الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إجارة الفسطاط

وإذا استأجر فسطاطا يخرج به إلى مكة فقعد وأعطاه أخاه فحج ونصب واستظل به فهو ضامن ولا أجر عليه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله . وقال محمد لا ضمان عليه وعليه الأجر ; لأن الفسطاط من المساكن ، وفي المسكن لا يتعين سكناه بنفسه ; لأن سكناه وسكنى غيره في الضرر على الفسطاط سواء فهو كتسليم البيوت ( ألا ترى ) أنه لو أخرج الفسطاط فيه بنفسه ، ثم أسكن فيه غيره لم يضمن فكذلك إذا دفعه إلى غيره حتى يخرج به وهو نظير ما لو استأجر عبدا يخدمه في طريق مكة فأجره من غيره بخدمة لم يضمن وتفاوت الناس في الاستخدام والأضرار على الغلام أبين من التفاوت في السكنى في الفسطاط ، ثم لما لم يتعين هناك المستأجر للاستخدام فهذا أولى .

وجه قولهما أن الفسطاط يحول من موضع إلى موضع والضرر عليه يتفاوت بتفاوت مواضع النصب فإن نصبه في مهب الريح يخرقه ونصبه من موضع الندوة والنز يفسده . فإذا كان هذا مما يتفاوت فيه الناس وبحبسه يختلف الضرر فكان التعيين معتبرا بمنزلة الدابة استأجرها ليركبها ، أو الثوب يستأجره ليلبسه هو . فإذا دفعه إلى غيره صار مخالفا ضامنا ولا أجر عليه ; لأنه لم يستوف المعقود عليه ، وهذا بخلاف المسكن فإنه لا يحول من [ ص: 27 ] موضع إلى موضع بخلاف العبد ; لأن الاستخدام له حد معلوم بالعرف . فإذا كلفه فوق ذلك امتنع العبد منه سواء كان المستأجر هو الذي يستخدمه ، أو غيره فلا فائدة في التعيين هناك بخلاف ما إذا أخرج بنفسه ; لأنه هو الذي يختار موضع النصب للفسطاط .

وإذا كان ذلك برأيه كما أوجبه العقد فسكناه وسكنى غيره بعد ذلك سواء . فأما إذا دفعه إلى غيره ليخرج به فاختيار موضع نصب الفسطاط لا يكون برأيه بل يكون برأي الذي خرج به ، وذلك خلاف موجب العقد وعلى هذا قالوا لو لم يبين عند الاستئجار من يخرج به فالعقد فاسد في قول أبي يوسف رحمه الله كما لو لم يبين من يلبس الثوب عند الاستئجار ، وعند محمد رحمه الله العقد جائز كما في خدمة العبد وسكنى الدار ولو انقطعت أطناب الفسطاط كلها فصنعها المستأجر من عنده ، ثم نصب الفسطاط حتى رجع فعليه الأجر كله ; لأنه استوفى المعقود عليه فالمعقود عليه منفعة الفسطاط لا منفعة الأطناب . فإذا تمكن من استيفاء المعقود عليه بأطناب نفسه لزمه الأجر كما في استئجار الرحا إذا انقطع الماء فطحن المستأجر بجمله وجب عليه الأجر ، ثم يمسك أطنابه ; لأنه ملكه فيمسكه إذا رد الفسطاط .

ولو لم تعلق عليه الأطناب لم يكن عليه الكراء ; لأنه لم يكن متمكنا من استيفاء المعقود عليه بملك صاحب الفسطاط ولا يعتبر تمكنه من الاستيفاء بملك نفسه ; لأن ذلك ليس مما أوجبه العقد ، وكذلك لو انكسر عمود الفسطاط . فأما إذا انكسرت أوتاده فلم يضر به حتى رجع كان عليه الكراء كاملا ، وليس الأوتاد مثل الأطناب والعمود ; لأن الأوتاد من قبل المستأجر والأطناب والعمود من قبل صاحب الفسطاط ومن أصحابنا رحمهم الله من يقول إنه بنى هذا الجواب على عرف ديارهم . فأما في عرف ديارنا الأوتاد من قبل صاحب الفسطاط والأصح أن يقول من الأوتاد ما يتيسر وجوده في كل موضع ولا يتكلف بحمل مثله من موضع إلى موضع فهذا على المستأجر ومنه ما يكون متخذا من حديد ، وذلك لا يوجد في كل موضع فمثله يكون على صاحب الفسطاط كالعمود فمراده مما قال الأوتاد التي توجد في كل موضع فبانكسارها لا يزول تمكنه من استيفاء المعقود عليه فيكون الأجر عليه بخلاف العمود والأطناب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث