الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الكلام على البسملة

وإنما حملني على تأسيس هذا الكتاب على أربعة أرباع أمران أحدهما وهو الباعث الأصلي أن هذا الترتيب في التحقيق والتفهيم كالضرورة لأن العلم الذي يتوجه به إلى الآخرة ينقسم إلى علم المعاملة وعلم المكاشفة ، وأعني بعلم المكاشفة ما يطلب منه كشف المعلوم فقط وأعني بعلم المعاملة ما يطلب منه مع الكشف العمل به والمقصود من هذا الكتاب علم المعاملة فقط دون علم المكاشفة التي لا رخصة في إيداعها الكتب وإن كانت هي غاية مقصد الطالبين ، ومطمع نظر الصديقين ، وعلم المعاملة طريق إليه ولكن لم يتكلم الأنبياء صلوات الله عليهم مع الخلق إلا في علم الطريق والإرشاد إليه .

وأما علم المكاشفة فلم يتكلموا فيه إلا بالرمز والإيماء على سبيل التمثيل والإجمال علما منهم بقصور أفهام الخلق عن الاحتمال والعلماء ورثة الأنبياء فما لهم سبيل إلى العدول عن نهج التأسي والاقتداء ثم إن علم المعاملة ينقسم إلى علم ظاهر ، أعني العلم بأعمال الجوارح ، وإلى علم باطن ، أعني العلم بأعمال القلوب ، والجاري على الجوارح ، إما عادة وإما عبادة ، والوارد على القلوب التي هي بحكم الاحتجاب عن الحواس من عالم الملكوت إما محمود وإما مذموم ، فبالواجب انقسم هذا العلم إلى شطرين : ظاهر وباطن ، والشطر الظاهر المتعلق بالجوارح انقسم إلى عادة وعبادة ، والشطر الباطن المتعلق بأحوال القلب وأخلاق النفس انقسم إلى مذموم ومحمود ، فكان المجموع أربعة أقسام ولا يشذ نظر في علم المعاملة عن هذه الأقسام .

الباعث الثاني .

أني رأيت الرغبة من طلبة العلم صادقة في الفقه الذي صلح عند من لا يخاف الله سبحانه وتعالى المتدرع به إلى المباهاة والاستظهار بجاهه ومنزلته في المنافسات وهو مرتب على أربعة أرباع ، والمتزيي بزي المحبوب محبوب فلم أبعد أن يكون تصوير الكتاب بصورة الفقه تلطفا في استدراج القلوب ولهذا تلطف بعض من رام استمالة قلوب الرؤساء إلى الطب فوضعه على هيئة تقويم النجوم موضوعا في الجداول والرقوم وسماه تقويم الصحة ليكون أنسهم بذلك الجنس جاذبا لهم إلى المطالعة والتلطف في اجتذاب القلوب إلى العلم الذي يفيد حياة الأبد أهم من التلطف في اجتذابها إلى الطب الذي لا يفيد إلا صحة الجسد فثمرة هذا العلم طب القلوب والأرواح المتوصل به إلى حياة تدوم أبد الآباد فأين منه الطب الذي يعالج به الأجساد وهي معرضة بالضرورة للفساد في أقرب الآماد فنسأل الله سبحانه التوفيق للرشاد والسداد ؛ إنه كريم جواد .

التالي السابق


(وإنما حملني على تأسيس) هذا (الكتاب) ووضعه (على أربعة أرباع أمران) أكيدان (أحدهما وهو الباعث الأصلي أن هذا الترتيب في التحقيق والتفهيم كالضروري) الذي لا يحتاج إلى إقامة برهان (لأن العلم الذي به يتوجه إلى الآخرة ينقسم إلى علم المعاملة وإلى علم المكاشفة، وأعني بالمكاشفة ما يطلب منه كشف المعلوم فقط) وهو المعبر عنه بعلم الباطن، وسيأتي تفصيله (وأعني بعلم المعاملة ما يطلب منه مع الكشف العمل به) أي: من المأمورات والمنهيات .

(والمقصود من هذا الكتاب علم المعاملة فقط دون علم المكاشفة التي لا رخصة) أي: لا جواز (في إيداعها) أي: وضعها في (الكتب) لفقد الرواية تصريحا، وإنما تروى أحيانا تلويحا (وإن كانت هي غاية مقصد الطالبين، ومطمح نظر الصديقين، وعلم المعاملة طريق إليه) أي: ودليل عليه (ولكن لم يتكلم الأنبياء -عليهم السلام- مع الخلق إلا في علم الطريق والإرشاد إليه، وأما علم المكاشفة فلم يتكلموا فيه إلا بالرمز والإيماء على سبيل التمثيل والإجمال) لأنه من الأمور الوجدانية؛ فإن العاقل يكفيه الإشارة، والغافل لا يفيده صريح العبارة (علما منهم بقصور أفهام الخلق عن الاحتمال) أي: عن احتمال ما يلقى إليهم لصعوبتها (والعلماء ورثة الأنبياء) وهو حديث أبي الدرداء، وسيأتي الكلام عليه (فما لهم) أي للعلماء (سبيل إلى العدول) والتجاوز (عن نهج) أي: طريق (التأسي) اتخاذه أسوة (والاقتداء) عطف تفسير (في كتمانه) إلا بالتلويح .

(ثم إن علم المعاملة ينقسم إلى علم ظاهر، أعني العلم بأعمال الجوارح، وإلى علم باطن، أعني العلم بأعمال القلوب، والجاري على الجوارح، إما عبادة أو عادة، والوارد على القلوب التي هي بحكم الاحتجاب عن الحواس) الظاهرية (من عالم الملكوت) هو عالم الغيب المختص بأرواح النفوس (إما محمود وإما مذموم، فبالواجب انقسم هذا العلم إلى شطرين: ظاهر وباطن، والشطر الظاهر المتعلق بالجوارح انقسم إلى عبادة وعادة، والشطر الباطن المتعلق بأحوال القلب وأخلاق النفوس انقسم إلى مذموم ومحمود، فكان الجميع أربعة أقسام ولا يشذ) أي: لا يخرج (نظر في علم المعاملة عن هذه الأقسام) فالحصر استقرائي .

(الباعث الثاني) في تأسيس هذا الكتاب على الترتيب المذكور (أني رأيت الرغبة من طلبة العلم صادقة في الفقه الذي صلح عند من لا يخاف الله عز وجل للتدرع به) أي: التلبس (إلى المباهاة) أي: المفاخرة (والاستظهار) أي: الاستقرار (بجاهه ومنزلته في المنافسات) وهي مجاهدة النفس للتشبه بالأفاضل، واللحوق بهم من غير إدخال ضرر على غيره .

(وهو مرتب على أربعة أرباع، والمتزيي بزي المحبوب محبوب) أي: المتشبه، والزي بالكسر البزة الحسنة، والآلات المجتمعة .

(فلم أبعد) في المرمى (أن يكون تصوير) هذا (الكتاب) [ ص: 64 ] أي: تنزيله بهذه الصورة الموجودة (بصورة) تنزيل كتب (الفقه تلطفا) أي: أخذا باللطافة (في استدراج القلوب) أي: خديعتها، والدخول إليها درجة درجة (ولهذا تلطف بعض من رام) أي: طلب من الحكماء (استمالة قلوب الرؤساء) أي: الأمراء (إلى) علم (الطب) لما رأى عدم اشتغالهم به، ونزوع أنفسهم إلى علم النجوم (فوضعه على هيئة تقويم النجوم) التي يألفونها (موضوعا في الجداول) جمع جدول، وهي الخطوط المتعارضة بعضها على بعض (والرقوم) جمع رقم، والمراد به الحساب الهندي .

(وسماه تقويم الصحة) وكأنه عنى به كتاب المختار لأبي الحسن بن عبدون المتطبب، فإنه سماه كذلك، وعلى نهجه بنى ابن جزلة وابن البيطار كتابيهما (ليكون أنسهم بذلك الجنس) وميلهم له (جاذبا) مشوقا (لهم إلى المطالعة) فيه (والتلطف في اجتذاب القلوب) وصرفها (إلى العلم الذي يفيد) ويكسب (حياة الأبد) في الدنيا والآخرة (أهم) وأعنى (من التلطف في اجتذابها إلى) علم (الطب الذي لا يفيد إلا صحة الجسد) فقط، ولا ينظر إلى ما دون ذلك .

(فثمرة هذا العلم) الذي هو علم الآخرة (طب القلوب) لمعرفة عجائبها، وما يطرأ عليها (والأرواح) بتزكيتها وتنميتها (المتوصل به إلى) حد (حياة) حقيقة (تدوم) وتستمر (أبد الآباد فأين منه) علم (الطب الذي يعالج به الأجساد) الظاهرية بمعرفة الأمزجة وتراكيب الأدوية، (وهي) أي: الأجساد (معرضة بالضرورة للفساد) أي: يعرضها الفساد والهرم بالموت .

ثم إن شرف الطب بحسب موضوعه، وشرف العلم بالله بحسبه وبحسب ثمرته، والجامع بين الشرفين يهتم لتحصيله أكثر مما فيه شرف واحد (في أقرب الآماد) جمع أمد الغاية، قال الراغب: الأمد والأبد متقاربان لكن الأبد عبارة عن مدة الزمان التي لا حد لها ولا تتقيد، والأمد مدة لها حد مجهول إذا أطلق، وقد ينحصر فيقال: أمد كذا، كما يقال: زمن كذا .

(ونسأل الله سبحانه التوفيق للرشاد والسداد؛ إنه هو الكريم الجواد) وبه تم شرح خطبة الكتاب، والحمد لمولانا الوهاب .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث