الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

المسألة الخامسة : قرأ نافع وابن عامر وابن كثير وأبو عمر وأبو بكر عن عاصم " الحج " بفتح الحاء في كل القرآن وهي لغة الحجاز ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص ، عن عاصم بالكسر في آل عمران ، قال [ ص: 124 ] الكسائي : وهما لغتان بمعنى واحد ، كرطل ورطل ، وقيل : بالفتح المصدر ، وبالكسر الاسم .

وقوله تعالى : ( فإن أحصرتم ) قال أحمد بن يحيى : أصل الحصر والإحصار : الحبس ، ومنه يقال للذي لا يبوح بسره : حصر ؛ لأنه حبس نفسه عن البوح ، والحصر احتباس الغائط ، والحصير الملك ؛ لأنه كالمحبوس بين الحجاب ، وفي شعر لبيد :

جن لدى باب الحصير قيام



والحصير معروف سمي به لانضمام بعض أجزائه إلى بعض تشبيها باحتباس الشيء مع غيره .

إذا عرفت هذا فنقول : اتفقوا على أن لفظ الحصر مخصوص بمنع العدو إذا منعه عن مراده وضيق عليه ، أمالفظ الإحصار فقد اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال .

الأول : وهو اختيار أبي عبيدة وابن السكيت والزجاج وابن قتيبة وأكثر أهل اللغة أنه مختص بالمرض ، قال ابن السكيت : يقال أحصره المرض إذا منعه من السفر ، وقال ثعلب في فصيح الكلام : " أحصر " بالمرض " وحصر " بالعدو .

والقول الثاني : أن لفظ الإحصار يفيد الحبس والمنع ، سواء كان بسبب العدو أو بسبب المرض وهو قول الفراء . والقول الثالث : أنه مختص بالمنع الحاصل من جهة العدو ، وهو قول الشافعي - رضي الله عنه - وهو المروي عن ابن عباس وابن عمر ، فإنهما قالا : لا حصر إلا حصر العدو ، وأكثر أهل اللغة يردون هذا القول على الشافعي رضي الله عنه ، وفائدة هذا البحث تظهر في مسألة فقهية ، وهي أنهم اتفقوا على أن حكم الإحصار عند حبس العدو ثابت ، وهل يثبت بسبب المرض وسائر الموانع ؟ قال أبو حنيفة رضي الله عنه : يثبت . وقال الشافعي : لا يثبت . وحجة أبي حنيفة ظاهرة على مذهب أهل اللغة وذلك لأن أهل اللغة رجلان :

أحدهما : الذين قالوا : الإحصار مختص بالحبس الحاصل بسبب المرض فقط ، وعلى هذا المذهب تكون هذه الآية نصا صريحا في أن إحصار المرض يفيد هذا الحكم .

والثاني : الذين قالوا : الإحصار اسم لمطلق الحبس سواء كان حاصلا بسبب المرض أو بسبب العدو ، وعلى هذا القول حجة أبي حنيفة تكون ظاهرة أيضا ، لأن الله تعالى علق الحكم على مسمى الإحصار ، فوجب أن يكون الحكم ثابتا عند حصول الإحصار سواء حصل بالعدو أو بالمرض ، وأما على القول الثالث : وهو أن الإحصار اسم للمنع الحاصل بالعدو ، فهذا القول باطل باتفاق أهل اللغة ، وبتقدير ثبوته فنحن نقيس المرض على العدو بجامع دفع الحرج ، وهذا قياس جلي ظاهر ، فهذا تقرير قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - وهو ظاهر قوي ، وأما تقرير مذهب الشافعي رضي الله عنه ، فهو أنا ندعي أن المراد بالإحصار في هذه الآية منع العدو فقط ، والروايات المنقولة عن أهل اللغة معارضة بالروايات المنقولة عن ابن عباس وابن عمر ، ولا شك أن قولهما أولى لتقدمهما على هؤلاء الأدنى في معرفة اللغة وفي معرفة تفسير القرآن ، ثم إنا بعد ذلك نؤكد هذا القول بوجوه من الدلائل .

الحجة الأولى : أن الإحصار إفعال من الحصر ، والإفعال تارة يجيء بمعنى التعدية ، نحو : ذهب زيد وأذهبته أنا ، ويجيء بمعنى صار ذا كذا ، نحو : أغد البعير إذا صار ذا غدة ، وأجرب الرجل إذا صار ذا إبل جربى ، ويجيء بمعنى وجدته بصفة كذا ، نحو : أحمدت الرجل أي وجدته محمودا ، والإحصار لا يمكن أن [ ص: 125 ] يكون للتعدية ، فوجب إما حمله على الصيرورة أو على الوجدان والمعنى : أنهم صاروا محصورين أو وجدوا محصورين ، ثم إن أهل اللغة اتفقوا على أن المحصور هو الممنوع بالعدو لا بالمرض ، فوجب أن يكون معنى الإحصار هو أنهم صاروا ممنوعين بالعدو ، أو وجدوا ممنوعين بالعدو ، وذلك يؤكد مذهبنا .

الحجة الثانية : أن الحصر عبارة عن المنع وإنما يقال للإنسان : إنه ممنوع من فعله ومحبوس عن مراده ، إذا كان قادرا عن ذلك الفعل متمكنا منه ، ثم إنه منعه مانع عنه ، والقدرة عبارة عن الكيفية الحاصلة بسبب اعتدال المزاج وسلامة الأعضاء ، وذلك مفقود في حق المريض فهو غير قادر البتة على الفعل ، فيستحيل الحكم عليه بأنه ممنوع ؛ لأن إحالة الحكم على المانع تستدعي حصول المقتضي ، أما إذا كان ممنوعا بالعدو فههنا القدرة على الفعل حاصلة ، إلا أنه تعذر الفعل لأجل مدافعة العدو ، فصح ههنا أن يقال إنه ممنوع من الفعل ، فثبت أن لفظة الإحصار حقيقة في العدو ، ولا يمكن أن تكون حقيقة في المرض .

الحجة الثالثة : أن معنى قوله : ( أحصرتم ) أي حبستم ومنعتم والحبس لا بد له من حابس ، والمنع لا بد له من مانع ، ويمتنع وصف المرض بكونه حابسا ومانعا ، لأن الحبس والمنع فعل ، وإضافة الفعل إلى المرض محال عقلا ، لأن المرض عرض لا يبقى زمانين ، فكيف يكون فاعلا وحابسا ومانعا ، أما وصف العدو بأنه حابس ومانع ، فوصف حقيقي ، وحمل الكلام على حقيقته أولى من حمله على مجازه .

الحجة الرابعة : أن الإحصار مشتق من الحصر ولفظ الحصر لا إشعار فيه بالمرض ، فلفظ الإحصار وجب أن يكون خاليا عن الإشعار بالمرض قياسا على جميع الألفاظ المشتقة .

الحجة الخامسة : أنه تعالى قال بعد هذه الآية : ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ) فعطف عليه المريض ، فلو كان المحصر هو المريض أو من يكون المرض داخلا فيه ، لكان هذا عطفا للشيء على نفسه .

فإن قيل : إنه خص هذا المرض بالذكر لأن له حكما خاصا ، وهو حلق الرأس ، فصار تقدير الآية إن منعتم بمرض تحللتم بدم ، وإن تأذى رأسكم بمرض حلقتم وكفرتم .

قلنا : هذا وإن كان حسنا لهذا الغرض ، إلا أنه مع ذلك يلزم عطف الشيء على نفسه ، أما إذا لم يكن المحصر مفسرا بالمريض ، لم يلزم عطف الشيء على نفسه ، فكان حمل المحصر على غير المريض يوجب خلو الكلام عن هذا الاستدلال ، فكان ذلك أولى .

الحجة السادسة : قال تعالى في آخر الآية : ( فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ) [ البقرة : 196 ] ، ولفظ الأمن إنما يستعمل في الخوف من العدو لا في المرض ، فإنه يقال في المرض : شفي وعفي ولا يقال أمن .

فإن قيل : لا نسلم أن لفظ الأمن لا يستعمل إلا في الخوف ، فإنه يقال : أمن المريض من الهلاك وأيضا خصوص آخر الآية لا يقدح في عموم أولها .

قلنا : لفظ الأمن إذا كان مطلقا غير مقيد فإنه لا يفيد إلا الأمن من العدو .

وقوله : خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها .

قلنا : بل يوجب لأن قوله : ( فإذا أمنتم ) [ البقرة : 196 ] ليس فيه بيان أنه حصل الأمن مماذا ، فلا بد [ ص: 126 ] وأن يكون المراد حصول الأمن من شيء تقدم ذكره ، والذي تقدم ذكره هو الإحصار ، فصار التقدير : فإذا أمنتم من ذلك الإحصار ، ولما ثبت أن لفظ الأمن لا يطلق إلا في حق العدو ، وجب أن يكون المراد من هذا الإحصار منع العدو ، فثبت بهذه الدلائل أن الإحصار المذكور في الآية هو منع العدو فقط ، أما قول من قال : إنه منع المرض صاحبه خاصة فهو باطل بهذه الدلائل .

وفيه دليل آخر : وهو أن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزول هذه الآية أن الكفار أحصروا النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية ، والناس وإن اختلفوا في أن الآية النازلة في سبب هل تتناول غير ذلك السبب ؟ إلا أنهم اتفقوا على أنه لا يجوز أن يكون ذلك السبب خارجا عنه ، فلو كان الإحصار اسما لمنع المرض ، لكان سبب نزول الآية خارجا عنها ، وذلك باطل بالإجماع ، فثبت بما ذكرنا أن الإحصار في هذه الآية عبارة عن منع العدو ، وإذا ثبت هذا فنقول : لا يمكن قياس منع المرض عليه ، وبيانه من وجهين :

الأول : أن كلمة " إن " شرط عند أهل اللغة ، وحكم الشرط انتفاء المشروط عن انتفائه ظاهرا ، فهذا يقتضي أن لا يثبت الحكم إلا في الإحصار الذي دلت الآية عليه ، فلو أثبتنا هذا الحكم في غيره قياسا كان ذلك نسخا للنص بالقياس ، وهو غير جائز .

الوجه الثاني : أن الإحرام شرع لازم لا يحتمل النسخ قصدا ، ألا ترى أنه إذا جامع امرأته حتى فسد حجه لم يخرج من إحرامه ، وكذلك لو فاته الحج حتى لزمه القضاء والمرض ليس كالعدو ، ولأن المريض لا يستفيد بتحلله ورجوعه أمنا من مرضه ، أما المحصر بالعدو فإنه خائف من القتل إن أقام ، فإذا رجع فقد تخلص من خوف القتل ، فهذا ما عندي في هذه المسألة على ما يليق بالتفسير .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث