوام فقط فأشرف هذه الصناعات الأربع بعد النبوة إفادة العلم وتهذيب نفوس الناس عن الأخلاق المذمومة المهلكة وإرشادهم إلى الأخلاق المحمودة المسعدة وهو المراد بالتعليم وإنما قلنا : إن هذا أفضل من سائر الحرف والصناعات ؛ لأن شرف الصناعات يعرف بثلاثة أمور : إما بالالتفات إلى الغريزة التي بها يتوصل إلى معرفتها كفضل العقول العقلية على اللغوية ؛ إذ تدرك الحكمة بالعقل واللغة بالسمع والعقل أشرف من السمع ، وإما بالنظر إلى عموم النفع كفضل الزراعة على الصياغة وإما بملاحظة المحل الذي فيه التصرف كفضل الصياغة على الدباغة ؛ إذ محل أحدهما الذهب ومحل الآخر جلد الميتة وليس يخفى أن العلوم الدينية وهي فقه طريق الآخرة إنما تدرك بكمال العقل ، وصفاء الذكاء والعقل أشرف صفات الإنسان كما سيأتي بيانه إذ به تقبل أمانة الله ، وبه يتوصل إلى جوار الله سبحانه .

وأما عموم النفع فلا يستراب فيه فإن نفعه وثمرته سعادة الآخرة .

وأما شرف المحل فكيف يخفى والمعلم متصرف في قلوب البشر ونفوسهم ، وأشرف موجود على الأرض جنس الإنس ، وأشرف جزء من جواهر الإنسان قلبه والمعلم مشتغل بتكميله وتجليته وتطهيره وسياقته إلى القرب من الله عز وجل فتعليم العلم من وجه عبادة لله تعالى ومن وجه خلافة لله تعالى وهو من أجل خلافة الله فإن الله تعالى قد فتح على قلب العالم العلم الذي هو أخص صفاته فهو كالخازن لأنفس خزائنه ثم هو مأذون له في الإنفاق منه على كل محتاج إليه فأي رتبة أجل من كون العبد واسطة بين ربه سبحانه وبين خلقه في تقريبهم إلى الله زلفى وسياقتهم إلى جنة المأوى جعلنا الله منهم بكرمه وصلى الله على كل عبد مصطفى .

التالي السابق


(والسياسة في استصلاح الخلق وإرشادهم إلى الطريق المستقيم المنجي في الدنيا والآخرة على أربعة مراتب: الأولى وهي العليا سياسة الأنبياء) عليهم السلام (وحكمهم على الخاصة والعامة في ظاهرهم وباطنهم) لما أن الله سبحانه قد أطلعهم على بواطنهم كما أطلعهم على ظواهرهم، فهم يرشدونهم إلى الطريق المستقيم، وهم أفضل السواس .

(والثانية) سياسة ولاة الأمور (الخلفاء) ممن استكملت فيه شروط الإمامة من قريش، كالخلفاء الأربعة، ومن بعدهم من بني أمية وبني العباس .

(والملوك) هم نواب الخلفاء كآل سلجوق بالروم وآل رسول باليمن (والسلاطين) هم الذين يملكون البلاد بقهر وسطوة وغلبة، وهم بهذا الترتيب .

وقد فرق ابن السبكي في الطبقات بين الملك والسلطان، فقال: السلطان يطلق على من ملك العراقين والملك من ملك دون ذلك، أو نحو هذا .

(وحكمهم على الخاصة والعامة جميعا لكن على ظاهرهم لا على باطنهم) ولو قال: على ظاهر الخاصة والعامة لا باطنهم كان أخصر .

(والثالثة) سياسة (العلماء بالله وبدينه) وهم الحكماء (الذين هم ورثة الأنبياء) ورثوا عنهم العلم والحكمة، وهم الجامعون بين الحقيقة والشريعة (وحكمهم على باطن الخاصة فقط، ولا يرتفع فهم العامة إلى الاستفادة منهم) لعدم المناسبة بينهما؛ لأن ما بين الحكيم والعامي من تنافي طبعهما وتنافر شكلهما من التفاوت قريب لما بين الماء والنار والليل والنهار، وقد قيل لسلمة بن كهيل: ما لعلي -رضي الله عنه- وفقه العامة، وله في كل خبر ضرس قاطع؟ فقال: لأن ضوء علومهم قصر عن نوره، والناس إلى أشكالهم أميل (ولا تنتهي قوتهم إلى التصوف في ظواهرهم بالإلزام والمنع) والدفع والرفع .

(الرابعة) سياسة الفقهاء (والوعاظ وحكمهم على بواطن العوام فقط) وليست لهم قوة إلى التصرف في ظواهرهم، وصلاح العالم ونظامه بمراعاة هذه السياسات لتخدم العامة الخاصة، وتسوس الخاصة العامة .

ثم إن السياسة في حد ذاتها على قسمين: سياسة الإنسان نفسه وبدنه وما يختص به، والثانية سياسته غيره من ذويه وبلده، ولا يصلح لسياسة غيره من لا يصلح لسياسة نفسه؛ لأن السائس يجري على المسوس مجرى ذي الظل من الظل، ومن المحال أن يستقيم الظل وذو الظل أعوج، ويستحيل أن يهتدي المسوس مع كون السائس ضالا .

والناس ضربان: خاص وعام، فالخاص من يتخصص من البلد بما ينخرم بافتقاده إحدى السياستين البدنية، والعام من لا ينخرم بافتقاده شيء منها، وهذا إذا اعتبرنا أمور الدنيا، وهم من وجه آخر ثلاثة: خاصة وعامة وأوساطهم المسمون في كلام العرب بالسوقة، فالخاص هو الذي يسوس ولا يساس، والعام الذي يساس ولا يسوس، والوسط الذي يسوسه من فوقه وهو يسوس من دونه .

(وأشرف هذه السياسات الأربعة بعد النبوة) والرسالة وما يليها من الصديقية (إفادة العلم) النافع (وتهذيب نفوس الناس عن الأخلاق المذمومة) الرديئة (المهلكة وإرشادهم إلى الأخلاق المحمودة المسعدة) وهو مقام شريف لا يعلوه مقام إلا النبوة والرسالة والصديقية، وأصحاب هذا المقام هم الجامعون بين علمي الشريعة والحقيقة؛ فإن إفادة العلم ترجع إلى العلوم الظاهرة، وتهذيب النفوس، والإرشاد بعلماء الحقيقة المتصرفين في بواطن مريدهم (وهي المراد بالتعليم) .

ثم بين ذلك بقوله: (وإنما [ ص: 128 ] قلنا: إن هذا أفضل من سائر الحرف والصناعات؛ لأن شرف الصناعات يعرف بثلاثة أمور: إما بالالتفات إلى الغريزة التي بها يتوصل إلى معرفتها) أي بحسب النسبة إلى القوة المبرزة لها (كفضل العلوم) الحكمية (العقلية على) العلوم (اللغوية؛ إذ تدرك الحكمة بالعقل) أي: هي متعلقة بالقوة العقلية (و) تدرك (اللغة بالسمع) أي: متعلقة بالقوة الحسية (والعقل أشرف من السمع، وإما بالنظر إلى عموم النفع كفضل الزراعة على الصياغة) فإن الزراعة نفعها عام بخلاف الصياغة (وإما بملاحظة المحل الذي فيه التصرف) أي بحسب شرف الموضوع المعمول فيه (كفضل الصياغة) وشرفها (على الدباغة؛ إذ محل أحدهما الذهب) ولا يخفى شرفه (ومحل الآخر جلد الميتة) فهي ثلاثة وجوه استبان بها شرف الصناعة، واستعمل الالتفات في الوجه الأول، والنظر في الثاني، والملاحظة في الثالث؛ تفننا في العبارة .

(وليس يخفى) على العاقل (أن العلوم الدينية) وهي الشرعية المعبر عنها بالحكمة (وهي فقه طريق الآخرة إنما تدرك بكمال العقل، وصفاء الذكاء) وهي القوة المفكرة (و) هي أشرف قوة، كما أن (العقل أشرف صفات الإنسان) وأجلها (كما سيأتي بيانه) في الباب السابع (إذ به قبل أمانة الله تعالى، وبه يوصل إلى جوار الله تعالى) وذلك أبلغ نفع .

(وأما عموم النفع فلا تستريب) ... أي: لا تشك (فيه سعادة الآخرة) وهي الأشياء الأربعة المذكورة آنفا، وذلك أبلغ كذلك (وأما شرف المحل) وموضوعه الذي يعمل فيه (فكيف يخفى والمعلم متصرف في قلوب البشر ونفوسهم، وأشرف موجود على وجه الأرض جنس الإنس، وأشرف جزء من جوهر الإنسان قلبه) الصنوبري، وهو مهبط ملائكة الرحمة، فهو أشرف موضوع (والمعلم مشتغل بتكميله وتخليته) كذا بالخاء المعجمة وهو مناسب لقوله: (وتطهيره) عن الأوصاف الذميمة، وفي بعض النسخ بالجيم، وهو التصفية (وسياقته إلى القرب من الله تعالى) بتعليمه إياه بما يكون سببا لذلك (فتعليم العلم من وجه عبادة الله تعالى) لكونه ذكر الله تعالى (ومن وجه خلافة الله تعالى وهو أجل خلافة) وهل يجوز أن يقال: فلان خليفة الله في أرضه أم لا؟ قولان، واحتج المجيزون بقوله تعالى للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة وبقوله تعالى: وهو الذي جعلكم خلائف وبقوله تعالى: ويجعلكم خلفاء الأرض وبقول علي -رضي الله عنه-: "أولئك خلفاء الله في أرضه، ودعاته إلى دينه".

واحتج الآخرون بأن الخليفة إنما يكون ممن يغيب ويخلفه غيره، والله تعالى شاهد غير غائب، قريب غير بعيد، فمحال أن يخلفه غيره، بل هو سبحانه الذي يخلف عبده المؤمن، فيكون خليفته، قالوا: ولهذا أنكر الصديق على من قال: يا خليفة الله، قال: لست بخليفة الله، ولكن خليفة رسول الله، وحسبي ذلك، وأجابوا عن تلك الآيات: والحق أنه إن أريد بالإضافة إلى الله تعالى أنه خليفة عنه فالصواب قول الطائفة المانعة منها، وإن أريد بالإضافة أن الله استخلفه عن غيره ممن كان قبله فهذا لا يمتنع فيه الإضافة، وحقيقتها خليفة الله الذي جعله خلفا عن غيره .

وبهذا يخرج الجواب عن قول علي -رضي الله عنه-: "أولئك خلفاء الله في أرضه" فإن قيل: هذا لا مدح فيه؛ لأن هذا الاستخلاف عام في الأمة، وخلافة الله التي ذكرنا في قول علي -رضي الله عنه- خاصة لخواص الخلق .

فالجواب: أن الاختصاص المذكور أفاد اختصاص الإضافة، فالإضافة هنا للشرف والتخصيص، كما في نظائره .

(فإن الله تعالى قد فتح على قلب العالم العلم الذي هو أخص صفاته) وهذه مسألة اختلف فيها، فالمنقول عن الأشعري: أخص أوصاف الباري القدرة، وقال المعتزلة: إنه القدم، ورد بأنه سلبي، فكيف يكون نفسيا؟! فكيف يكون أخص أوصافه؟!

ومنهم من زعم أنه حال توجب له كونه حيا عالما قادرا مريدا، ولا إفصاح لي في هذه المقالة عن هذه الحال .

واحتج الفخر لقول الأشعري بجواب سيدنا موسى -عليه السلام- قال رب السماوات والأرض وما بينهما ورد ابن التلمساني عليه وقال: معنى كلام الأشعري أن القدرة خاصة لله سبحانه، وليس للعبد قدرة، خلافا للمعتزلة، وليس معنى كلام الأشعري أن القدرة أخص الأوصاف كما فهمه عنه، فأخص الأوصاف مجهول، كما أن الأصح أن الذات العلية غير [ ص: 129 ] معروفة للبشر، حتى في الآخرة، والخلاف في حال؛ لأن الكل متفقون على أن الكنه لا يعرف، وعلى أنه معروف بالعلم والحياة إلى آخرها، واختار في شرح الكبرى أنه غير معروف، كما أن الذات غير معروفة، والذي اختاره الشريف زكريا في شرح الأسرار العقلية أن الأخص غير موجود بالكلية، واحتج على نفيه باستحالة اشتراك القديم مع الحادث في حقيقة ما، وزاد أحمد المنجور في حاشية الكبرى: ولاقتضائه التركيب في حقيقة الباري -جل وعز- من جنس وفصل؛ إذ الأخص هو الذاتي المميز للحقيقة عما يشاركها في الجنس، ولا خفاء في بطلان هذا؛ لأنه لا جنس للباري تعالى، ولا تركيب فيه، كذا في تذكرة المجدولي .

(فهو كالخازن لأنفس خزائنه) وأجلها (ثم هو مأذون في الإنفاق) والصرف منه (على كل محتاج إليه) وكلما كان إنفاقه على ما يجب وكما يجب أكثر كان جاهه عند مستخلفه أكثر وأوفر (فإنه رتبة أجل) وأعظم (من كون العبد واسطة بين ربه وبين خلقه) في إيصالهم إليه وإرشادهم له (وفي تقريبهم إلى الله زلفى وسياقتهم إلى الجنة المأوى) وقد أورد هذا البحث بطوله مع اختلاف يسير أبو القاسم الراغب في الذريعة. والله أعلم .




الخدمات العلمية