الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة المخابرة هي المزارعة وهي استكراء الأرض ببعض ما يخرج منها

فصل : وأما الضرب الذي اختلفت الفقهاء فيه فهو أن يزارعه على أرضه ليكون العمل على الأجير ، والأرض لربها ، والبذر منهما ، أو من أحدهما بحسب شرطهما على أن ما أخرج الله تعالى من زرع كان بينهما على سهم معلوم من نصف أو ثلث أو ربع ، ليأخذ الزارع سهمه بعمله ، ويأخذ رب الأرض سهمه بأرضه فهذه هي المخابرة ، والمزارعة التي اختلف الفقهاء فيها على ثلاثة مذاهب : أحدها : وهو مذهب الشافعي - رضي الله عنه - أنها باطلة سواء شرط البذر على الزارع ، أو على رب الأرض ، وبه قال من الصحابة : عبد الله بن عمر ، وجابر بن عبد الله ، ورافع بن خديج - رضي الله عنهم - ، ومن التابعين : سعيد بن جبير ، وعكرمة ، ومن الفقهاء : الشافعي ، ومالك ، وأبو حنيفة - رضي الله عنهم - .

والمذهب الثاني : أنها جائزة سواء شرط البذر على الزارع ، أو على رب الأرض ، وبه قال من الصحابة : علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، وعمار بن ياسر ، وعبد الله بن مسعود ، وسعد بن أبي وقاص ، ومعاذ بن جبل - رضي الله عنهم - ، ومن التابعين : سعيد بن المسيب ، ومحمد بن سيرين ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، ومن الفقهاء : سفيان الثوري ، وأبو يوسف ، ومحمد .

والمذهب الثالث : أنه إن شرط البذر على صاحب الأرض لم يجز ، وإن شرطه على الزارع جاز ، وهو مذهب أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه .

واستدل من أجاز ذلك برواية عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج من ثمر وزرع . وروى سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار قال : قلت لطاوس : يا أبا عبد الرحمن ، لو تركت المخابرة ، فإنهم يزعمون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عنها فقال : يا عمرو ، أخبرني أعلمهم ابن عباس أنه لم ينه عنها ولكن قال : لأن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليها خرجا معلوما . وروى عروة بن الزبير ، عن زيد بن ثابت ، قال : " رحم الله رافع بن خديج ، أنا أعلم بهذا الحديث منه " - يعني ما رواه عن المخابرة - قال زيد : " أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلان من الأنصار ، وكانا قد اقتتلا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن كان هذا شأنكما فلا تكروا المزارع .

قالوا : ولأن المعاملة على الأصول ببعض نمائها يجوز كالمساقاة على النخل ، والمضاربة بالمال ، وكذلك المخابرة على الأرض . قالوا : ولأنه لما جازت المخابرة إذا اقترنت بالمساقاة جازت بانفرادها .

[ ص: 452 ] والدليل على فسادها مع ما رواه الشافعي - رضي الله عنه - في صدر الباب عن ابن عمر ، رواية الشافعي عن سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن جابر قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المخابرة . والمخابرة كراء الأرض بالثلث والربع ، وروى يعلى بن حكيم ، عن سليمان بن يسار أن رافع بن خديج قال : كنا نخابر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإن بعض عمومتي أتاني فقال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أمر كان لنا نافعا ، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا وأنفع ، قال : فقلنا : " وما ذاك " قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من كانت له أرض فليزرعها ، أو ليزرعها أخاه ، ولا يكاريها بثلث ولا ربع ، ولا طعام مسمى ، وروى ابن خثيم ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من لم يذر المخابرة فليؤذن بحرب من الله ورسوله ، ولأن الأصول التي تصح إجارتها ، ولا تصح المعاملة عليها يعنى كسبها ، وكذا الأرض لما جازت إجارتها لم تجز المخابرة عليها .

فهذه دلائل الفريقين في صحة المخابرة وفسادها ، ولما اقترن بدلائل الصحة عمل أهل الأمصار مع الضرورة الماسة إليها ، وكان ما عارضها محتملا أن يكون جاريا على ما فسره زيد بن ثابت ، وقال عبد الله بن عباس : كان صحة المخابرة أولى من فسادها مع صحة شهادة الأصول لها في المساقاة والمضاربة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث