الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل فيما يطرأ على المغصوب من زيادة

جزء التالي صفحة
السابق

( ولو ) ( وطئ المغصوبة ) الغاصب ( عالما بالتحريم ) ولم يكن أصلا لمالكها ( حد ) وإن جهلت لأنه زان ( وإن جهل ) تحريم الزنا مطلقا أو نشأ بعيدا عن العلماء ( فلا حد ) للشبهة ( وفي الحالين ) أي حالي علمه وجهله ( يجب المهر ) لأنه استوفى المنفعة وهي غير زانية ، لكن في حالة الجهل يجب مهر واحد وإن تكرر الوطء وفي حالة العلم يتعدد ، وإن وطئها مرة عالما وأخرى جاهلا فمهران كما سيأتي في الصداق ( إلا أن تطاوعه ) عالمة بالتحريم [ ص: 191 ] كما يفهم من قوله الآتي إن علمت ( لا يجب ) مهر ( على الصحيح ) لأنها زانية وقد نهى عن مهر البغي .

والثاني يجب لأنه لسيدها فلم يسقط بمطاوعتها كما لو أذنت في قطع يدها . وأجاب الأول بأن المهر وإن كان للسيد فقد عهدنا تأثره بفعلها كما لو ارتدت قبل الدخول ( وعليها الحد إن علمت ) بالتحريم كزناها ، وكالزانية مرتدة ماتت على ردتها ، وتقدم أنه يجب لها هنا أرش البكارة ومهر ثيب ( ووطء المشتري من الغاصب كوطئه ) أي الغاصب ( في الحد والمهر ) وأرش البكارة أيضا إن كانت بكرا لاشتراكهما في وضع اليد على ملك الغير بغير حق .

نعم تقبل دعواه هنا الجهل مطلقا ما لم يقل : علمت الغصب فيشترط عذر من نحو قرب إسلام مع عدم مخالطتنا أو خالط وأمكن اشتباه ذلك عليه ( فإن غرمه ) أي المالك المشتري المهر ( لم يرجع به ) المشتري ( على الغاصب في الأظهر ) لأنه الذي انتفع وباشر الإتلاف ، وكذا أرش البكارة لأنه بدل جزء منها أتلفه .

والثاني يرجع إن جهل الغصب لأنه لم يدخل في العقد على ضمانه فيرجع به على البائع لأنه غره بالبيع ( وإن ) ( أحبل ) الغاصب أو المشتري منه المغصوبة ( عالما بالتحريم ) ( فالولد رقيق غير نسيب ) لما مر أنه زنا ، فلو انفصل حيا فمضمون على الغاصب ، أو ميتا بجناية فبدله للسيد ، أو بغيرها ففي وجوب ضمانه على المحيل وجهان ، أوجههما كما قاله أبو إسحاق وغيره عدمه ; لأن حياته غير متيقنة ويجري الوجهان في حمل بهيمة مغصوبة انفصل ميتا ، واقتصار الشارح على حكاية الضمان لثبوت [ ص: 192 ] اليد عليه تبعا لأمه تبع فيه الرافعي هنا ، وقال : إنه ظاهر النص ، لكن صحح بعد ذلك بأوراق عدم الضمان ، وقواه في الشرح الصغير ( وإن جهل ) التحريم ( فحر ) من أصله لا أنه انعقد رقيقا ثم عتق كما قال في المطلب المشهور ( نسيب ) للشبهة ( وعليه ) إذا انفصل حيا حياة مستقرة ( قيمته ) بتقدير رقه لتفويته رقه بظنه ، فإن انفصل ميتا بجناية فعلى الجاني ضمانه وهي عشر قيمة أمه ، كما يضمن الجنين الحر بغرة عبد أو أمة كما يعلم ذلك مما يأتي في الجراح فتضمين المالك للغاصب وللمشتري منه بذلك ، وسيأتي ثم إن بدل الجنين المجني عليه تحمله العاقلة ; لأنا نقدره قنا في حقه ، والغرة مؤجلة فلا يغرم الواطئ حتى يأخذها ، قال المتولي ، وتوقف الإمام فيه أو بغير جناية فلا ضمان لانتفاء تيقن حياته ، ويخالف ما لو انفصل رقيقا ميتا على القول بضمانه ; لأن الحمل لا يدخل تحت اليد فجعل تبعا للأم ، ولو انفصل حيا حياة غير مستقرة ثم مات وجب ضمانه فيما يظهر من تردد للأذرعي ، ورجحه بعضهم أيضا كما أفهمه تعليلهم الميت بأنا لم نتيقن حياته ، واقتصاره على المشتري يفهم أن المتهب من الغاصب لا يرجع بها وهو أصح الوجهين خلافا لبعض المتأخرين ، وعلم مما مر لزوم المهر وقيمة الولد للغاصب والمشتري منه ، وإن أذن المالك في الوطء وهو الأصح والعبرة بقيمته ( يوم الانفصال ) لتعذر التقويم قبله ويلزمه أرش نقص الولادة ( ويرجع بها ) أي بالقيمة ( المشتري على الغاصب ) لأنه غره بالبيع ، وغرمها ليس من قضية الشراء ، بل قضيته أن يسلم له الولد حرا من غير غرامة ، وما وقع في الروضة بخط المصنف من قوله ولا يرجع نسب لسبق القلم ( ولو تلف المغصوب عند المشتري ) من الغاصب ( وغرمه ) لمالكه ( لم يرجع ) بما غرمه على الغاصب عالما أو جاهلا وإنما يرجع عليه بالثمن ( وكذا ) لا يرجع بالأرش الذي غرمه ( لو تعيب عنده ) بآفة ( في الأظهر ) تسوية بين الجملة والإجزاء .

والثاني يرجع للتغرير بالبيع ، أما إذا كان بفعله فلا يرجع قطعا ( ولا يرجع ) عليه ( بغرم [ ص: 193 ] منفعة استوفاها ) كلبس وركوب وسكنى في الأظهر لما مر ( في المهر ) ومقابل الراجح يقول غره بالبيع ( ويرجع ) عليه ( بغرم ما تلف عنده ) من المنافع ونحوها كثمر ونتاج وكسب من غير استيفاء إذا غرمه المالك مقابلها ، وشمول العبارة للعين غير مراد لتقدم حكمه ، وكلامه هذا إنما هو في المنفعة والفوائد من قبيل المنفعة ( وبأرش نقص ) بالمهملة ( بنائه وغراسه إذا نقض ) بالمعجمة من جهة ملك الأرض ( في الأصح ) فيهما أما الأولى فلأنه لم يتلفها ولم يلتزم ضمانها بالعقد ، وأما الثانية فلأنه غره بالبيع والثاني في الأولى ينزل التلف عنده منزلة إتلافه وفي الثانية يقول كأن بالبناء والغراس يتلف ماله ( وكلما ) أي شيء ( لو غرمه المشتري رجع به ) على الغاصب كأجرة المنافع الفائتة تحت يده وقيمة الولد ( لو غرمه الغاصب ) ابتداء ( لم يرجع به على المشتري ) لأن القرار على الغاصب فقط ( وما لا ) أي وكلما لو غرمه المشتري لم يرجع به على الغاصب كقيمة العين والأجراء ومنافع استوفاها ( فيرجع ) به الغاصب إذا غرمه ابتداء على المشتري لأن القرار عليه فقط لتلفه تحت يده .

نعم إن سبق من الغاصب اعتراف بالملك لم يرجع قطعا لأنه مقر بأن المغصوب منه ظالم له والمظلوم لا يرجع إلا على ظالمه ، ولو غرم قيمة العين وقت الغصب لكونها أكثر لم يرجع بالزائد على الأكثر من قيمته وقت قبض المشتري إلى التلف لأنه لم يدخل في ضمان المشتري ، ولا تستثنى هذه لأن المشتري لا يغرم الزائد فلا يصدق به الضابط المذكور ( قلت ) كما قال الرافعي في الشرح ( وكل من انبنت ) بنونين ثانية ورابعة كما بخطه ( يده على يد الغاصب فكالمشتري ) فيما مر من الرجوع وعدمه ( والله أعلم ) قال الإسنوي : وقد سبق أول الباب بيان ذلك فقال : والأيدي المترتبة على يد الغاصب أيدي ضمان إلى آخره ، فتأمل ما قاله هناك وقيد به ما أطلقه هنا .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : ولم يكن أصلا ) أما إذا كان أصلا له فلا لما في مال ولده من شبهة الإعفاف ( قوله : وإن جهل تحريم الزنا مطلقا ) انظر معنى الإطلاق ولعله قرب عهده بالإسلام أم لا ، ولكن يقيد الحد فيمن قرب عهده بمن كان غير مخالط لنا مخالطة تمنع من خفاء التحريم عليه أخذا مما يأتي ، وعبارة حج تحريم الزنا مطلقا أو بالمغصوبة ، وقد عذر بقرب إسلامه ولم يكن مخالطا لنا أو مخالطنا ، وأمكن اشتباه ذلك عليه أو نشئه بعيدا عن إلخ ا هـ .

ومعنى الإطلاق عليها ظاهر ، فإن معنى سواء غير المغصوبة والمغصوبة ( قوله : يجب المهر إلا أن تطاوعه ) ويظهر في مميزة عالمة بالتحريم أنها ككبيرة في سقوط المهر ; لأن ما وجد منها صورة زنا فأعطيت حكمه ، ألا ترى أنه لو اشتراها ثم رأى فيها ذلك ردها ا هـ سم على حج .

أقول : وقد يفرق بين الرد وما ذكر بأن العيب في المبيع ما نقص القيمة والزنا منها على الوجه المذكور ينقص قيمتها ويقلل [ ص: 191 ] الرغبة فيها ومدار المهر على الزنا ، ولم يوجد منها زنا حقيقة ( قوله : فلا يجب مهر ) خرج أرش البكارة فيجب مع المطاوعة كما قال في شرح الروض : ولا يسقط يتوقف مطاوعتها ا هـ سم على حج ( قوله : وقد نهى عن مهر البغي ) أي الزانية ( قوله : كزناها ) أي في عدم وجوب المهر ا هـ سم على حج ( قوله : وأرش البكارة ) هذا يفيد أن المشتري من الغاصب يجب بوطئه البكر مهر ثيب وأرش بكارة ، وعليه فيخص قولهم المقبوضة بالشراء الفاسد يجب بوطئها مهر بكر وأرش بكارة بالمشتري من غير الغاصب ، وأما المشترى منه فالواجب بوطئها مهر ثيب وأرش بكارة ، وقد يلتزم ذلك ، ويفرق بينهما لأنهم ثم إنما أوجبوا مهر البكر مع الأرش لاستناد الوطء إلى عقد مختلف فيه ، بخلاف الشراء من الغاصب ، فإنه لم يختلف في فساده فنزل منزلة الغاصب وحكمه ما تقدم ، وفرقوا بينه وبين المقبوض بالشراء الفاسد ، ومن أراد تحقيق الفرق فلينظر ما مر ( قوله : مطلقا ) قرب عهده بالإسلام أم لا نشأ بعيدا أم لا ( قوله : وأمكن اشتباه ذلك عليه ) يؤخذ من هذا جواب حادثة وقع السؤال عنها وهي أن شخصا وطئ جارية زوجته وأحبلها مدعيا حلها له وأن ملك زوجته ملك له وهو عدم قبول ذلك منه وحده وكون الولد رقيقا لعدم خفاء ذلك على مخالطنا .

[ فرع ] أذن المالك للغاصب أو للمشتري منه بالوطء هل يسقط المهر ؟ فيه قولان ، أو تسقط قيمة الولد ؟ فيه طريقان ، رجح ابن القطان عدم سقوط المهر وهو قياس نظيره في الرهن ، وقياسه ترجيح عدم سقوط قيمة الولد ا هـ سم على حج .

ثم رأيت قول الشارح وعلم مما مر إلخ ( قوله : فلو انفصل حيا ) أي ومات روض ا هـ سم على حج : أي فإن بقي حيا وأحبلها الغاصب بزنا كما هو الفرض فهو رقيق للسيد ( قوله : كما قاله أبو إسحاق إلخ ) معتمد ( قوله : انفصل ميتا ) قضيته أن ولد البهيمة يفرد بالضمان عن أمه ، وليس مرادا فإن حمل البهيمة إنما يضمن بما نقص من قيمة أمه وحينئذ يتأمل الوجه القائل بعدم الضمان ما المراد به ( قوله : واقتصار الشارح على حكاية الضمان ) أي [ ص: 192 ] فيما لو انفصل الولد الرقيق ميتا بلا جناية ( قوله : لا أنه انعقد رقيقا إلخ ) أي وتظهر فائدة ذلك في الكفاءة في النكاح ( قوله : وهي عشر قيمة أمه ) أي سواء كان حرا أو رقيقا لأنا نقدر الحر رقيقا في حق الغاصب والمشتري لأن ضمانهما لتفويت الرق على السيد ( قوله : فلا يغرم الواطئ ) أي للمالك حتى يأخذها أي من الجاني ( قوله : قاله المتولي ) معتمد ( قوله : على القول بضمانه ) أي وهو مرجوح ( قوله : ولو انفصل ) محترز قوله : حياة مستقرة ( قوله : وجب ضمانه ) انظر بماذا يضمن ، وزاد حج بعد قوله : ضمانه كالحي ا هـ ، وعليه فلو لم تكن له قيمة هل تعتبر قيمته بتقدير أن له حياة مستقرة ، أو يضمنه بعشر قيمة أمه كما لو نزل ميتا بالجناية ؟ فيه نظر ، ولا يبعد أن المراد الأول لأنه الذي يظهر فيه التردد بين كونه مضمونا أو لا ( قوله : لا يرجع بها ) أي القيمة على الغاصب

( قوله : وهو أصح الوجهين ) ولعل وجهه أن المتهب لما لم يغرم بدل الأم للغاصب ضعف جانبه فالتحق لخسته ، والمشتري ببذله الثمن قوى جانبه ، وتأكد تغريره من البائع بأخذه الثمن قياس التغليظ على البائع بالرجوع عليه بالقيمة ( قوله : أي بالقيمة ) أي قيمة الولد ومثله قيمة أرش الولادة ا هـ حج وقضية كلام الشارح عدم الرجوع بأرش الولادة ، ويوجه بأنه في مقابلة ما فات من الجارية فهو شبيه بما لو تغيبت في يده ، وأرش العيب إذا غرمه الغاصب لا يرجع به ( قوله : لو تعيب عنده بآفة ) خرج به ما غرمه بنقصانها بالولادة وقد تقدم عن حج ( قوله : أما إذا كان إلخ ) محترز [ ص: 193 ] قوله بآفة إلخ ( قوله : لما مر ) أي من أنه الذي انتفع به وباشر الإتلاف ( قوله : ويرجع عليه إلخ ) أي يرجع المشتري على الغاصب ويخرج بالمشتري المتهب ، فقضيته أنه لا يرجع ببدل ما غرمه في المنافع الفائتة بلا استيفاء منه وهو قياس ما تقدم من عدم الرجوع بقيمة الولد .

[ فرع ] ادعى على آخر تحت يده دابة أن له فيها النصف مثلا وأنه غصبها فأجاب بأنها إنما كانت عندي بجهة المهايأة وأقام بينة بها لم يضمنها كما استنبطه البلقيني من كلام المروزي في الشركة ، وقول بعضهم : إنها في زمن نوبته كالمعارة عنده فليضمنها يرد بأن جعل الأكساب كلها له زمن نوبته صريح في أنه كالمالك لها لا كالمستعير ا هـ حج وكتب سم على قوله وأقام بينة إلخ سكت عن بيان حكم مفهومه ، ويحتمل أنه تصديق المدعي كما لو ادعى أحد على آخر الغصب وادعى آخر الوديعة مثلا ا هـ : أي فالمصدق مدعي الغصب ( قوله : وشمول العبارة ) هي قول المصنف ويرجع بغرم ما تلف ( قوله : أما الأولى ) هي قوله ويرجع بغرم ما تلف عنده .

والثانية هي قوله بأرش نقص بنائه ( قوله : لم يرجع ) أي على المشتري ( قوله : ولو غرم ) أي الغاصب ( قوله : لم يرجع بالزائد ) أي على المشتري ( قوله : وقيد به ما أطلقه هنا ) أي بأن يقال وكل من انبنت يده هي ضامنة كالمستعير والمستام ، أما لو كانت يده أمينة كالوديع فهو كالغاصب في كونه طريقا في الضمان ، وأما قرار الضمان فعلى الغاصب ما لم يكن من انبنت يده على يد الغاصب متهبا فقرار الضمان عليه كالمشتري .



حاشية المغربي

[ ص: 190 ] قوله : تحريم الزنا مطلقا أو نشأ بعيدا عن العلماء ) هكذا في نسخ الشارح ولعل فيه سقطا من النساخ ، وعبارة التحفة تحريم الزنا مطلقا أو بالمغصوبة وقد عذر بقرب إسلامه ولم يكن مخالطا لنا ، أو مخالطا ، وأمكن اشتباه ذلك عليه أو نشئه بعيدا عن العلماء [ ص: 191 ] قوله : فمضمون على الغاصب ) أي : والمشتري منه كما صرح به في التحفة [ ص: 192 ] قوله : ويخالف ما لو انفصل رقيقا ميتا إلخ ) عبارة التحفة : وفارق ما مر في الرقيق بأنه يدخل تحت اليد فجعل تبعا للأم في الضمان ، وهذا حر فلا يدخل تحت اليد انتهت .

واعلم أن في بعض نسخ الشارح هنا كلاما غير منتظم وفي بعضها ما يوافق ما في التحفة فليتنبه له . [ ص: 193 ] قوله : المتن فكالمشتري ) أي : إلا فيما مر في قول الشارح واقتصاره على المشتري .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث