الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


البحث الثاني في حد الأمر .

وقد اختلفت المعتزلة فيه بناء على إنكارهم لكلام النفس ، فذهب البلخي وأكثر المعتزلة إلى أن الأمر هو قول القائل لمن دونه ( افعل ) أو ما يقوم مقامه .

وأراد بقوله ( يقوم مقامه ) أي في الدلالة على مدلوله ، وقصد بذلك إدراج صيغة الأمر من غير العربي في الحد ، وهو فاسد من ثلاثة أوجه .

الأول : أن مثل ذلك قد يوجد فيما ليس بأمر بالاتفاق [1] كالتهديد في قوله تعالى : ( اعملوا ما شئتم ) ، والإباحة في قوله : ( وإذا حللتم فاصطادوا ) ، والإرشاد في قوله : ( فاستشهدوا ) ، والامتنان كقوله : ( كلوا مما رزقكم الله ) ، والإكرام كقوله : ( ادخلوها بسلام آمنين ) ، والتسخير ، والتعجيز ، إلى غير ذلك من المحامل التي يأتي ذكرها .

الثاني : أنه يلزم من ذلك ، أن تكون صيغة ( افعل ) الواردة من النبي صلى الله عليه وسلم نحونا ، أمرا حقيقة لتحقق ما ذكروه من شروط الأمر فيها ، ويلزم من ذلك أن يكون هو الآمر لنا بها ، ويخرج بذلك عن كونه رسولا ، لأنه لا معنى للرسول غير المبلغ لكلام المرسل ، لا أن يكون هو الآمر والناهي ، كالسيد إذا أمر عبده ، وسواء كانت صيغته مخلوقة له ، كما هو مذهبهم ، أو لله تعالى كما هو مذهبنا [2] .

الثالث : أنه قد يرد مثل هذه الصيغة من الأعلى نحو الأدنى ولا يكون أمرا ، بأن يكون ذلك على سبيل التضرع والخضوع ، وقد يرد من الأدنى نحو الأعلى إذا كانت على سبيل الاستعلاء لا على سبيل الخضوع والتذلل ، ولذلك يوصف قائلها بالجهل والحمق بأمره لمن هو أعلى رتبة منه .

ومنهم من قال ، الأمر صيغة ( افعل ) على تجردها من القرائن الصارفة لها عن جهة الأمر إلى التهديد ، وما عداه من المحامل .

[ ص: 138 ] وهو أيضا فاسد من حيث إنه أخذ الأمر في تعريف الأمر ، وتعريف الشيء بنفسه محال ، وإن اقتصروا في التحديد على القول بأن الأمر صيغة ( افعل ) المجردة عن القرائن لا غير ، وزعموا أن صيغة ( افعل ) فيما ليس بأمر لا تكون مجردة عن القرائن ، فليس ما ذكروه أولى من قول القائل ، التهديد عبارة عن صيغة ( افعل ) المجردة عن القرائن ، إلا أن يدل عليه دليل من جهة السمع ، وهو غير متحقق .

ومنهم من قال ، الأمر صيغة ( افعل ) بشرط إرادات ثلاث ، إرادة إحداث الصيغة ، وإرادة الدلالة بها على الأمر ، وإرادة الامتثال ، فإرادة إحداث الصيغة احتراز عن النائم إذا وجدت هذه الصيغة منه ، وإرادة الدلالة بها على الأمر احتراز عما إذا أريد بها التهديد أو ما سواه من المحامل ، وإرادة الامتثال احتراز عن الرسول الحاكي المبلغ ، فإنه وإن أراد إحداث الصيغة والدلالة بها على الأمر ، فقد لا يريد بها الامتثال .

وهو أيضا فاسد من وجهين .

الأول : أنه أخذ الأمر في حد الأمر ، وتعريف الشيء بنفسه محال ممتنع .

الثاني : هو أن الأمر الذي هو مدلول الصيغة إما أن يكون هو الصيغة أو غير الصيغة ، فإن كان هو نفس الصيغة ، كان الكلام متهافتا من حيث إن حاصله يرجع إلى أن الصيغة دالة على الصيغة ، والدال غير المدلول .

وإن كان هو غير الصيغة ، فيمتنع أن يكون الأمر هو الصيغة ، وقد قال بأن الأمر هو الصيغة ( افعل ) بشرط الدلالة على الأمر ، فإن الشرط غير المشروط ، وإذا كان الأمر غير الصيغة فلا بد من تعريفه والكشف عنه ، إذ هو المقصود في هذا المقام .

ولما انحسمت عليهم طرق التعريف قال قائلون منهم : الأمر هو إرادة الفعل ، وقد احتج الأصحاب على إبطاله بأن السيد المعاتب من جهة السلطان على ضرب عبده ، إذا اعتذر عن ذلك قصد إظهار أمره ، وأمره بين يدي السلطان قصدا لإظهار مخالفته لبسط عذره ، والخلاص من عقاب السلطان له ، فإنه يعد آمرا ، والعبد مأمورا ، ومطيعا بتقدير الامتثال ، وعاصيا بتقدير المخالفة ، مع علمنا بأنه لا يريد منه الامتثال لما فيه من ظهور كذبه ، وتحقيق عقاب السلطان له . والعاقل لا يقصد ذلك ، غير أن مثل هذا لازم على أصحابنا [ ص: 139 ] إن كان صحيحا في تفسيرهم الأمر ، بطلب الفعل ، من جهة أن السيد أيضا آمر في مثل هذه الصورة لعبده ، مع علمنا بأنه يستحيل منه طلب الفعل من عبده ، لما فيه من تحقيق عقابه وكذبه ، والعاقل لا يطلب ما فيه مضرته وإظهار كذبه . وعند ذلك فما هو جواب أصحابنا في تفسير الأمر بالطلب يكون جوابا للخصم في تفسيره بالإرادة .

وإن زعم بعض أصحابنا أن الأمر ليس هو الطلب ، بل الإخبار باستحقاق الثواب على الفعل ، فيلزمه أن يكون الآمر لعبده مما يصح تصديقه وتكذيبه في أمره لعبده ضرورة كون الأمر خبرا وهو ممتنع .

كيف وإنه على خلاف تقسيم أهل اللغة الكلام ، إلى أمر وخبر .

والحق في ذلك أن يقال ، أجمع المسلمون من غير مخالفة من الخصوم ، على أن من علم الله تعالى أنه يموت على كفره أنه مأمور بالإيمان ، وليس الإيمان منه مراد الله تعالى [3] لأنه ، لا معنى لكونه مراد الله تعالى سوى تعلق الإرادة به ، ولا معنى لتعلق الإرادة بالفعل سوى تخصيصها له بحالة حدوثه ، فلا يعقل تعلقها به دون تخصيصها له بحالة حدوثه ، وما لم يوجد لم تكن الإرادة مخصصة له بحالة حدوثه ، فلا تكون متعلقة به ، وليقنع بهذا هاهنا عما استقصيناه من الوجوه الكثيرة في علم الكلام .

وأما أصحابنا ، فمنهم من قال ، الأمر عبارة عن الخبر على الثواب على الفعل تارة ، والعقاب على الترك تارة ، وهو فاسد لما سبق امتناع من تصديق الآمر وتكذيبه ، ولأنه يلزم منه لزوم الثواب على فعل ما أمر به ، والعقاب على تركه ، من جهة الشارع حذرا من الخلف في خبر الصادق ، وليس كذلك بالإجماع .

أما الثواب فلجواز إحباط العمل بالردة ، وأما العقاب فلجواز العفو والشفاعة ، ويمكن أن يحترز عن هذا الإشكال بأن يقال : هو الإخبار باستحقاق الثواب والعقاب ، غير أنه يبقى عليه الإشكال الأول من غير دافع .

[ ص: 140 ] ومنهم من قال ، وهم الأكثرون ، كالقاضي أبي بكر وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم : الأمر هو القول المقتضي طاعة المأمور به ، فقولهم ( القول ) كالجنس للأمر وغيره من أقسام الكلام ، وقولهم : ( المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به ) للفصل بين الأمر وغيره من أقسام الكلام ، ولفصل الأمر عن الدعاء والسؤال .

ومنهم من زاد في الحد ( بنفسه ) احترازا عن الصيغة ، فإنها لا تقتضي الطاعة بنفسها ، بل بالتوقيف والاصطلاح وعلى كل تقدير فهو باطل لما فيه من تعريف الأمر بالمأمور والمأمور به ، وهما مشتقان من الأمر ، والمشتق من الشيء أخفى من ذلك الشيء ، وتعريف الشيء بما لا يعرف إلا بعد معرفة ذلك الشيء محال .

ومنهم من قال : الأمر هو طلب الفعل على وجه يعد فاعله مطيعا ، وهو أيضا باطل لما فيه من تعريف الأمر بالطاعة المتعلقة بالفعل ، والطاعة المتعلقة بالفعل لا تعرف إلا بموافقة الأمر : وهو دور ممتنع ، كيف وإن فعل الرب تعالى لما طلبه العبد منه بالسؤال يقال له باعتبار موافقة طلب العبد مطيعا ، بدليل قوله عليه السلام " إن أطعت الله أطاعك " أي إن فعلت ما أراد فعل ما تريد ، وليس طلب العبد من الله تعالى بجهة السؤال لله أمرا ، إذ الأمر لله قبيح شرعا ، بخلاف السؤال ، ويمكن الاحتراز عنه بما يعد فاعله مطيعا في العرف العام ، والباري تعالى ليس كذلك .

والأقرب في ذلك إنما هو القول الجاري على قاعدة الأصحاب ، وهو أن يقال ، الأمر طلب الفعل على جهة الاستعلاء .

فقولنا : ( طلب الفعل ) احتراز عن النهي وغيره من أقسام الكلام ، وقولنا : ( على جهة الاستعلاء ) احتراز عن الطلب بجهة الدعاء والالتماس .

فإن قيل : قولكم ( الأمر هو طلب الفعل ) إن أردتم به الإرادة ، فهو مذهب المعتزلة ، وليس مذهبا لكم ، وإن أردتم غيره فلا بد من تصويره ، وإلا كان فيه تعريف الأمر بما هو أخفى من الأمر .

[ ص: 141 ] قلنا إجماع العقلاء منعقد على أن الأمر قسم من أقسام الكلام ، وأنه واقع موجود لا ريب فيه ، وقد بينا امتناع تفسيره بالصيغة والإرادة بما سبق ، فما وراء ذلك هو المعني بالطلب ، والنزاع في تسميته بالطلب بعد الموافقة على وجوده ، فآيل إلى خلاف لفظي .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث