الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
وكذلك لو شهدوا أن فلانا أعتق أبا فلان ، وأن فلان ابن فلان عصبة فلان الذي أعتق وعصبة فلان المعتق فإني لا أجيز شهادتهما حتى ينسبا الذي أعتق وعصبته إلى أب واحد يلتقيان إليه ، وإن لم يدركا ذلك لم يضرهما بعد أن يشهدا على سماع العتق من المعتق ، ثم أن المعتق مات وترك ابنه ، ثم مات ابنه ولا يعلمان له وارثا غيره ، وأنه لا ينسب له ولا ولاء سواه فحينئذ تقبل شهادتهم ; لأن القاضي لا يقضي بالميراث ما لم يفسروا بنسب الوراثة ، وإنما يسير مفسرا معلوما عنده بما ذكر غير أن في النسب شهادتهم بالتسامع مقبولة ، وفي الولاء لا تقبل شهادتهم ما لم يسمعوا العتق من المعتق إلا عند أبي يوسف رحمه الله كما بينا قال ولست أكلفهم في المواريث أنه لا وارث له غيره .

وقال ابن أبي ليلى رحمه الله ما لم يشهدوا بذلك لا يقضي القاضي بالميراث له ; لأن سبب استحقاقه لا يصير معلوما للقاضي إلا به لجواز أن يكون هناك من يزاحم أو يترجح عليه فلا يكون هو وارثا مع ثبوت ما فسر الشهود من السبب ، ولكنا نقول قولهم لا وارث له غيره نفي لا طريق لهم إلى معرفة ذلك فلو كلفهم القاضي أن يشهدوا بذلك لكلفهم على ذلك شططا وحملهم على الكذب وإليه أشار في الكتاب ( فقال ) من قبل أن هذا عيب يحملهم القاضي عليه ، أو قال عنت يحملهم القاضي عليه وهو يعلم أنهم يشهدون بما لا يعلمون ، وإن قالوا لا نعلم له وارثا غيره فهذا يكفي وعلى قول ابن أبي ليلى رحمه الله لا يكفي ; لأن هذا ليس من الشهادة في [ ص: 153 ] شيء فإنهم يشهدون بما يعلمون لا بما لا يعلمون وكما أنهم لا يعلمون ذلك فالقاضي لا يعلم ونحن نسلم أن المشهود به لا يثبت به بهذا اللفظ ، ولكن استحقاق الميراث له بالسبب الذي أثبته الشهود مفسرا إلا أنهم إذا لم يذكروا هذه الزيادة كان على القاضي أن يتلوم فربما يظهر وارث آخر مزاحم له أو مقدم عليه فهم بهذا اللفظ كفوا القاضي مؤنة التلوم .

ونظروا في ذلك لأنفسهم فتحرزوا عن الكذب والمجازفة ; لأنهم لو قالوا لا وارث له غيره كانوا مجازفين في ذلك فتحرزوا بقولهم لا نعلم له وارثا غيره ، وفي الحقيقة مرادهم هو الأول فما يكون من سباب التحرز عن الكذب لا يكون قدحا في شهادتهم ، ولو شهدوا أنهم لا يعلمون له وارثا بأرض كذا وكذا غير فلان جاز ذلك في قول أبي حنيفة رحمه الله ولم يجز ذلك في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله حتى يقولوا مبهمة لا نعلم له وارثا غيره ; لأن في تخصيصهم مكانا إيهاما أنهم يعلمون له وارثا في غير ذلك المكان أرأيت لو قالوا لا نعلم له وارثا سواه في هذا المجلس أكان يقتضي بالميراث لهم وأبو حنيفة يقول هذا اللفظ مبهم للمبالغة في بيان أنه لا وارث له غيره ومعناه أن بلده كذا ومولده كذا ومسقط رأسه كذا ولا نعلم له بها وارثا غيره فأحرى أن لا يكون له وارثا آخر في مكان آخر ، ثم تخصيصهم هذا المكان بالذكر في هذا اللفظ لغو ; لأن ما لا يعلم المرء لا يختص بمكان دون مكان فهو ، وما لو أطلقوا سواء .

وقولهما أن هذا إيهام فلان كان كذلك فهو مفهوم والمفهوم لا يقابل المنطوق والأصل في ذلك ما روي { أن ثابت بن الدحداح لما مات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قبيلته هل تعرفون له فيكم نسبا قالوا لا إلا أن ابن أخت له فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه لأبن أخته ابن لبانة بن عبد المنذر رضي الله عنه } فقد ذكروا أنهم لا يعرفون له فيهم وارثا ونسبا ولم يكلفهم أكثر من ذلك .

التالي السابق


الخدمات العلمية