الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( فصل في القرض ) يطلق اسما بمعنى المقرض ومصدرا بمعنى الإقراض ولشبهه بالسلم في الضابط [ ص: 36 ] الآتي جعله ملحقا به فترجم له بفصل بل هو نوع منه إذ كل منهما يسمى سلفا ( الإقراض ) الذي هو تمليك الشيء برد بدله ( مندوب ) إليه ولشهرة هذا أو تضمينه لمستحب حذفه فهو من السنن الأكيدة للآيات الكثيرة والأحاديث الشهيرة كخبر مسلم { من نفس عن أخيه كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه } وصح خبر { من أقرض الله مرتين كان له مثل أجر إحداهما لو تصدق به } وفي خبر في سنده من ضعفه الأكثرون { أنه صلى الله عليه وسلم رأى ليلة أسري به مكتوبا على باب الجنة أن درهم الصدقة بعشرة والقرض بثمانية عشر } وأن جبريل علل له ذلك بأن القرض إنما يقع في يد محتاج بخلاف الصدقة .

وروى البيهقي خبر { قرض الشيء خير من صدقته } وبينت ما في هذه الأحاديث في شرح الإرشاد وجزم بعضهم أخذا من الخبرين الأخيرين بأنه أفضل من الصدقة غير صحيح ؛ لأن الأول المصرح بأفضليتهم ا صحيح دونهما فوجب تقديمه عند التعارض على أنه يمكن حملهما على أنه من حيث الابتداء لما فيه من صون وجه من لا يعتاد السؤال عنه أفضل وحمل الأول على أنها من حيث الانتهاء لما فيها من عدم رد المقابل أفضل ومحل ندبه إن لم يكن المقترض مضطرا وإلا وجب وإن لم يعلم أو يظن من آخذه أنه ينفقه في معصية وإلا حرم عليهما أو في مكروه وإلا كره ويحرم الاقتراض والاستدانة [ ص: 37 ] على غير مضطر لم يرج الوفاء من جهة ظاهرة فورا في الحال وعند الحلول في المؤجل ما لم يعلم المقرض بحاله وعلى من أخفى غناه وأظهر فاقته عند القرض كما يأتي نظيره في صدقة التطوع ومن ثم لو علم المقترض أنه إنما يقرضه لنحو صلاحه وهو باطنا بخلاف ذلك حرم الاقتراض أيضا كما هو ظاهر .

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( فصل ) [ ص: 36 ] قوله ولشهرة هذا ) أي أو صيرورته في الاصطلاح اسما للمطلوب طلبا غير جازم ( قوله من السنن ) صفة مندوب .

( قوله ويحرم الاقتراض والاستدانة [ ص: 37 ] على غير مضطر إلخ ) أي بخلاف المضطر يجوز اقتراضه وإن لم يرج الوفاء بل يجب أي وإن كان المقرض وليا كما يجب عليه بيع مال محجوره ومن المضطر المعسر بالنسيئة ( قوله من أخفى غناه ) ينبغي ما لم يعلم المقرض ( قوله حرم الاقتراض أيضا كما هو ظاهر ) هل نقول هنا حيث كان بحيث لو علم باطنا لم يقرض أنه لا يملك القرض كما سيأتي نظيره في صدقة التطوع أو يملكه هنا مطلقا ويفرق بأن القرض معاوضة وهي لا تندفع بالغبن فيه نظر والثاني قريب .



حاشية الشرواني

( فصل في القرض ) . ( قوله في القرض ) إلى قوله وبينت في النهاية ( قوله في القرض ) إنما عبر به دون الإقراض ؛ لأن المذكور في الفصل لا يختص بالإقراض بل أغلب أحكامه الآتية في الشيء المقرض فلو عبر بالإقراض لكانت الترجمة قاصرة وهذا أولى مما في حاشية الشيخ ا هـ رشيدي يعني من قول ع ش ولعله آثره على ما في المتن لاشتهار التعبير به وليفيد أن له استعمالين ا هـ .

( قوله بمعنى الإقراض ) أي مجازا والذي يفيده كلام المختار أنه إذا استعمل مصدرا كان بمعنى القطع وهو غير معنى الإقراض فإنه تمليك الشيء على أن يرد بدله لكنه سمي به وبالقرض لكون المقرض اقتطع من ماله قطعة للمقترض ا هـ ع ش ( قوله [ ص: 36 ] الآتي ) أي بقول المتن ويجوز إقراض كل ما يسلم فيه ا هـ كردي .

( قوله إذ كل منهما ) قد يقال هذا من الاشتراك اللفظي ا هـ سيد عمر زاد ع ش اللهم إلا أن يقال إن المراد بجعله نوعا منه أنه ينزل منزلة النوع لا أنه نوع حقيقة وإنما نزل منزلة النوع لأن كلا منهما ثابت في الذمة ا هـ .

( قوله الذي هو إلخ ) أي شرعا ا هـ ع ش .

( قوله برد بدله ) أي على أن يرد بدله ا هـ مغني قول المتن ( مندوب ) ظاهر إطلاقه أنه لا فرق في ذلك بين كون المقترض مسلما أو غيره وهو كذلك فإن فعل المعروف مع الناس لا يختص بالمسلمين ويجب علينا الذب على أهل الذمة منهم والصدقة عليهم جائزة وإطعام المضطر منهم واجب والتعبير بالأخ في الحديث ليس للتقييد بل لمجرد الاستعطاف والشفقة ا هـ ع ش .

( قوله ولشهرة هذا ) أي تعدي مندوب بإلى ا هـ كردي عبارة ع ش أي قوله إليه ا هـ .

( قوله ولشهرة هذا ) أي أو صيرورته في الاصطلاح اسما للمطلوب طلبا غير جازم ا هـ سم ( قوله أو تضمينه ) عطف على الشهرة ( قوله حذفه ) أي إليه فعلى الأول من الحذف والإيصال دون الثاني ( قوله فهو من السنن إلخ ) الأولى وهو بالواو كما في النهاية ( قوله للآيات الكثيرة ) أي المفيدة للثناء على القرض كآية { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } ا هـ ع ش .

( قوله من ضعفه إلخ ) وهو خالد بن زيد الشامي ا هـ مغني ( قوله بثمانية عشر ) ووجه ذكر الثمانية عشر أن درهم القرض فيه تنفيس كربه وإنظار إلى قضاء حاجته ورده ففيه عبادتان فكان بمنزلة درهمين وهما بعشرين حسنة فالتضعيف ثمانية عشر وهو أي لتضعيف الباقي فقط ؛ لأن المقرض يسترد ومن ثم لو أبرأ منه كان له عشرون ثواب الأصل والمضاعفة ا هـ نهاية ( قوله علل له ذلك ) أي بعد سؤاله صلى الله عليه وسلم عن سبب التفاضل بينهما ا هـ ع ش عبارة المغني في تمام الحديث فقلت يا جبريل ما بال القرض أفضل من الصدقة قال ؛ لأن السائل قد يسأل وعنده والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة ا هـ .

( قوله في يد محتاج ) أي في الغالب ا هـ ع ش ( قوله لأن الأول المصرح ) في دعوى الصراحة نظر ا هـ سيد عمر وهذا مبني على حمل الأول على الحقيقي وأما إذا حمل على الإضافي أعني خبر من أقرض لله إلخ كما هو صريح المغني ويدل عليه قول الشارح صحيح فالصراحة واضحة ثم رأيت في الرشيدي ما نصه مراده بالأول الأول من الأخبار الخاصة بالقرض وهو خبر من أقرض لله إلخ وأما خبر مسلم السابق فليس خاصا بالقرض ا هـ .

( قوله لما فيه من صون ) عبارة النهاية لامتيازه عنها بصونه ماء وجه من لم يعتد السؤال عن بذله لكل أحد ا هـ .

( قوله عنه ) أي عن السؤال ( قوله أفضل ) خبر أن وكذا إعراب نظيره الآتي .

( قوله ومحل ندبه إلخ ) إلى المتن في النهاية إلا قوله فورا إلى ما لم يعلم وكذا في المغني إلا قوله ومن ثم إلى وأركانه ( قوله ومحل ندبه إلخ ) ويظهر أن محله أيضا حيث يعلم أو يظن أنه إنما يوفيه من حرام أو من شبهة ومال المقرض خلي عنها أو الشبهة فيه أخف منها في مال المقترض وإلا فواضح أنه لا يندب حينئذ وإنما يبقى النظر في حكمه حينئذ فيحتمل أن يقال بالحرمة إذا علم أنه إنما يوفيه بالحرام وأن نفسه لا تسامح بالترك قياسا على مسألة الإنفاق في معصية وبالكراهة في مسألة الشبهة وأنها تختلف في الشدة باختلاف الشبهة ا هـ سيد عمر ( قوله وإلا وجب ) أي على المقرض ( قوله وإن لم يعلم إلخ ) الأسبك إسقاط إن ( قوله عليهما ) أي المقرض والمقترض ( قوله أو في مكروه ) ولم يذكر المباح ويمكن تصويره بما إذا دفع إلى غني بسؤال من الدافع مع احتياج الغني إليه فيكون مباحا لا مستحبا ؛ لأنه لم يشتمل على تنفيس كربة وقد يكون في ذلك غرض للدافع كحفظ ماله بإحرازه في ذمة المقترض ا هـ ع ش عبارة السيد عمر هل يشترط في ندبه احتياج المقترض في الجملة كما تشعر به الأحاديث حتى لو اقترض تاجر لا لحاجة بل لأن يزيده في تجارته طمعا في الربح الحاصل منه لم يكن مندوبا بل مباحا أو لا يعتبر ما ذكر محل تأمل لكن قضية إطلاقهم استحباب الصدقة على الغني أنه لا فرق ا هـ وهو الأقرب والله أعلم .

( قوله وإلا كره ) [ ص: 37 ] أي لهما أيضا ا هـ ع ش ( قوله على غير مضطر إلخ ) أي بخلاف المضطر يجوز اقتراضه وإن لم يرج الوفاء بل يجب وإن كان المقرض وليا كما يجب عليه بيع مال محجوره من المضطر نسيئة سم على حج وقوله وإن كان المقرض وليا أي حيث لم يوجد من يقرض المضطر إلا هو ا هـ ع ش ( قوله من جهة ظاهرة ) أي قريبة الحصول كما يؤخذ مما يأتي في صدقة التطوع ا هـ ع ش ( قوله ما لم يعلم المقرض بحاله ) أي فإن علم فلا حرمة وهل يكون مباحا أو مكروها فيه نظر ولا يبعد الكراهة إن لم يكن ثم حاجة ا هـ ع ش وأما مع الحاجة فلا يبعد الندب ( قوله وعلى من أخفى غناه إلخ ) ينبغي ما لم يعلم المقرض سم ا هـ ع ش أي فإن علم فيه ما مر آنفا ( قوله وأظهر فاقته إلخ ) ولو أخفى الفاقة وأظهر الغنى حالة القرض حرم أيضا لما فيه من التدليس والتغرير عكس الصدقة نهاية ومغني قال ع ش قوله م ر حرم أيضا ويملكه انتهى سم ا هـ أقول ويمكن إدراجه في قول الشارح ومن ثم لو علم إلخ ( قوله كما هو ظاهر ) هل نقول هنا حيث كان بحيث لو علم باطنا لم يقرض أنه لا يملك القرض كما سيأتي نظيره في صدقة التطوع أو يملكه هنا مطلقا ويفرق بأن القرض معاوضة وهي لا تندفع بالغنى فيه نظر والثاني أقرب سم على حج ويوجه بأنه يشبه شراء المعسر ممن لا يعلم إعساره وبيع المعيب مع العلم بعيبه لمن يجهله والشراء بالثمن المعيب كذلك إلى غير ذلك من الصور ا هـ ع ش .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث