الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
واعلم أنه من أمعن النظر في هذا المقام وتوابعه، حصل له أمور جليلة:

بطلان قول من يقول: العلم بصحة السمع لا يكون إلا بقضايا عقلية مناقضة للمفهوم الظاهر من أخبار الله ورسوله.

بل بطلان قول من يجعل صريح العقل مناقضا لأخباره. [ ص: 70 ]

بل بطلان قول من يدعي أن أقوال الجهمية النفاة لعلو الله على خلقه - مما هي معروفة بصريح العقل، سواء كانت موافقة لخبر الرسول أو مخالفة له.

وذلك من وجوه:

أحدها: أن إيمان المؤمنين به، العالمين بصدقه، حصل بدون هذه القضايا.

الثاني: أن أحدا منهم لم يورد هذه المعارضة، ولم يستشكل هذا الذي هو تناقض في زعم هؤلاء.

الثالث: أن المنافقين لم يورد أحد منهم هذا.

الرابع: أن المشركين لم يورد أحد منهم هذا.

الخامس: أن أهل الكتاب لم يورد أحد منهم هذا.

السادس: أنه لم يعهد إليهم أن لا يصدقوا بمضمون هذه الظواهر ولا يعتقدوا موجبها، ولا أمرهم بترك تدبرها وفهمها وعقلها، ولا بتأويلها تأويلا يصرفها عن المعنى الظاهر المفهوم منها، ولا بتفويضها وقولهم: لا نعلم معناها.

السابع: أن الصحابة لم يوصوا التابعين بذلك.

الثامن: أن التابعين لم يوردوا على الصحابة، ولا أورد بعضهم على بعض ظهور هذا التناقض والتعارض، ولا سأل بعضهم بعضا: كيف نصنع؟ هل نتبع موجب النصوص أو موجب العقول المعارضة، [ ص: 71 ] ونتأول النصوص؟ أو نصرف قلوبنا عن فهمها وتدبرها وعقلها، ونقول: لا ندري ما معناها؟

فإن قيل: فهذا الذي ذكرته ظاهرا لا يخفى على من تأمل أمور الإسلام كيف كانت، وكيف ظهر الإسلام، ومع هذا فهذه الشبه العقلية التي احتج بها النفاة وقد ضل بها خلق كثير من هذه الأمة ومن أهل الكتاب، فهل كانت عقول الكفار أصح من عقول هؤلاء؟ ثم إذا كان الأمر هكذا فكيف إذا وقع في هذه من وقع؟

قيل: المقصود هنا فساد قول من يقول: إن تصديق الرسول لا يمكن إلا بقضايا عقلية تناقض مفهوم ما أخبر به، وهذا يلزم من قال ذلك من الجهمية والمعتزلة، وأتباعهم من الأشعرية، ومن دخل معهم من الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة والصوفية: أن تصديق الرسول لا يمكن إلا بأن يستدل على حوادث العالم بحدوث الأجسام، وأنه يستدل على ذلك بحدوث ما قام بها من الأعراض مطلقا أو الحركات، وأن ذلك مبني على امتناع حوادث لا أول لها، وذلك يستلزم نفي الأفعال القائمة بذات الله تعالى المتعلقة بمشيئته واختياره، بل نفي صفاته، وأن يكون القرآن مخلوقا، وأن الله لا يرى في الآخرة، ولا يكون فوق العالم.

فمن قال: إن تصديقه فيما أخبر به لا يمكن إلا بهذه الطريق، كان قوله معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام، ولهذا قال الأشعري وغيره: إن هذه الطرق مبتدعة في دين الأنبياء، بل محرمة غير [ ص: 72 ] مشروعة لا ريب أن عقل من آمن بالله ورسوله كان خيرا من عقل من سلك هذه الطريق من أهل الكلام.

وأما عقول الكفار فلا ريب، وإن كانت عقول جنس المؤمنين خيرا من عقولهم، لكن قد يكون عند الكافر من العقل والتمييز ما يمنعه أن يقول ما يقوله كثير من أهل البدع. ألا ترى أن أكاذيب الرافضة لا يرضاها أكثر العقلاء من الكفار؟ فكذلك عقول المشركين الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن تقبل أن ترد رسالته بمثل هذا الكلام الذي فيه من الدقة والغموض ما لا يفهمه أكثر الناس، ومن فهمه من العقلاء علم أنه من باب الهذيان والبهتان.

يبين لك كل ذلك أن العرب مع شركها كانت مقرة بأن الله رب كل شيء وخالقه ومليكه، مقرة بالقدر، وكانت عقولهم من هذا الوجه خيرا من عقل من جعل كثيرا من المحدثات لم يخلقه الله ولا قدره ولا أراده، وكانت العرب أيضا تقر بأن الله فاعل مختار، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فكانت عقولهم خيرا من عقول الدهرية والفلاسفة، الذين يقولون بأن العالم صدر عن علة تامة موجبة له، كما يقول الدهرية والإلهيون.

ولا ريب أن من أنكر الصانع وقال بأن العالم واجب بذاته، فعقله أفسد من عقل هؤلاء. والعرب لم تكن تقول بهذا اللهم إلا أن يكون في تضاعيفهم آحاد تقوله، ولكن لم يكن هذا القول ظاهرا فيهم، بل الظاهر فيهم الإقرار بالخالق وعلمه وقدرته ومشيئته.

التالي السابق


الخدمات العلمية