الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تابع كلام ابن حزم في إبطال وجوب النظر

قلت: قبول الإسلام الظاهر يجري على صاحبه أحكام الإسلام الظاهرة: مثل عصمة الدم، والمال، والمناكحة، والموارثة، ونحو ذلك. وهذا يكفي فيه مجرد الإقرار الظاهر، وإن لم يعلم ما في باطن الإنسان.

كما قال صلى الله عليه وسلم: فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله.

وقال: إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم. [ ص: 435 ]

ولهذا يقاتل الكافر حتى يسلم أو يعطي الجزية، فيكون مكرها على أحد الأمرين. ومن قال: لا تؤخذ الجزية من وثني قال: إنه يقاتل حتى يسلم. وأما الإيمان الباطن الذي ينجي من عذاب الله في الآخرة، فلا يكفي فيه مجرد الإقرار الظاهر، بل قد يكون الرجل مع إسلامه الظاهر منافقا، وقد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم منافقون، وقد ذكرهم الله تعالى في القرآن في غير موضع، وميز سبحانه بين المؤمنين والمنافقين في غير موضع.

كما في قوله: يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير [سورة الحديد: 13 - 15].

وقال تعالى: [ ص: 436 ] قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون [سورة الحجرات: 14 - 15].

وهؤلاء قد قالت طائفة: إنهم أسلموا ظاهرا مع كونهم منافقين. وقال الأكثرون: بل كانوا مسلمين غير منافقين ولا واصلين إلى حقيقة الإيمان، فإنه قد قال فيهم: وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم [سورة الحجرات: 14].

والمنافق عمله حابط لا يتقبله الله، ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" وغير ذلك من الأحاديث التي تكلم عليها في غير هذا الموضع، فإن مسألة الإيمان والكفر والنفاق متعلقة بمسألة أول الواجبات، ووجوب النظر، وبالفاسق الملي، وتكفير أهل البدع، وغير ذلك من المسائل التي تكلم عليها الناس. [ ص: 437 ]

وبهذا أجابوا عن هذه الحجة، فإنه لما قيل لهم: أجمع المسلمون على أن الكافر إذا أراد أن يسلم يكتفى منه بالإقرار بالشهادتين. قالوا: إنما نجتزئ منه بذلك لإجراء الإسلام عليه. فإن صاحب الشرع جعل ذلك أمارة لإجراء الأحكام.

ولو كان ذلك إيمانا حقيقيا لما قال في حق النسوة المهاجرات: يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن [سورة الممتحنة: ] ثم يقول: من ترك ملة من الملل وعاد إلى ملتنا، فلا بد له من حامل يحمله عليه، فإن كان الذي يحمله عليه ما علمه من فساد ملته وعقيدته، وصحة دين الإسلام، فهذا القدر كاف من النظر والاستدلال على الجملة، وإن كان الذي يحمله رهبة منا، أو رغبة فيما أعطانا الله من المال وغيره، فهجرته إلى ما هاجر إليه.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث