الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
دار في يد رجل فادعى رجل أنه اشتراها كلها بألف وادعى آخر أنه اشترى نصفها بخمسمائة وادعى آخر أنه اشترى ثلثها بستمائة درهم وأقاموا البينة فهم بالخيار إن شاءوا أخذوها ، وإن شاءوا تركوها ; لأن عند تعارض البينات لا بد من أن تتفرق الصفقة على كل واحد منهم فيما أثبت شراءهم فيه فالخيار كذلك فإن أخذوها كان لصاحب الجميع المثلث خاصة وكان السدس بينه وبين صاحب الثلثين نصفين وكان النصف بينهم أثلاثا ولزم كل واحد منهم حصة ما أخذ من الثمن في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله وأصل هذه المسألة أن القسمة في هذا الفصل على طريق المنازعة عند أبي حنيفة رحمه الله ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله على طريق العول ، وقد بينا هذا الفصل في شرح كتاب الدعوى وجمعنا فيها نظائر هذه المسألة وأضدادها فنقول في تخريج قول أبي حنيفة رحمه الله لا منازعة في الثلث لمدعي النصف ومدعي الثلثين ومدعي الجميع يدعي ذلك فيسلم له الثلث ، ثم ما زاد على النصف إلى تمام الثلثين وهو السدس لا منازعة فيه لصاحب الثلث ، وقد استوى فيه حجة صاحب الثلثين وصاحب الجميع فيقضي بينهما نصفان ، وفي النصف استوى حجة صاحب الكل والثلثين والنصف فيقضي به بينهم أثلاثا وسهام الدار في الحاصل اثني عشر لحاجتنا إلى سدس يقسم نصفين فصاحب الجميع أخذ مرة أربعة ومرة سهما ومرة سهمين فإنه ما يسلم له سبعة أسهم من اثني عشر سهما ، وذلك نصف الدار ونصف سدسها فيلزمه ذلك القدر من الثمن وصاحب الثلثين أخذ مرة سهما ومرة سهمين ، وذلك ثلاثة وهو ربع الدار وصاحب النصف ما أخذ إلا سهمين وهو سدس الدار .

فأما عندهما القسمة على طريق العول وأصل سهام الدار ستة فصاحب الجميع يضرب بستة وصاحب الثلثين بأربعة وصاحب النصف بثلاثة فتكون جملة هذه السهام ثلاثة عشر ويقسم الدار بينهم على ذلك فإن ادعاها رجلان وأقام أحدهما البينة على شراء الجميع والآخر البينة على شراء النصف ولصاحب الجميع ثلاثة أرباع الدار ; لأن النصف سالم له بلا منازعة ونصف النصف الآخر بالمنازعة ولصاحب [ ص: 166 ] النصف ربعها في قول أبي حنيفة رحمه الله ، وفي قولهما القسمة على طريق العول فتكون الدار بينهما أثلاثا ، وإن ادعى أحدهما الرهن والقبض والآخر الشراء بألف والقبض وأقام البينة فإن عرف الأول فهي للأول ; لأن مدعي الرهن إذا أثبت حقه في وقت لا ينازعه الآخر فيه فشراء الآخر بعد لا يجوز بدون إجازته ، وإن لم يعلم فصاحب الشراء أولى ; لأن الشراء أقوى من الرهن ; لأن الشراء موجب الملك في البدلين والرهن لا يوجب ; لأن الشراء يلزم بنفسه ، وإن لم يتصل به القبض والرهن لا يتم إلا بالقبض والشراء يلزم من الجانبين والرهن لا يلزم في جانب المرتهن لتمكنه من الرد متى شاء والضعيف لا يظهر في مقابلة القوي فإن أقام أحدهما البينة على الشراء والآخر على الهبة والصدقة فصاحب الشراء أولى ; لأن الشراء عقد معاوضة يلزم بنفسه وموجب الملك في البدلين فيكون أقوى من التبرع الذي لا يتم بالقبض فإن أثبت صاحب التبرع قبضه سابقا فهو أولى ; لأنه أثبت ملكه في وقت لا ينازعه الآخر فيه ، وكذلك إن كانت الدار في يد صاحب الصدقة ولا يدري أيهما أول فصاحب الصدقة أولى ; لأن تمكنه من القبض دليل سبق عقده فيكون هو أولى إلا أن يقيم صاحب الشراء البينة أنه أولى ، وإن أقام كل واحد منهما البينة أنه ارتهنها بألف ففي القياس لا يكون رهنا لواحد منهما وبهذا نأخذ ، وفي الاستحسان يكون لكل واحد منهما نصفها رهنا ; لأن كل واحد منهما أثبت الرهن منه بالبينة والقضاء بالبينتين ممكن فإن رهن الدار الواحدة من رجلين بدين لهما عليه صحيح

ووجه القياس أن الحجتين لما استوتا فلا بد من القضاء لكل واحد منهما بالنصف وإثبات حكم الرهن لكل واحد منهما في النصف شائعا غير ممكن فتبطل البينتان كما لو أقام رجلان كل واحد منهما البينة على نكاح امرأة واحدة وأخذنا بالقياس ; لأن وجه القياس أقوى فإن في الرهن من رجلين العقد واحد وكل واحد منهما راض بثبوت حق صاحبه في الحبس فأمكن إثبات ملك اليد الذي هو موجب الرهن لهما في المحل من غير شيوع بأن يجعل كأن العين كلها محبوسة بدين كل واحد منهما ولا يتأتى ذلك هنا ; لأن كل واحد منهما أثبت الملك لنفسه بعقد على حدة ولا يرضى كل واحد منهما بثبوت حق صاحبه معه فلا بد من القضاء لكل واحد منهما بالنصف ، وإن رهنها من رجلين النصف من هذا بدينه والنصف من هذا بدينه لم يجز ; فلهذا نأخذ بالقياس فإن ادعى أحدهما الرهن والقبض وادعى الآخر الهبة على عوض والتقابض فأقام البينة فإنه يقضي بهذا للذي يدعي الهبة على عوض ; لأن الهبة بشرط العوض بعد التقابض [ ص: 167 ] بمنزلة البيع ، وقد بينا أنه يترجح دعوى الشراء على دعوى الرهن عند تعارض الحجج ، ولو كانت هبة بغير عوض قضيت بها لصاحب الرهن من قبل أنه قد نفذ ماله فيه ، وقد كان ينبغي في قياس القول الذي قلنا قبل هذا أن يكون لصاحب الهبة ومعنى أن صاحب الهبة في القياس أولى ; لأنه يثبت ببينته مالك العين لنفسه والمرتهن لا يثبت ذلك ببينته وكل واحد من العقدين لا يتم إلا بالقبض فيترجح الموجب للملك في العين منهما

وفي الاستحسان الرهن أولى ; لأنه عقد ضمان فالمقبوض بحكم الرهن بما يقابله من الدين والمقبوض بحكم الهبة لا يكون مضمونا أقوى من عقد التبرع ; فلهذا كانت بينة صاحب الرهن أولى وللقياس وجه آخر وهو أن الرهن لا يرد على الهبة والهبة ترد على الرهن فإنه بعد الهبة منه لو رهنه كان بإطلاق ، وبعد الرهن لو وهبه من المرتهن كان صحيحا فعند التعارض يترجح الوارد لكن في الاستحسان قال لا بد من إثبات حق المرتهن فثبوت الملك للمرهون له لا يمنع ثبوت حق المرتهن فيها فإن الواهب إذا رهن الموهوب بدينه برضاء الموهوب له جاز ولا يمكن إثبات الهبة مع ثبوت حق المرتهن فإنه بعد الرهن لو وهب برضاء المرتهن وسلم يبطل حق المرتهن ; فلهذا جعلنا الرهن أولى من الهبة

وإن أقام كل واحد منهما البينة أنه تصدق بها عليه وقبضها لم يقض لواحد منهما ; لأنه إنما يقضي لكل واحد منهما بنصفها والهبة لا تتم في المشاع الذي يحتمل القسمة وزعم بعض أصحابنا رحمهم الله أن هذا قول أبي حنيفة رحمه الله . فأما عندهما ينبغي أن يقضي بها بينهما نصفان بمنزلة هبة الدار من رجلين والأصح أن هذا قولهم جميعا ; لأنهما يجوزان ذلك عند اتحاد العقد والاتحاد في جانب الواهب .

فأما إذا وهب النصف من كل واحد منهما في عقد على حدة لا يجوز وهنا كل واحد منهما أثبت ببينته الهبة منه في عقد على حدة ; فلهذا لا يقضي لكل واحد منهما بنصفها فإن شهدت أحدهما أنه أول فهي له ; لأنه أثبت ملكه في وقت لا ينازعه الآخر فيه ، وإن لم يشهدوا بذلك وهي في يد أحدهما فهي لذي اليد ; لأن تمكنه من القبض دليل سبق عقده .

التالي السابق


الخدمات العلمية