الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كلام الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر

واعلموا - أرشدكم الله - أن ما دل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم من المعجزات - بعد تنبيهه لسائر المتكلفين على حدثهم ووجود المحدث لهم - قد أوجب صحة أخباره، ودل على أن ما أتى به من الكتاب والسنة من عند الله عز وجل.

وإذا ثبت بالآيات صدقه، [فقد] علم صحة كل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 209 ] عنه، وصارت أخباره عليه السلام أدلة على صحة سائر ما دعانا إليه، من الأمور الغائبة عن حواسنا، وصفات فعله، وصار خبره - عليه السلام - عن ذلك سبيلا إلى إدراكه، وطريقا إلى العلم بحقيقته، وكان ما يستدل به من أخباره – [عليه السلام] - على ذلك، أوضح دلالة من دلالة الأعراض التي اعتمد على الاستدلال بها الفلاسفة، ومن اتبعها من القدرية وأهل البدع المنحرفين عن الرسل عليهم السلام، من قبل أن الأعراض لا يصح الاستدلال بها، إلا بعد رتب كثيرة يطول الخلاف فيها، ويدق الكلام عليها، فمنها ما يحتاج إليه في الاستدلال على وجودها، والمعرفة بفساد شبه المنكرين لها، والمعرفة بمخالفتها للجواهر، في كونها لا تقوم بنفسها، ولا يجوز ذلك على شيء منها، والمعرفة بأنها لا تبقى، والمعرفة باختلاف أجناسها، وأنه لا يصح انتقالها من محالها، والمعرفة بأن ما لا ينفك منها فحكمه في الحدث حكمها، ومعرفة ما يوجب ذلك من الأدلة وما [ ص: 210 ] يفسد به شبه المخالفين في جميع ذلك، حتى يمكن الاستدلال بها على ما هي أدلة عليه عند مخالفينا، الذين يعتمدون في الاستدلال على ما ذكرناه بها، لأن العلم بذلك لا يصح عندهم إلا بعد المعرفة بسائر ما ذكرناه آنفا.

وفي كل رتبة مما ذكرنا فرق تخالف فيها، ويطول الكلام معهم عليها، وليس يحتاج - أرشدكم الله - في الاستدلال بخبر الرسول صلى الله عليه وسلم على ما ذكرناه من المعرفة بالأمر الغائب عن حواسنا إلى مثل ذلك، لأن آياته والأدلة على صدقه محسوسة مشاهدة، قد أزعجت القلوب، وبعثت الخواطر، على النظر في صحة ما يدعو إليه، وتأمل ما استشهد به على صدقه، والمعرفة بأن آياته من قبل الله تعالى تدرك بيسير الفكر فيها، وأنها لا يصح أن [ ص: 211 ] تكون من البشر، لوضوح الطرق إلى ذلك، ولا سيما مع إزعاج الله قلوب سائر من أرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم على النظر في آياته، بخرق عوائدهم له، وحلول ما يعدهم به من النقم عند إعراضهم عنه ومخالفتهم له، على ما ذكرنا مما كان من ذلك عند دعوة موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم.

وإذا كان ذلك على ما وصفنا بان لكم - أرشدكم الله - أن طرق الاستدلال بأخبارهم - عليهم السلام - على سائر ما دعينا إلى معرفته مما لا يدرك بالحواس - أوضح من الاستدلال بالأعراض، إذ كانت أقرب إلى البيان على حكم ما شوهد من أدلتهم المحسوسة مما اعتمدت عليه الفلاسفة، ومن اتبعهم من أهل الأهواء واغتروا بها، لبعدهم عن الشبهة، كما ذكرناه، وقرب من أخلد ممن ذكرنا إلى الاستدلال به من الشبه، وكذلك ما منع الله رسله من الاعتماد [ ص: 212 ] عليه، لغموض ذلك على كثير ممن أمروا بدعائهم، وكلفوا - عليهم السلام - إلزامهم فرضه، فأخلد سلفنا [رحمة الله عليهم] ومن اتبعهم من الخلف الصالح، بعد ما عرفوه من صدق النبي صلى الله عليه وسلم، فيما دعاهم إليه من العلم بحدثهم، ووجود المحدث لهم، بما نبههم عليه من الأدلة - إلى التمسك بالكتاب والسنة، وطلب الحق في سائر ما دعوا إلى معرفته منها، والعدول عن كل ما خالفها، لثبوت نبوته عليه السلام عندهم، وثقتهم بصدقه فيما أخبرهم به عن ربهم، لما وثقته الدلالة لهم فيه، وكشفته لهم العبرة، وأعرضوا عما صارت إليه الفلاسفة - ومن اتبعهم من القدرية وغيرهم من أهل البدع - من الاستدلال بذلك على ما كلفوا معرفته، لاستغنائهم بالأدلة الواضحة في ذلك عنه، وإنما صار من أثبت [حدث] العالم والمحدث له من الفلاسفة إلى الاستدلال بالأعراض والجواهر، لدفعهم الرسل وإنكارهم لجواز مجيئهم، وإذا كان العلم قد حصل لنا بجواز [ ص: 213 ] مجيئهم في العقول وغلط من دفع ذلك، وبان صدقهم بالآيات التي ظهرت عليهم - لم يسع لمن عرف من ذلك ما عرفه أن يعدل عن طرقهم، إلى طرق من دفعهم وأحال مجيئهم، فلما كان هذا واجبا لما ذكرناه عند سلف الأمة والخلف كان اجتهاد الخلف - في طلب أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، والاحتياط في عدالة الرواة لها - واجبا عندهم، ليكونوا فيما يعتقدونه من ذلك على يقين.

ولذلك كان أحدهم يرحل إلى البلاد البعيدة في طلب الكلمة تبلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حرصا على معرفة الحق من وجهه، وطلبا للأدلة الصحيحة فيه، حتى تثلج صدورهم بما يعتقدونه، وتسكن نفوسهم إلى من يتدينون به، ويفارقوا بذلك من ذمه الله في تقليده لمن يعظمه من سادته بغير دلالة تقتضي ذلك، ولما كلفهم الله عز وجل [ذلك] وجعل أخبار نبيه صلى الله عليه وسلم [ ص: 214 ] طريقا إلى المعارف بما كلفهم إلى آخر الزمان - حفظ أخباره عليه السلام في سائر الأزمنة، ومنع من تطرق الشبه عليها، حتى لا يروم أحد تغيير شيء منها، أو تبديل معنى كلمة قالها، إلا كشف الله تعالى ستره، وأظهر في الأمة أمره، حتى يرد ذلك عليه العربي والعجمي، ومن قد أهل لحفظ ذلك من حملة علمه عليه السلام، والمبلغين عنه، كما حفظ كتابه، حتى لا يطيق أحد من أهل الزيغ على تحريك حرف ساكن فيه، أو تسكين حرف متحرك، إلا يبادر القراء في رد ذلك عليه، مع اختلاف لغاتهم، وتباين أوطانهم، لما أراده الله عز وجل من صحة الأداء [عنه]، ووقوع التبليغ لما أتى به نبينا عليه السلام إلى من يأتي في آخر الزمان، [ ص: 215 ] لانقطاع الرسل بعده، واستحالة خلوهم من حجة الله عليهم، حتى قد ظهر ذلك بينهم، وأيست من نيله خواطر المنحرفين عنه، وجعل الله ما حفظه من ذلك وجمع القلوب عليه، حجة على من تعبد بعده [عليه السلام] بشريعته، ودلالة لمن دعا إلى قبول ذلك ممن لم يشاهد الأخبار، وأكمل الله لجميعهم طرق الدين، وأغناهم بها عن التطلع إلى غيرها من البراهين.

ودل على ذلك بقوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا [سورة المائدة: 3] .

وليس يجوز أن يخبر الله عز وجل عن إكماله الدين، مع الحاجة إلى غير ما أكمل لهم به الدين، وبين النبي صلى الله عليه وسلم معنى [ ص: 216 ] ذلك في حجة الوداع، لمن كان بحضرته من الجم الغفير من أمته، عند اقتراب أجله، ومفارقته لهم صلى الله عليه وسلم بقوله: اللهم هل بلغت؟

فلو كنا نحتاج مع ما كان منه - عليه السلام - في معرفة ما دعانا إليه، إلى ما رتبه أهل البدع من طرق الاستدلال، لما كان مبلغا، إذ كنا نحتاج في المعرفة بصحة ما دعانا إليه إلى علم ما لم يبينه لنا من هذه الطرق التي ذكروها، ولو كان هذا كما قالوا، لكان فيما دعانا [إليه] وقوله بمنزلة الملغز، ولو كان كذلك لعارضه المنافقون، وسائر المرصدين لعداوته في ذلك، ولم يمنعهم مانع، كما لم يمنعهم من تعنيته في طلب الآيات، ومجادلته في سائر الأوقات، ولكنهم لم يجدوا سبيلا إلى الطعن، لأنه عليه السلام لم يدع شيئا مما بهم الحاجة إليه في معرفة سائر ما دعاهم إلى اعتقاده، [ ص: 217 ] أو مثل فعله [كذا]، إلا وقد بينه لهم.

ويزيد هذا وضوحا قوله عليه السلام: إني قد تركتكم على مثل الواضحة: ليلها كنهارها. وإذا كان هذا على ما وصفنا علم أنه لم يبق بعد ذلك عتب لزائغ، ولا طعن لمبتدع، إذ كان - عليه السلام - قد أقام الدين، بعد أن أرسى أوتاده، وأحكم أطنابه، ولم يدع النبي صلى الله عليه وسلم لسائر من دعاه إلى توحيد الله حاجة إلى غيره، ولا لزائغ طعنا عليه، ثم مضى - صلى الله عليه وسلم - محمودا بعد إقامة الحجة، وتبليغ الرسالة، وأداء الأمانة والنصيحة لسائر الأمة، حتى لم يحوج أحدا من أمته إلى البحث عن شيء قد أغفله هو مما ذكره لهم أو معنى أسره إلى أحد من أمته.

بل قد قال - عليه السلام - في المقام الذي لم ينكتم قوله [ ص: 218 ] فيه، لاستحالة كتمانه على من حضره، أو طي شيء منه على من شهده،: إني خلفت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وسنتي، ولعمري إن فيهما الشفاء من كل أمر مشكل، والبرء من كل داء معضل، وإن في حراستهما من الباطل - على ما تقدم ذكرنا له - آية لمن نصح نفسه، ودلالة لمن كان الحق قصده) .

قال: (وفيما ذكرنا دلالة على صحة ما استندوا إلى الاستدلال به، وقوة لما عرفوا الحق منه، فإذا كان ذلك ما وصفنا فقد علمتم بهت أهل البدع [لهم] في نسبتهم لهم إلى التقليد، وسوء اختيارهم لهم في المفارقة لهم، والعدول عما كانوا عليه معهم، وبالله التوفيق. وإذ قد بان بما ذكرناه استقامة طرق [ ص: 219 ] استدلالهم، وصحة معارفهم، فلنذكر الآن ما اجتمعوا عليه من الأصول.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث