الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثانية : قال الشافعي رضي الله عنه : دم التمتع دم جبران الإساءة ، فلا يجوز له أن يأكل منه ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : إنه دم نسك ، ويأكل منه ، حجة الشافعي من وجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            الحجة الأولى : أن التمتع حصل فيه خلل ؛ فوجب أن يكون الدم دم جبران .

                                                                                                                                                                                                                                            بيان حصول الخلل فيه من وجوه ثلاثة :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : روي أن عثمان كان ينهى عن المتعة ، فقال له علي رضي الله عنهما : عمدت إلى رخصة بسبب الحاجة والغربة ، وذلك يدل على حصول نقص فيها .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : أنه تعالى سماه تمتعا ، والتمتع عبارة عن التلذذ والارتفاع ، ومبنى العبادة على المشقة ، فيدل على أنه حصل في كونه عبادة نوع خلل .

                                                                                                                                                                                                                                            الثالث : وهو بيان الخلل على سبيل التفصيل : أن في التمتع صار السفر للعمرة ، وكان من حقه أن يكون للحج ، فإن الحج الأكبر هو الحج ، وأيضا حصل الترفه وقت الإحلال بينهما ، وذلك خلل ، وأيضا كان من حقه جعل الميقات للحج فإنه أعظم ، فلما جعل الميقات للعمرة كان ذلك نوع خلل ، وإذا ثبت كون الخلل في هذا الحج ، وجب جعل الدم دم جبران لا دم نسك .

                                                                                                                                                                                                                                            الحجة الثانية : أن الدم ليس بنسك أصلي من مناسك الحج أو العمرة كما لو أفرد بهما ، وكما في حق المكي ، والجمع بين العبادتين لا يوجب الدم أيضا ، بدليل أن من جمع بين الصلاة والصوم والاعتكاف لا يلزمه الدم ؛ فثبت بهذا أن هذا الدم ليس دم نسك ؛ فلا بد وأن يكون دم جبران .

                                                                                                                                                                                                                                            الحجة الثالثة : أن الله تعالى أوجب الهدي على التمتع بلا توقيت ، وكونه غير مؤقت دليل على أنه دم [ ص: 132 ] جبران ؛ لأن المناسك كلها مؤقتة .

                                                                                                                                                                                                                                            الحجة الرابعة : أن للصوم فيه مدخلا ، ودم النسك لا يبدل بالصوم ، وإذا عرفت صحة ما ذكرنا فنقول : إن الله تعالى ألزم المكلف إتمام الحج في قوله : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) وقد دللنا على أن حج التمتع غير تام ؛ فلهذا قال تعالى : ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ) ، وذلك لأن تمتعكم يوقع نقصا في حجتكم ، فاجبروه بالهدي لتكمل به حجتكم ، فهذا معنى حسن مفهوم من سياق الآية ، وهو لا يتقرر إلا على مذهب الشافعي رضي الله عنه .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية