الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الوظيفة التاسعة أن يعلم بنسبة العلوم كلها إلى المقعد الأعظم

وكل المخلوقات منسوبة إلى الله تعالى ولكن نسبته أشرف من نسبة سائر أعضاء البدن فلله الخلق والأمر جميعا والأمر أعلى من الخلق وهذه الجوهرة النفيسة الحاملة لأمانة الله تعالى المتقدمة بهذه الرتبة على السموات والأرضين والجبال إذ أبين أن يحملنها وأشفقن منها من عالم الأمر ولا يفهم من هذا أنه تعريض بقدمها فإن القائل بقدم الأرواح مغرور جاهل لا يدري ما يقول فلنقبض عنان البيان عن هذا الفن فهو وراء ما نحن بصدده .

والمقصود أن هذه اللطيفة هي الساعية إلى قرب الرب لأنها من أمر الرب فمنه مصدرها وإليه مرجعها وأما البدن فمطيتها التي تركبها وتسعى بواسطتها فالبدن لها في طريق الله تعالى كالناقة للبدن في طريق الحج وكالراوية الخازنة ، للماء الذي يفتقر إليه البدن فكل علم مقصده مصلحة البدن فهو من جملة مصالح المطية .

ولا يخفى أن الطب كذلك فإنه قد يحتاج إليه في حفظ الصحة على البدن ولو كان الإنسان وحده لاحتاج إليه والفقه يفارقه في أنه لو كان الإنسان وحده ربما كان يستغني عنه ولكنه خلق على وجه لا يمكنه أن يعيش وحده إذ لا يستقل بالسعي وحده في تحصيل طعامه بالحراثة والزرع والخبز والطبخ وفي تحصيل الملبس والمسكن وفي إعداد آلات ذلك كله فاضطر إلى المخالطة والاستعانة .

ومهما اختلط الناس وثارت شهواتهم تجاذبوا أسباب الشهوات وتنازعوا وتقاتلوا وحصل من قتالهم هلاكهم بسبب التنافس من خارج كما يحصل هلاكهم بسبب تضاد الأخلاط من داخل وبالطب يحفظ الاعتدال في الأخلاط المتنازعة من داخل وبالسياسة والعدل يحفظ الاعتدال في التنافس من خارج وعلم طريق اعتدال الأخلاط طب وعلم طريق اعتدال أحوال الناس في المعاملات والأفعال فقه .

وكل ذلك لحفظ البدن الذي هو مطية فالمتجرد لعلم الفقه أو الطب إذا لم يجاهد نفسه ولا يصلح قلبه كالمتجرد لشراء الناقة وعلفها وشراء الراوية وخرزها إذا لم يسلك بادية الحج .

والمستغرق عمره في دقائق الكلمات التي تجري في مجادلات الفقه كالمستغرق عمره في دقائق الأسباب التي بها تستحكم الخيوط التي تخرز بها الراوية للحج .

ونسبة هؤلاء من السالكين لطريق إصلاح القلب الموصل إلى علم المكاشفة كنسبة أولئك إلى سالكي طريق الحج ، أو ملابسي أركانه فتأمل هذا أولا واقبل النصيحة مجانا ممن قام عليه ذلك غالبا ولم يصل إليه إلا بعد جهد جهيد وجراءة تامة على مباينة الخلق العامة والخاصة في النزوع من تقليدهم بمجرد الشهوة فهذا القدر كاف في وظائف المتعلم .

التالي السابق


( و) إن قال قائل: ( كل المخلوقات منسوبة إلى الله تعالى) فما وجه تخصيصه بالإضافة إليه؟ فأجاب بقوله: ( ولكن نسبته أشرف من نسبة سائر أعضاء البدن) فالإضافة هنا تشريفية، كما يقال: بيت الله وناقة الله ( ولله) عز وجل ( الخلق والأمر جميعا) لا يشاركه أحد فيهما سبحانه وتعالى، قال تعالى: ألا له الخلق والأمر . أي فإنه الموجد والمتصرف خلق العالم على ترتيب قويم وتدبر حكيم، فأبدع الأفلاك، ثم زينها بالكواكب، وعمد إلى إيجاد الأجرام السفلية، فخلق جسما قابلا للصور المتبدلة والهيئات المختلفة، ثم قسمها لصور نوعية متضادة الآثار، والأفعال، ثم نشأ المواليد الثلاثة بتركيب موادها أولا، وتصويرها ثانيا، ثم لما تم له عالم الملك عمد إلى تدبيره فدبر الأمر من السماء إلى الأرض بتحريك الأفلاك وتسيير الكواكب وتكوير الليالي والأيام، ثم صرح بما هو فذلكة التقدير ونتيجته فقال: ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ( والأمر أعلى من الخلق) نظرا إلى ما ذكرنا ( وهذه الجوهرة النفيسة الحاملة لأمانة الله تعالى) قيل: هي كلمة التوحيد، وقيل: العقل، وقيل: الطاعة، قاله الحسن، وقيل: العبادة، وقيل: حروف التهجي، وقيل غير ذلك .

( المتقدمة بهذه الرتبة على السماوات والأرض والجبال إذ أبين) أي: امتنعن ( أن يحملنها) لثقلها ( وأشفقن منها) أي: خفن بمهابة ( من عالم الأمر) ولذا أضيف إلى الله تعالى ( ولا يفهم من هذا) الذي أوردناه ( تعريضا) وتلويحا ( بقدمه) أي: الروح نظرا إلى كونه من أمر الرب ( فالقائل بقدم الأرواح) كالفلاسفة ومن على قدمهم ( مغرور) في زعمه ( جاهل) فيما يبديه ( لا يدري ما يقول) ولا يميز خطأه من صوابه، ولما أطال في بحث هذه المسألة أداه تحقيقه لها إلى الخروج عن أصل كلامه الذي أبداه فأشار لذلك وقال: ( ولنقبض عنان البنان) أي: نمسك ( عن) التوغل في ( هذا الفن) الذي هو الكلام ( فهو وراء ما نحن بصدده) أي: طلبه وبيانه ( والمقصود) من ذلك كله ( إن هذه اللطيفة) الحاملة لأمانة ربها ( هي الساعية إلى قرب الرب) عز وجل; ( لأنه من أمر الرب) تعالى ( فمنه مصدره وإليه مرجعه) ومآله .

( وأما البدن فمطيته التي تركبها) في قطع بوادي السلوك، ( وتسعى بواسطتها) إلى ملك الملوك ( فالبدن لها) أي: للروح ( في) سلوك ( طريق الله) عز وجل ( كالناقة) مثلا ( للبدن في طريق الحج، أو الراوية الحاوية) أي: الحاملة وفي نسخة: الخازنة ( للماء الذي يفتقر) أي: يحتاج ( إليه البدن) في حفظ صحته، ( فكل علم مقصده) الأعظم ( صحة) ، وفي نسخة: مصلحة ( البدن فهو من جملة مصالح) تلك ( المطية) المذكورة ( ولا [ ص: 333 ] يخفى أن) علم ( الطب كذلك فإنه يحتاج إليه) أحيانا ( في حفظ الصحة على البدن) إذا خالف المزاج، ( ولو كان الإنسان وحده لاحتاج إليه) في حفظ الصحة، ( و) علم ( الفقه يفارقه في أنه لو كان الإنسان وحده) مثلا ( ربما كان يستغني عنه) ، ولا يحتاج إليه، ( ولكنه) أي: الإنسان ( خلق) مدني الطبع ( على وجه لا يمكنه أن يعيش وحده) لا بد من افتقاره إلى الغير ( إذ) من المعلوم البين أنه ( لا يستقل) أي: لا ينفرد بنفسه ( بالسعي) والاهتمام ( في تحصيل طعامه) الذي يتناوله ( بالحراثة والزرع والخبز والطبخ) ، فافتقر إلى أكار وزراع وخباز وطباخ، وكأنه أراد بالحراثة حفر الأرض وتهيئتها للزرع، فلذلك قلنا: إلى أكار وإلا فهي والزرع من واد واحد، ( وفي تحصيل الملبس والمسكن) الذي يأوي إليه ( وفي) تحصيل ( أعداد آلات ذلك كله) فلحفر الأرض آلات من حديد فاحتاج إلى الحداد ومن خشب كالجبان ونحوه، فاحتاج إلى تحاور وللطبخ آلات متعددة أعظمها الأواني إن كانت من طين فإلى فخار أو من نحاس فإلى نحاس وآلات الملبس والمسكن كثيرة، ويندرج بعضها في بعض ( فاضطر) قطعا ( إلى المخالطة) مع الناس ( والاستعانة) في أموره بهم .

وهذا البحث قد أورده صاحب الذريعة في الفصل السادس منه فقال: لما صعب على كل أحد أن يحصل لنفسه أدنى ما يحتاج إليه إلا بمعاونة عدة له فلقمة طعام لو عددنا عدد تحصيلها من الزرع والطحن والخبز وصناع آلاتها لصعب حصره، فلذلك احتاج الناس أن يجتمعوا فرقة متظاهرين ولأجل ذلك قيل: الإنسان مدني بالطبع، لا يمكنه التفرد عن الجماعة لعيشه، بل يفتقر بعضهم إلى بعض في مصالح الدين والدنيا، وعلى ذلك نبه عليه السلام بقوله: المؤمنون كالبنيان يشد بعضه بعضا، وقوله: "مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا تألم بعضه تداعى سائره"، وقيل: الناس كجسد واحد متى عاون بعضه بعضا استقل ومتى خذل بعضه بعضا اختل اهـ .

( ومهما اختلط الناس) بعضهم ببعض على اختلاف مراتبهم ( وثارت) أي: هاجت ( شهواتهم) التي جبلوا عليها ( تجاذبوا أسباب الشهوات) وتعاوروها بمقتضى بشريتهم من ترفع وتكبر وتحاسد ( وتنازعوا) لذلك وتخاصموا بل ( وتقاتلوا) بالأسلحة ( وحصل من قتالهم) مع بعضهم ( هلاكهم) بزهاق الأرواح من الأجساد ( بسبب التنافس من خارج كما يحصل هلاكهم بسبب تضاد الأخلاط) الأربعة ( من داخل) أي: من داخل البدن ( وبالطب) أي: بمعرفته ( بحفظ الاعتدال في الأخلاط المتنازعة من داخل) البدن ( وبالسياسة والعدل) أي: بمعرفتهما ( بحفظ الاعتدال في التنافس من خارج وعلم طريق اعتدال الأخلاط) وجريها على نهج الصحة ( طب) اصطلاحا ( وعلم طريق اعتدال أحوال الناس) بتباينها ( في المعاملات) الدنيوية ( والأفعال) الصادرة منهم ( فقه) إذ به حراستهم عن الوقوع فيما لا ينبغي ( وكل ذلك لحفظ البدن) إما من داخل أو من خارج ( الذي هو مطية) للوصول في السير ( فالمتجرد) بهمته ( لعلم الفقه أو الطب إذا لم يجاهد نفسه) بالرياضات الشاقة، ( ولم يصلح قلبه) بإخلائه عما سوى الله تعالى ( كالمتجرد لشراء الناقة وعلفها) وما تحتاج إليه ( وشراء الراوية وخرزها) ودهنها ( إذا لم يسلك أودية الحج) بنفسه ( و) مثل ( المستغرق عمره) الباذل جهده ( في) تحصيل ( دقائق الكلمات) ونكاتها ومشكلاتها ( التي تجري في مجادلات الفقه) ومباحثاته ( كالمستغرق عمره في دقائق الأسباب التي بها تستحكم الخيوط) والسيور ( التي) بها ( تخرز) أي: تخاط ( راوية الحج ونسبة هؤلاء) أي: المشتغلين بالفقه ( من السالك لطريق إصلاح القلب) بالرياضات الشرعية .

( والواصل إلى علم المكاشفة) في منتهى سيره ( كنسبة أولئك) أي: المشتغلين بشراء الناقة والراوية ( إلى سالكي طريق الحج، أو ملابسي أركانه) ، الأول بالنسبة لي إصلاح القلب، والثاني: بالنسبة إلي علم المكاشفة ( فتأمل) بفكرك الصحيح، ( هذا أولا) مع قطع النظر عن الحال التي درج عليها مشايخك ولا تقل إنا وجدنا آباءنا هكذا وإنا على آثارهم مقتدون. ( واقبل النصيحة) الخالصة ( مجانا) بلا عوض ( ممن) أي: من مرشد مخلص مجرب ( قام [ ص: 334 ] عليه) أي: على وجدانه وفي نسخة قامت عليه ( غالبا) على نفسه ( ولم يصل إليه إلا بعد جهد شديد) ومعاناة الأمور ( وجراءة تامة) أي: إقدام كامل ( على مباينة الخلق) من ( الخاصة العامة في النزوع) أي: الإقلاع ( من تقليدهم) المحض ( بمجرد الشهوة) النفسية، وهذا في زمانه والشريعة رطبة غضة، والدين غاص بأركانه وأعلامه، فما بالك في زماننا الآن، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

( فهذا القدر) الذي حررناه ( كاف في وظائف المتعلم) لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وقد ترك المصنف وظيفة عاشرة من وظائف المتعلم ذكرها صاحب الذريعة وهي أنه يجب أن لا يخوض في فن حتى يتناول من الفن الذي قبله على الترتيب بلغته ويقضي منه حاجته فازدحام العلم في السمع مضلة الفهم، وعلى هذا قال الله تعالى: الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته ، أي لا يتجاوزون فنا حتى يحكموه علما وعملا، فيجب أن يقدم الأهم فالأهم، من غير إخلال في الترتيب، وكثير من الناس منعوا الوصول لتركهم الأصول، وحقه أن يكون قصده من كل علم يتحراه التبلغ به إلى ما فوقه حتى يبلغ النهاية، ثم شرع في بيان المعلم فقال:



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث