الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ولو غصب ورقا وكتب عليه قرآنا أو غيره كان كالهالك كما قاله ابن الصباغ ، واعتمده الوالد رحمه الله لأنه لا يمكن رده بحاله خلافا لمن ذهب إلى أنه كالصبغ فيما مر ، والطريق الثاني قولان : أحدهما ما مر والثاني يشتركان في المخلوط وللمغصوب منه قدر حقه من المخلوط ( وللغاصب أن يعطيه ) أي المالك وإن أبى ( من غير المخلوط ) لانتقال الحق إلى ذمته ، ولما مر من أن المختلط صار كالهالك ومن المخلوط إن خلطه له أو أجود مطلقا أو بأردأ إن رضي ، والقول بأن الغاصب ليس أولى من المالك بملك الكل بل الهالك أولى به لانتفاء تعديه ممنوع ، إذ المغصوب لما تعذر رد عينه لمالكه بسبب يقتضي شغل ذمة الغاصب به لتعديه مع تمكين المالك من أخذ بدله حالا جعل كالهالك للضرورة ، وذلك غير موجود في المالك لعدم تعد يقتضي ضمان ما للغاصب ، فلو ملك الكل لم يلزمه رد شيء وبفرض لزومه لا يلزمه الفور ففيه حيف ظاهر ، وقد يوجد الملك مع انتفاء الرضا للضرورة كأخذ مضطر طعام غيره قهرا عليه لنفسه أو لدابته ، وليس إباق الرقيق كالخلط حتى يملكه الغاصب لرجاء عوده فلزمه قيمته للحيلولة ولا ضرورة لكونها للفيصولة ، وإنما لم يرجحوا قول الشركة لأنه صار مشاعا ففيه تملك كل حق الآخر بغير إذنه أيضا ، بخلاف ما إذا علقنا حقه بالذمة فيتصرف فيه حالا بحوالة أو نحوها ، ولهذا صوب الزركشي قول الهلاك .

                                                                                                                            قال : ويندفع المحذور بمنع الغاصب [ ص: 189 ] من التصرف فيه وعدم نفوذه منه .

                                                                                                                            حتى يدفع البدل كما مر ، وإذا كان المالك لو ملكه ذلك بعوض لم يتصرف حتى رضي بذمته ، فمع عدم رضاه بالأولى قال بعضهم : كيف يستبعد القول بالملك وهو موجود في المذاهب الأربعة بل اتسعت دائرته عند الحنفية والمالكية

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : كان كالهالك ) أي فيرد مثله لأنه مثلي ( قوله : أو أجود مطلقا ) أي رضي المالك أم لا ( قوله : فلو ملك ) أي المالك مفرع على قوله والقول بأن إلخ ( قوله : لم يلزمه شيء ) في هذه الملازمة كالآتية خفاء ا هـ سم على حج لعل وجه الخفاء أنا لو قلنا بملكه الكل ألزمناه برد بدل مال الغاصب أو جعل الكل شركة بينهما ( قوله ففيه حيف ) أي بالغاصب ( قوله : وقد يوجد الملك ) دفع به ما قد يقال كيف يملكه الغاصب بدون تمليك من المالك ( قوله : كأخذ مضطر ) هل يحصل ملكه بمجرد الأخذ كما قد تدل له هذه العبارة ، أو يجري فيه ما قيل في ملك الضيف أو كيف الحال ا هـ سم على حج .

                                                                                                                            القياس الثاني بل لو قيل بأنه لا يملك هنا إلا بازدراد وإن قلنا بملك الضيف [ ص: 189 ] بوضعه بين يديه أو في فمه لم يبعد لأنه إنما جاز أخذه لضرورة ، وحيث يبلعه بأن سقط من فمه أو لم يدخله فمه أصلا لم يتحقق دفع الضرورة به ( قوله : حتى يدفع البدل ) أي أو يعزل من المخلوط قدر المغصوب كما قدمه عن فتاوى المصنف ا هـ سم على حج .

                                                                                                                            فلو تعذر رد البدل لغيبة المالك رفع الأمر لحاكم يقبضه عن الغائب أو تعذر رد البدل لعدم القدرة عليه فيحتمل منعه من التصرف لتقصيره ، وإن تلف ، ويحتمل أن يرفع الأمر للحاكم ليبيعه ويحصل بثمنه البدل أو بعضه وما بقي من البدل يبقى دينا في ذمة الغاصب ( قوله : كيف يستبعد القول بالملك ) أي للغاصب



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            ( قوله : فلو ملك الكل لم يلزمه رد شيء ) قال الشهاب سم : في هذه الملازمة كالآتية خفاء ا هـ .

                                                                                                                            وأقول : لا خفاء فيهما إذ الذي شغل ذمة الغاصب للمالك وأوجب عليه الفور إنما هو تعديه كما قرر الشارح كالشهاب حج والتعدي مفقود في المالك ، فلو قلنا بملكه للجميع لم يكن لرجوع الغاصب عليه موجب كما لا يخفى ; لأن العين صارت مملوكة له ، وذمته غير مشغولة له بشيء فاتضحت الملازمة . ( قوله : ففيه تملك كل حق الآخر بغير إذنه أيضا ) أي : كما أن القول بأنه كالهالك كذلك إذ فيه تملك الغاصب عين مال المالك وتملك المالك ما في ذمة الغاصب قهرا .

                                                                                                                            قال في التحفة عقب ما في الشارح هنا ما نصه : ومنع أي : وفيه منع تصرف المالك قبل البيع أو القسمة هنا أيضا بسبب التعدي بل فوات حقه إذ قد يتلف ذلك فلا يجد مرجعا ، بخلاف ما إذا علقناه بالذمة إلى آخر ما في الشارح ، ولا بد من هذا الذي في التحفة إذ هو الذي يمتاز به القول بالشركة عن القول بالهلاك ، وأيضا فقوله : بخلاف إلخ إنما ينتظم معه ، ولعله سقط من نسخ الشرح من الكتبة .

                                                                                                                            وحاصل ما في هذا المقام أنهم إنما لم يرجحوا قول الشركة ; لأن فيه ما في القول بالهلاك وزيادة ، أما كونه فيه ما في القول بالهلاك ; لأن حق كل من المالك والغاصب يصير مشاعا فيلزم أن كلا تملك حق الآخر بالإشاعة بغير إذنه ، وهو المحظور الموجود في القول بالهلاك ، وأما كونه فيه زيادة على ما في القول بالهلاك فهو أنه يلزم عليه منع المالك من التصرف قبل البيع أو القسمة ، وذلك غير موجود في القول بالهلاك ; فلذلك رجحوه ، وبما قررته يندفع ما أطال به [ ص: 189 ] الشهاب سم في حاشيته على التحفة مما هو مبني على فهم أن المراد فيها أن جميع ما ذكر من قوله ففيه تملك كل حق الآخر إلخ موجود في القول بالشركة وليس موجودا في القول بالهلاك ، وقد تبين بما تقرر أن هذا ليس مراده فتأمل .




                                                                                                                            الخدمات العلمية