الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
وإذا اختصم إلى القاضي قوم يتكلمون بغير العربية وهو لا يفقه لسانهم فإنه ينبغي له أن يترجم عنهم له رجل مسلم ثقة واتخاذ الترجمان للحاجة قد كان عليه الناس في الجاهلية ، وبعد الإسلام ولما جاء سلمان رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليسلم ترجم يهودي كلامه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فخان في ذلك حتى نزل الوحي حديث فيه طول وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت رضي الله عنه أن يتعلم العبرانية وكان يترجم لرسول الله صلى الله عليه وسلم عمن كان يتكلم بين يديه بتلك اللغة ، ثم لا خلاف أنه يشترط في المترجم أن يكون عدلا مسلما ; لأن نفس الخبر محتمل للصدق والكذب فإنما يترجح جانب الصدق بالعدالة ويشترط الإسلام أيضا ; لأن الكفار معادون للمسلمين فالظاهر أنهم يقصدون الجناية في مثل هذا قال الله تعالى { لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا } أي لا يقصرون في إفساد أموركم ; فلهذا لا يقبل القاضي الترجمة إلا من مسلم عدل والواحد لذلك يكفي والمثنى أحوط في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله .

وقال محمد رحمه الله يشترط في المترجم لكلام الخصم أو لشهود الشاهدين ما يشترط في الشهادة من العدد ، وذلك رجلان ، أو رجل وامرأتان ، وكذلك الخلاف في التزكية عندهما تزكية الواحد يكفي والمثنى أحوط ، وعند محمد رحمه الله لا بد من عدد الشهادة في ذلك ، وكذلك الخلاف في رسول القاضي إلى المزكي فمحمد رحمه الله يقول ما لم يفهم القاضي فكأنه لم يسمعه ومعنى هذا وهو أنه إنما يسمع من المترجم ; لأنه يفهم قول المترجم وعليه ينبني الحكم فكانت الترجمة في حقه بمنزلة الشهادة .

( ألا ترى ) أنه يعتبر فيها ما يعتبر في الشهادة من الحرية والإسلام والعدالة . فكذلك العدد وهذا ; لأنه يلزم على القاضي القضاء ، وهذا آكد ما يكون من الإلزام فيشترط العدد فيه لطمأنينة القلب كالشهادة إلا أنه لا يشترط [ ص: 90 ] لفظة الشهادة ; لأن اشتراط ذلك في الشهادة ليس لمعنى الإلزام بل هو ثابت بالنص بخلاف القياس أو لمعنى الزجر عن الشهادة بالباطل فقوله أشهد بمنزلة قوله أحلف ; ولهذا أعظم الوزر في شهادة الزور كما في اليمين الغموس والمدعي هو الذي يأتي بالشهود فلمكان احتمال المواضعة والتلبيس بينهم شرطنا لفظة الشهادة وأما المترجم بحيازة القاضي فينعدم في حقه مثل تلك التهمة ; فلهذا لا يشترط في حقه لفظة الشهادة وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله قال المترجم مخير غير ملزم وخبر الواحد مقبول بشرط العدالة والإسلام ، وإن كان ملزما كما في رواية الأخبار وكما في الشهادة على رؤية هلال رمضان والدليل عليه أنه لا يعتبر لفظة الشهادة فيه ، ولو كان هذا في معنى الشهادة لاستوى فيما اختص به الشهادة كاختصاص الشهادة من بين سائر الأخبار بلفظ الشهادة . فإذا لم يجعل هذا الخبر بمنزلة الشهادة فيه ففي العدد أولى واشتراط الإسلام والعدالة هنا بمنزلة اشتراط ذلك في رواية الأخبار واشتراط الحرية ; لأنه يلزم الغير ابتداء من غير أن يلتزم شيئا فكان من باب الولاية والرق تبقى الولاية على الغير بخلاف رواية الأخبار والشهادة على هلال رمضان فإنه يلتزم ذلك بنفسه ، ثم يتعدى إلى غيره فلا تشترط الحرية فيه لذلك ومع أن الواحد يكفي لذلك كما في رواية الأخبار ، ولكن رجل وامرأتان أوثق ; لأنه في الاحتياط أقرب .

التالي السابق


الخدمات العلمية