الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
واعلم أنه كما يطلع الطبيب الحاذق على أسرار في المعالجات يستبعدها من لا يعرفها فكذلك الأنبياء أطباء القلوب والعلماء بأسباب الحياة الأخروية فلا تتحكم على سننهم . بمعقولك فتهلك ، فكم من شخص يصيبه عارض في أصبعه فيقتضي عقله أن يطليه حتى ينبهه الطبيب الحاذق أن علاجه أن يطلي الكف من الجانب الآخر من البدن فيستبعد ذلك غاية الاستبعاد من حيث لا يعلم كيفية انشعاب الأعصاب ومنابتها ووجه التفافها على البدن فهكذا الأمر في طريق الآخرة وفي دقائق سنن الشرع وآدابه وفي عقائده التي تعبد الناس بها أسرار ولطائف ليست في سعة العقل وقوته الإحاطة بها كما أن في خواص الأحجار أمورا عجائب غاب عن أهل الصنعة علمها حتى لم يقدر أحد على أن يعرف السبب الذي به يجذب المغناطيس الحديد فالعجائب والغرائب في العقائد والأعمال وإفادتها لصفاء القلوب ونقائها وطهارتها وتزكيتها وإصلاحها للترقي إلى جوار الله تعالى وتعرضها لنفحات فضله أكثر وأعظم مما في الأدوية والعقاقير وكما أن العقول تقصر عن إدراك منافع الأدوية مع أن التجربة سبيل إليها فالعقول تقصر عن إدراك ما ينفع في حياة الآخرة مع أن التجربة غير متطرقة إليها وإنما كانت التجربة تتطرق إليها لو رجع إلينا بعض الأموات فأخبرنا عن الأعمال المقبولة النافعة المقربة إلى الله تعالى زلفى وعن الأعمال المبعدة عنه وكذا عن العقائد وذلك مما لا يطمع فيه فيكفيك من منفعة العقل أن يهديك إلى صدق النبي صلى الله عليه وسلم ويفهمك موارد إشاراته فاعزل العقل بعد ذلك عن التصرف ولازم الاتباع فلا تسلم إلا به والسلام ولذلك قال صلى الله عليه وسلم إن من العلم جهلا وإن من القول عيا ومعلوم أن العلم لا يكون جهلا ولكنه يؤثر تأثير الجهل في الإضرار وقال أيضا صلى الله عليه وسلم : قليل من التوفيق خير من كثير من العلم وقال عيسى عليه السلام : ما أكثر الشجر وليس كلها بمثمر ، وليس كلها بطيب ، وما أكثر العلوم وليس كلها بنافع .

التالي السابق


(واعلم أنه كما يطلع الطبيب الحاذق) الماهر في صنعته (على أسرار المعالجات) الخفية التي (يستبعدها من لا يعرفها) من أهل الجهل بالحكمة (فكذلك الأنبياء) صلوات الله عليهم (أطباء القلوب) المريضة (والعلماء) العارفون (بأسباب الحياة الأخروية) وما به نجاتهم وهلاكهم (فلا تتحكم على سنتهم) التي سنوها للعباد (بمعقولك) الفاسد (فتهلك، فكم من شخص يصيبه عارض) علة (في أصبعه) مثلا (فيقتضي عقله أن يطليه) وفي بعض النسخ: أن يطليها، وفي بعض: أن يقطعها (حتى ينبهه الطبيب الحاذق أن علاجه أن يطلي الكف من الجانب الآخر من البدن فيستبعد ذلك غاية الاستبعاد من حيث لا يعلم كيفية انشعاب الأعصاب ومنابتها ووجه التفافها على البدن) ومن ذلك أنهم يأمرون للذي تشققت شفته السفلى عن يبس أو برد بإطلاء السرة بشيء من دهن اللوز أو الزبدة، ولمن به صداع بغسل الرجلين بماء بارد في الحمام، ولمن به وجع العين عن حرارة بطلاء الحناء في باطن القدمين، وما أشبه ذلك ولهم فيه دقائق غريبة .

(فهكذا الأمر في طريق الآخرة وفي دقائق سنن الشرع وآدابه) الظاهرة والباطنة (وفي عقائدها التي تعبد الناس بها) أي: كلفوا بمعرفتها (أسرار لطيفة) ورموز شريفة وفي بعض النسخ: أسرار ولطائف (ليس في سعة العقل وقوته الإحاطة بها) وإنما ينفع التسليم لما أمر به والتفويض إلى الشارع (كما أن في خاص الأحجار) المتكونة في المعادن (أمورا) غريبة وزاد في بعض النسخ: بعد قوله: أمورا، عجائب (غاب عن أهل الصنعة) الحكمية (علمها) فهم في تحقيقها ومعرفة ما قيل فيها في حيرة عظيمة (حتى لم يقدر أحد) من أهل الصنعة (أن يعرف السبب الذي به يجذب المغناطيس الحديد) لخاصية فيه (والعجائب والغرائب في العقائد) الدينية (والأعمال) الشرعية (وإفادتها صفاء القلوب ونقاءها) أي: نظافتها (وطهارتها) عن الأدناس المعنوية (وتزكيتها) أي: تنميتها (وإصلاحها للترقي) والوصول (إلى جوار الله سبحانه) في مقعد صدق (وتعرضها لنفحات فضله) ورشحات رحمته (أكثر وأعظم مما في الأدوية والعقاقير) قال الجوهري: هو أصول الأدوية .

وقال الأزهري: العقاقير الأدوية التي يستمشى بها، وقال غيره واحدها: عقار، ككتاب، وعقير، كسكيت. وقال أبو الهيثم: العقار كل نبت ينبت مما فيه شفاء، قال: ولا يسمى شيء من العقاقير فرها، وفي اللسان هو ما يتداوى به من النبات والشجر .

(وكما أن العقول تقصر عن إدراك منافع الأدوية) على وجه الاستقصاء (مع أن للتجربة سبيلا إليها) أي إلى تلك المنافع على سبيل الإدراك (فالعقول تقصر) أيضا ( عن إدراك ما ينفع في حياة الآخرة) وما ينشأ منها (مع أن التجربة غير متطرقة إليها) أي لا سبيل إلى معرفتها بالتجارب (وإنما كانت تتطرق إليها) التجربة (لو رجع إلينا بعض الأموات فأخبرنا عن الأعمال المقبولة) عند الله (النافعة) للعبد (المقربة إلى الله زلفى و) كذا أخبرنا ( عن الأعمال المبعدة عنه) جل وعز (وكذلك عن العقائد) مما صح منها أو فسد (وذلك لا مطمع فيه) لأحد (فيكفيك من منفعة العقل أن يهديك) ويرشدك (إلى صدق النبي صلى الله عليه وسلم) وصدق ما جاء به (ويفهمك موارد إشاراته) في كلامه (فاعزل العقل بعد ذلك عن التصرف) فيما لا يعني (ولازم الاتباع) فقد نقل [ ص: 229 ] رزين في جامعه عن عمر بن عبد العزيز ينميه لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: تركتم على الواضحة ليلها كنهارها، كونوا على دين الأعراب والغلمان، والكتاب، قال ابن الأثير في جامع الأصول أراد بقوله: دين الأعراب والغلمان، الوقوف عند قبول ظاهر الشريعة واتباعها من غير تفتيش عن الشبه وتنقير عن قول أهل الزيغ والأهواء ومثله قوله: عليكم بدين العجائز. اهـ .

وعند الديلمي من حديث محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر مرفوعا إذا كان في آخر الزمان، واختلفت الأهواء فعليكم بدين أهل البادية والنساء. وابن البيلماني ضعيف جدا، أورده السخاوي في المقاصد (فلا تسلم) عن المهالك (إلا به) أي بالاتباع (والسلام) على أهل التسليم، وفي نسخة: فإنك لا تسلم إلا به (ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- إن من العلم جهلا وإن من القول عبالا) قال العراقي: أخرجه أبو داود من حديث بريدة وفي إسناده من يجهل. اهـ .

قلت: أخرجه في الأدب من حديث أبي جعفر عبد الله بن ثابت عن صخر بن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن جده بريدة بن الخصيب، قال عبد الله: بينما هو يعني بريدة جالس بالكوفة في مجلس مع أصحابه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: إن من البيان سحرا وإن من العلم جهلا، وإن من الشعر حكما وإن من القول عبالا، وفي القوت: وروينا في خبر: أن من العلم جهلا وإن من القول عيا، قلت: وقد يروى من حديث علي أخرجه الهروي في ذم الكلام، وفيه زيادة وقد وجد في بعض نسخ الكتاب: عيا بدل عبالا، كما هو نص القوت (ومعلوم أن العلم لا يكون جهلا ولكن يؤثر تأثير الجهل في الإضرار) بالناس كما تقدم في ذم النجوم، قال المناوي: إن من العلم جهلا أن لكونه علما مذموما، والجهل به خير منه، أو المراد أن من العلوم ما لا يحتاج إليه فيشتغل به عن تعلم ما يحتاجه في دينه فيصير علمه بما لا يعنيه جهلا بما يعنيه والعبال كسحاب: عرض الحديث على من لا يريده قاله ابن الأثير، وقال الراغب: العبال جمع عبل لما فيه من الثقل .

(وقال صلى الله عليه وسلم، أيضا: قليل من التوفيق خير من كثير من العلم) قال العراقي: لم أجد له أصلا، وقد ذكره صاحب الفردوس من حديث أبي الدرداء، وقال: العقل بدلا من العلم، ولم يخرجه ولده في مسنده. اهـ .

قلت: وأخرجه ابن عساكر عن أبي الدرداء بمثل ما في الفردوس وزاد: والعقل في أمر الدنيا حقرة والعقل في أمر الدين مسرة، وروى الطبراني عن ابن عمر: وقليل الفقه خير من كثير من العبادة، وكفى بالمرء فقها إذا عبد الله وكفى بالمرء جهلا إذا أعجب برأيه، وأورد ابن عبد البر كذلك في العلم، وأبو نصر السجزي في الإبانة، وقال: غريب، عن ابن عمرو، وأخرج البخاري في التاريخ عن ابن عمر، وأبو موسى المديني في المعرفة عن رجاء غير منسوب: قليل من العلم خير من كثير من العبادة. تبع المصنف صاحب القوت فإنه أورده هكذا وزاد وفي خبر غريب: كل شيء يحتاج إلى العلم والعلم يحتاج إلى التوفيق، قال المناوي في شرح الحديث الذي أورده المصنف ما نصه: قال التوفيق هو رأس المال فعلى العاقل الاستيثاق بالله تعالى بزيادة العمل والتقوى واللجا إليه في إفاضته عليه من ذلك السبب الأقوى، وفي رواية: قليل التوفيق خير من كثير العمل، وفي أخرى من كثير العبادة، قال بعض العارفين: ما قل عمل برز من قلب موفق زاهد ولا كثر عمل برز من قلب غافل لاه، وحسن الأعمال نتائج الأحوال .

(وقال عيسى عليه السلام: ما أكثر الشجر وليس كلها بمثمر، وما أكثر الثمر وليس كلها بطيب، وما أكثر العلوم وليس كلها بنافع) أخرجه الخطيب في اقتضاء العلم العمل فقال: أخبرنا أحمد بن الحسن الجوهري، أخبرنا محمد بن عمران المرزباني، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى المكي، حدثنا محمد بن القاسم بن خلاد، حدثنا عبد الغفور بن عبد العزيز عن أبيه عن وهب بن منبه أن عيسى بن مريم عليه السلام قال: ويلكم يا عبيد الدنيا ماذا يغني عن الأعمى سعة نور الشمس وهو لا يبصرها، كذلك لا يغني عن العالم كثرة علمه إذا لم يعمل به، ما أكثر أثمار الشجر وليس كلها ينفع ولا يؤكل، وما أكثر العلماء وليس كلهم ينتفع بما علم فاحتفظوا من العلماء الكذبة الذين عليهم لباس الصوف منكسين رءوسهم للأرض يرمقون من تحت حواجبهم [ ص: 230 ] كما ترمق الذئاب، قولهم مخالف فعلهم من يجتني من الشوك العنب ومن الحنظل التين كذلك لا يثمر قول العالم الكذاب إلا زورا؛ لأن البعير إذا لم يوثقه صاحبه في البرية نزع إلى وطنه وأهله، وإن العلم إذا لم يعمل به صاحبه خرج من صدره وتخلى منه وعطله، وإن الزرع إلا بالماء والتراب، كذلك لا يصلح الإيمان إلا بالعلم والعمل، ويلكم يا عبيد الدنيا، إن لكل شيء علامة يعرف بها، ويشهد له أو عليه، وإن للدين ثلاث علامات يعرف بهن: الإيمان والعلم والعمل. اهـ .




الخدمات العلمية