الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي - رحمه الله تعالى - : " فإن كان ثوبا أبلاه المشتري أخذه من المشتري ، وما بين قيمته صحيحا يوم غصبه وبين قيمته وقد أبلاه ، ويرجع المشتري على الغاصب بالثمن الذي دفع ولست أنظر في القيمة إلى تغير الأسواق وإنما أنظر إلى تغير الأبدان " .

                                                                                                                                            [ ص: 157 ] قال الماوردي : وهذه ، المسألة أيضا تشتمل على فصلين :

                                                                                                                                            أحدهما : في إبلاء الغاصب له .

                                                                                                                                            والثاني : في إبلاء المشتري فبدأ بالغاصب فلا يخلو حاله في الثوب الذي غصبه من أربعة أقسام :

                                                                                                                                            أحدها : أن لا يبلى في يده ، ولا تمضي عليه مدة يكون لها أجرة فهذا يرد الثوب ، ولا شيء عليه سواه .

                                                                                                                                            والقسم الثاني : أن يكون قد بلي ، ولم تمض عليه مدة يكون لها أجرة فهذا يرده ويرد معه أرش البلى لا غير .

                                                                                                                                            والقسم الثالث : أن لا يبلى ولكن قد مضت عليه مدة يكون لها أجرة فهذا يرده ويرد معه أجرة مثله لا غير .

                                                                                                                                            والقسم الرابع : أن يبلى وتمضي عليه مدة يكون لها أجرة فهل يجمع عليه بين الأرش ، والأجرة ، أو لا ؟ على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : يجمع بينهما ويجبان عليه لاختلاف موجبهما ؛ لأن الأرش يجب باستهلاك الأجزاء ، والأجرة تجب باستهلاك المنفعة .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : أنهما يجتمعان عليه ويجب عليه أكثر الأمرين من الأرش ، والأجرة ؛ لأن استهلاك الأجزاء في مقابلة الأجرة . ألا ترى أن المستأجر لا يضمن أرش البلى ؛ لأنه في مقابلة ما قد ضمنه من الأجرة ولكن لو كان المغصوب عبدا فمضت عليه في يد الغاصب مدة هزل فيها بدنه وذهب فيها سمنه لزمته الأجرة مع أرش الهزال وجها واحدا ، والفرق بينهما وبين الثوب أن استعمال الثوب موجب لبلاه وليس استخدام العبد موجبا لهزاله ، والله أعلم .

                                                                                                                                            فأما المشتري فيلزمه ما يلزم الغاصب من الأرش ، والأجرة على ما وصفنا من الأقسام الأربعة لكن عليه الأجرة وأرش البلى من وقت قبضه لا من وقت الغصب . وقول الشافعي - رضي الله عنه - هاهنا أخذه من المشتري ، وما بين قيمته صحيحا يوم غصبه ، وما بين قيمته ، وقد أبلي فليس بمحمول على ظاهره ، وفيه لأصحابنا ثلاثة تأويلات :

                                                                                                                                            أحدها : وهو تأويل أبي علي بن أبي هريرة أنه محمول على أن قيمته يوم الغصب والبيع سواء .

                                                                                                                                            والثاني : أنه محمول على أنه اشتراه يوم الغصب .

                                                                                                                                            والثالث : هو تأويل أبي حامد الإسفراييني أن معنى قوله من يوم الغصب أي من يوم صار المشتري في حكم الغاصب ؛ فإذا تقرر هذا فما لزم الغاصب لا يضمنه المشتري ، وما لزم [ ص: 158 ] المشتري يضمنه الغاصب وللمالك الخيار ، والرجوع به على أيهما شاء فإن رجع به على المشتري لم يرجع المشتري بأرش البلى . وهل يرجع بالأجرة أم لا ؟ على قولين . وإن رجع به على الغاصب رجع الغاصب على المشتري بأرش البلى وهل يرجع بالأجرة أم لا ؟ على قولين .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية