الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : ( الثالث : لبس المخيط إلا أن لا يجد إزارا فيلبس سراويل ، أو لا يجد نعلين ، فيلبس خفين ، ولا فدية عليه .

في هذا الكلام فصلان : -

أحدهما : أن المحرم يحرم عليه أن يلبس على بدنه المخيط المصنوع على قدر العضو ؛ مثل القميص والفروج والقباء والجبة والسراويل والتبان والخف والبرنس ونحو ذلك . وكذلك لو وضع على مقدار العضو بغير خياطة مثل أن ينسج نسجا ، أو يلصق بلصوق ، أو يربط بخيوط ، أو يخلل [ ص: 16 ] بخلال أو يزر ، ونحو ذلك مما يوصل به الثوب المقطع حتى يصير كالمخيط ، فإن حكمه حكم المخيط ، وإنما يقول الفقهاء : المخيط بناء على الغالب .

فأما إن خيط ، أو وصل لا ليحيط بالعضو ويكون على قدره مثل الإزار والرداء الموصل والمرقع ونحو ذلك : فلا بأس به ، فإن مناط الحكم هو اللباس المصنوع على قدر الأعضاء وهو اللباس المخيط بالأعضاء واللباس المعاد .

والأصل في ذلك : ما روى الزهري عن سالم عن أبيه قال : سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يلبس المحرم ؟ قال : "لا يلبس المحرم القميص ولا العمامة ولا البرنس ، ولا السراويل ولا ثوبا مسه ورس ولا زعفران ، ولا الخفين إلا أن لا يجد نعلين ، فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين " متفق عليه . ورواه أحمد : ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر أن رجلا نادى يا رسول الله : ما يجتنب المحرم من الثياب ؟ فقال : "لا يلبس السراويل ولا القميص ولا البرنس ولا العمامة ولا ثوبا مسه زعفران ولا ورس وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين ، فإن لم يجد نعلين ، فليلبس خفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين " .

وفي رواية صحيحة لأحمد والنسائي عن نافع عن ابن عمر : " أن رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما نلبس من الثياب إذا أحرمنا ؟ قال : لا تلبسوا [ ص: 17 ] القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرنس ولا الخفاف ، إلا أن يكون رجل ليست له نعلان فليلبس الخفين ويجعلهما أسفل من الكعبين ، ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران ولا الورس .

وفي رواية لأحمد عن ابن إسحاق عن نافع ، عن ابن عمر قال : " سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول - على هذا المنبر وهو ينهى الناس إذا أحرموا عما يكره لهم - : "لا تلبسوا العمائم ولا القمص ، ولا السراويلات ، ولا البرانس ، ولا الخفين إلا أن يضطر مضطر فيقطعهما أسفل من الكعبين ، ولا ثوبا مسه الورس ولا الزعفران " قال : "وسمعته ينهى النساء عن القفاز والنقاب وما مسه الورس والزعفران من الثياب " ورواه أبو داود - أيضا - بهذا الإسناد عن ابن عمر قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ينهى النساء في الإحرام عن القفازين والنقاب ، وما مس الورس والزعفران من الثياب ، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب معصفرا ، أو خزا أو حليا ، أو سراويلا ، أو قميصا " . قال : أبو داود [ ص: 18 ] - وقد رواه من حديث أحمد عن يعقوب بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن إسحاق - : روى هذا الحديث عن ابن إسحاق عبدة ومحمد بن مسلمة عن ابن إسحاق إلى قوله : " وما مس الورس والزعفران من الثياب " لم يذكرا ما بعده .

قلت : وكذلك رواه أحمد عن يعلى بن عبيد ويزيد بن هارون عن ابن [ ص: 19 ] إسحاق ، وقد قيل إنه ليس فيه ذكر سماع ابن إسحاق عن نافع ، وإنما هو معنعن أو قال نافع .

وفي رواية لأحمد والبخاري وأبي داود والنسائي والترمذي من حديث نافع عن ابن عمر قال : " قام رجل ، فقال : يا رسول الله ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام ؟ فقال : النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تلبس القميص ولا السراويلات ، ولا العمائم ولا البرنس ولا الخف إلا أن يكون أحد ليست له نعلان فليلبس الخفين وليقطعها أسفل من الكعبين ولا تلبسوا شيئا مسه الزعفران والورس ، ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين " قال الترمذي : هذا حديث صحيح .

قال أبو داود : وقد روى هذا الحديث حاتم بن إسماعيل ، ويحيى بن [ ص: 20 ] أيوب عن موسى بن عقبة عن نافع على ما قال الليث - يعني مرفوعا - ورواه موسى بن طارق موقوفا على ابن عمر ، وكذلك رواه عبيد الله بن عمر ومالك وأيوب موقوفا ، وإبراهيم بن سعيد المديني عن نافع ، عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - " المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين " . وإبراهيم بن سعيد : شيخ من أهل المدينة ليس له كثير حديث .

وعن ابن إسحاق قال : ذكرت لابن شهاب قال : حدثني سالم أن عبد الله بن عمر كان يصنع - يعني يقطع - الخفين للمرأة المحرمة ، ثم حدثته صفية بنت أبي عبيد أن عائشة حدثتها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "رخص للنساء في الخفين ، فترك ذلك " رواه أحمد وأبو داود [ ص: 21 ] وفي رواية لأحمد : " ولا تلبس ثوبا مسه الورس والزعفران إلا أن يكون غسيلا " رواه عن أبي معاوية ثنا عبيد الله ، عن نافع عن ابن عمر .

وفي رواية عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر قال : " نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يلبس المحرم ثوبا مصبوغا بزعفران أو ورس " .

فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن خمسة أنواع من اللباس تشمل جميع ما يحرم - فإنه قد أوتي جوامع الكلم - وذلك أن اللباس إما أن يصنع فقط فهو القميص ، وما في معناه من الجبة والفروج ونحوهما ، أو للرأس فقط وهو العمامة وما في معناه أو لهما وهو البرنس وما في معناه ، أو للفخذين والساق وهو السراويل وما في معناه من تبان ونحوه ، أو للرجلين وهو الخف ونحوه . وهذا مما أجمع المسلمون عليه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث