الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي رحمه الله تعالى : " ويجوز الحبس في الرقيق ، والماشية إذا عرفت بعينها قياسا على النخل ، والدور ، والأرضين " .

قال الماوردي : وهذا كما قال . يجوز وقف العقار ، والدور ، والأرض ، والرقيق ، والماشية ، والسلاح وكل عين تبقى بقاء متصلا ويمكن الانتفاع بها .

وقال أبو يوسف : لا يجوز إلا في الأراضي ، والدور ، والكراع ، والسلاح ، والغلمان فأما وقف الغلمان وغيرهم من الحيوان على الانفراد فلا تصح واحتج من نصره ما عدا الأرض والدور لا يثبت فيه الشفعة ، ولا يستحق بالشفعة فلم يصح وقفه كالأطعمة والسمومات ، ودليلنا ما روي أن أم معقل جاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله ، إن أبا معقل جعل ناضحه في سبيل الله وإني أريد الحج فأركبه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : اركبيه فإن الحج والعمرة من سبيل الله وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث عمر ساعيا ، فلما رجع ثلاثة : أحدهم خالد بن الوليد ، أما خالد فإنكم تظلمون خالدا إنه قد حبس أدراعهه وأعتده ، ومن وجهة المعنى أنها عين تجوز بيعها ويمكن الانتفاع بها مع بقائها المتصل فجاز وقفها كالدور . وقولنا : " عين " احترازها يكون في الذمة : لأنه لو كان له في ذمة رجل حيوان من مسلم أو غيره لم يصح . وقولنا : " يجوز بيعه " احتراز من أم الولد والحر . وقولنا : يمكن الانتفاع بها " احتراز من الحشرات التي لا ينتفع بها وقولنا : " مع [ ص: 518 ] بقائها المتصل " احتراز من الطعام ، فإنه ينتفع به ولكنه سلف بالانتفاع وقولنا " المتصل " احتراز من السمومات فإنه لا يتصل بقاؤها وإنما تبقى يوما ويومين وثلاثة فقط ، ولأن كل ما جاز وقفه تبعا لغيره جاز وقفه منفردا كالشجرة : لأنها وقف تبعا للأرض وتوقف منفردة عنها ، ولأن المقصود من الوقف انتفاع الموقوف عليه وهذا المعنى موجود فيما عدا الأرض والعقار فجاز وقفه .

فأما الجواب عما ذكروه فهو أنه منتقض بالكراع والسلاح ، فإنه لا يثبت فيه الشفعة ويصح وقفه ، ثم إن الشفعة إنما اختصت بالأرض والعقار : لأنه إنما تثبت لإزالة الضرر الذي يلحق الشريك على الدوام ، وإنما يدوم الضرر فيما لا ينفك ، وما ينفك فلا يدوم الضرر فيه ، فلهذا لم يثبت فيه الشفعة وليس كذلك الوقف : لأنه إنما جاز الانتفاع الموقوف عليه ، وهذا المعنى موجود فيما ينفك ويحول إذا كان على الأوصاف التي ذكرناها ، فجاز وقفه إذا ثبت هذا ، فكل عين جاز بيعها وأمكن الانتفاع بها مع بقائها المتصل فإنه يجوز وقفها إذا كانت معينة ، فأما إذا كانت في الذمة أو مطلقة وهو أن يقول : وقفت فرسا أو عبدا ، فإن ذلك لا يجوز : لأنه لا يمكن الانتفاع به ما لم يتعين ، ولا يمكن تسليمه ؛ ولهذا قلنا : لا يجوز أن يبيع ثوبا مطلقا : لأنه لا يمكن تسليمه والإخبار عليه .

فأما الكلب فالذي نص عليه الشافعي أنه لا يجوز وقفه : لأنه ليس بمال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث