الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( ومن حجر عليه بسفه ) أي : تبذير ( طرأ فوليه القاضي ) ؛ لأنه الذي يحجر كما مر نعم يسن له إشهار حجره ورد أمره لأبيه فجده فسائر عصباته ؛ لأنهم به أشفق ( وقيل وليه ) وليه ( في الصغر ) وهو الأب والجد كما لو بلغ سفيها ويرد بوضوح الفرق ؛ إذ يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء ( ولو طرأ جنون فوليه في الصغر ) وفارق السفيه لما مر ( وقيل ) وليه ( القاضي ولا يصح من المحجور عليه لسفه ) حسا أو شرعا ( بيع ولا شراء ) لغير طعام عند الاضطرار [ ص: 171 ] ولو بغبطة وفي ذمته وإن توكل في ذلك عن غيره وبحث البلقيني أن مثله في الشراء للاضطرار الصبي وقد يقال الاضطرار مجوز للأخذ ولو بعقد فاسد فلا ضرورة للصحة هنا فيهما وإن قطع بها الإمام في السفيه وإنما صح توكله في قبول النكاح لصحته منه لنفسه ولا إجارة نفسه .

قال الماوردي والروياني إلا إذا لم يقصد عمله لاستغنائه عنه فيجوز ؛ لأن له التبرع به حينئذ فالإجارة أولى وفيه نظر ملحظه قولهم وللولي إجباره على الاكتساب ولو غنيا وحينئذ فعمله يصح أن يقابل بمال ويجبر عليه فلا ينبغي أن يصح منه ما يفوت على الولي إجباره عليه ، وحينئذ فهي ليست كالتبرع فضلا عن الأولوية التي ادعياها ؛ لأن التبرع لا يفوت على الولي شيئا ( ولا إعتاق ) ولو بعوض في حال الحياة لصحة تدبيره ووصيته .

قال جمع ويصوم في كفارة يمين أو ظهار لا قتل ؛ لأن سببها فعل ، وهو لا يقبل الرفع .

وبحث البلقيني أن كفارة الظهار كالقتل وأطال في الرد على من ألحقها بكفارة اليمين وككفارة القتل كفارة الجماع وقضية قول المصنف الآتي بل صريحه ويتحلل بالصوم وعلله بأنه ممنوع من المال مع أن دمه دم ترتيب وسببه فعل وهو إحرامه ؛ إذ القصد فعل القلب كما صرحوا به أنه يكفر بالصوم حتى في الكفارة المرتبة التي سببها فعل وهو متجه في كفارة مرتبة لا إثم فيها أما كفارة مرتبة فيها إثم فالوجه أنه يكفر فيها بالمال وبهذا يجمع بين تناقض المتأخرين في ذلك وكذا بين ما أفهمه قول الشيخين ويصوم في كفارة اليمين من اختصاص ذلك بالمخيرة وما يصرح به المتن الآتي من أنه لا فرق بين المخيرة والمرتبة .

وأما النظر لكون السبب فعلا وهو لا يقبل الرفع فغير متضح المعنى ؛ إذ لا فرق بين كفارة الظهار والجماع والقتل ولا بين كفارة اليمين ونحو إلحاق في النسك وسيأتي أن قتل الخطأ ملحق بغيره في وجوب الكفارة فيه على خلاف القياس فكذا يلحق به في وجوب الإعتاق فيها هنا أيضا [ ص: 172 ] ( و ) لا ( هبة ) لشيء من ماله بخلاف قبوله لما أوصى له به كما صرح به كثيرون بل الأكثرون لكن الذي اقتضاه كلامهما أنه لا يصح وكان الفرق بينه وبين صحة قبوله لما وهب له أن قبول الهبة ليس مملكا وإنما المملك القبض وهو لا يعتد به منه إن استقل به بخلاف قبول الوصية فإنه المملك فلم يصح منه ويجوز إقباضه الهبة بحضرة من ينتزعها منه من ولي أو حاكم ولا يضمن واهب سلم إليه ؛ لأنه لا يملك قبل القبض بخلاف من سلم إليه الوصية ؛ لأنه ملكها بالقبول فوجب تسليمها لوليه وعكس شارح لهذا غلط وكذا فرقه بأن ملك الهبة فوق ملك الوصية ( و ) لا ( نكاح ) يقبله لنفسه ( بغير إذن وليه ) قيد في الكل أما بإذنه فسيذكره .

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( قوله المصنف ولو طرأ جنون إلخ ) قد يشمل الوصي وعبارة البهجة

وطارئ الجنون لا يليه ذو الحكم بل للأب أو أبيه

أي : الجد قال في الشرح وسكتوا عن الوصي فيحتمل أنه كالأب والجد ويحتمل وهو الظاهر أنه لا تعود إليه الولاية ا هـ .

ولو أفاق من هذا الجنون مبذرا فهل الولاية بعد الإفاقة لولي الصغر استصحابا لها كما لو بلغ مبذرا أو للقاضي فيه نظر .

( قوله حسا ) أي بأن حجر عليه الحاكم لتبذيره بعد بلوغه رشيدا وقوله أو شرعا [ ص: 171 ] أي بأن بلغ سفيها ( قوله فلا ضرورة للصحة هنا فيهما ) قد يجاب بأن الحاجة قد تدعو للصحة كما لو أمكن الشراء بثمن يسير ولو أخذ بعقد فاسد لزمه القيمة الأكثر من الثمن فكان اللائق الحكم بالصحة ليتمكن من التحصيل باليسير فإذا انعكس الحال بأن كانت القيمة أقل أمكنه التحيل في فساد العقد حتى لا يلزمه زيادة عليها ففي الحكم بالصحة من الرفق به المناسب لحفظ ماله المطلوب ما ليس في عدمه فليتأمل .

( قوله ما يفوت على الولي ) قد يقال هي وإن فوتت الإجبار لم تفوت مقصوده ( قوله لصحة تدبيره ) أي : إنما قيدنا بالحياة لصحته ( قوله ويصوم إلخ ) أي ويكفر في غير القتل بالصوم بخلاف القتل ( قوله كفارة الجماع ) يؤيده أن سببها فعل أيضا .

( قوله ملحق بغيره ) انظر المراد بالإلحاق مع أن كفارة قتل الخطأ منصوصة ( قوله [ ص: 172 ] أنه لا يصح ) أي : ؛ لأنه غير أهل لتملكه بعقد وقوله وكان الفرق إلخ وأيضا فقبوله الهبة على الفور فلو منعناه لربما فاتت لغيبة الولي أو توانيه بخلاف قبوله الوصية ؛ لأنه على التراخي ( قوله سلم إليه ) أي : لا بحضرة من ذكر ( قوله بخلاف من سلم إليه الوصية ) أي : فيضمن ( قوله بالقبول ) أي : منه على القول به أو من وليه .



حاشية الشرواني

( قوله يسن له إلخ ) ولو رأى النداء عليه ليجتنب في المعاملة فعل نهاية ومغني أي : ندبا ع ش قول المتن ( وليه في الصغر ) وهو الأب ثم الجد نهاية ومغني وسم ( قوله وفارق إلخ ) عبارة النهاية والمغني والفرق بين التصحيحين أن السفه مجتهد فيه فاحتاج إلى نظر الحاكم بخلاف الجنون ا هـ .

( قوله بما مر ) أي : في شرح فوليه القاضي قول المتن ( ولا يصح من المحجور عليه لسفه بيع ولا شراء إلخ ) ؛ لأن تصحيح ذلك يؤدي إلى إبطال معنى الحجر نهاية ومغني ( قوله لغير طعام ) إلى قوله وبحث في النهاية والمغني ( قوله حسا ) أي : بأن حجر عليه الحاكم لتبذيره بعد بلوغه رشيدا ( وقوله أو شرعا ) أي : بأن [ ص: 171 ] بلغ سفيها سم وع ش ( قوله ولو بغبطة إلخ ) وإن أذن الولي ا هـ نهاية ( قوله مثله ) أي : المحجور عليه لسفه ( قوله فلا ضرورة للصحة إلخ ) قد يجاب بأن الحاجة قد تدعو للصحة كما لو أمكن الشراء بثمن يسير ولو أخذ بعقد فاسد لزمه القيمة الأكثر من الثمن فكان اللائق الحكم بالصحة ليتمكن من التحصيل باليسير فإن انعكس الحال بأن كانت القيمة أقل أمكنه التحيل في فساد العقد حتى لا يلزمه زيادة عليها ففي الحكم بالصحة من الرفق به المناسب لحفظ ماله المطلوب ما ليس في عدمه فليتأمل ا هـ سم ( قوله هنا ) أي : في الشراء لاضطرار ( فيهما ) أي : في السفيه والصبي ( قوله ولا إجارة نفسه ) عطف على ولا شراء ثم هو إلى قوله وفيه نظر في النهاية ( قوله لاستغنائه ) أي : بماله ا هـ نهاية قال ع ش قوله م ر لاستغنائه بماله يفيد أن المراد بالمقصود ما يحتاج إليه للنفقة بأن كان فقيرا وبغير المقصود ما لا يحتاج إليه لكونه غنيا لكن المتبادر من المقصود ما يقابل بأجرة لها وقع عادة وبغيره التافه ا هـ .

( قوله ملحظه ) أي : النظر كردي ( قوله قولهم للولي إلخ ) عبارة العباب وللولي إجبار الصبي والسفيه على الكسب ا هـ وظاهره أنه لا فرق بين الغني وغيره وبه صرح حج في الفصل الآتي ا هـ ع ش ( قوله ما يفوت على الولي إلخ ) قد يقال هي وإن فوتت الإجبار لم تفوت مقصوده ا هـ سم قضيته أنا إن قلنا بصحتها فليس له قبض الأجرة والتصرف فيه ا هـ سيد عمر ( قوله ادعياها ) أي : الماوردي والروياني كردي ( قوله ولو بعوض ) إلى قوله وبحث في النهاية والمغني ( قوله ولو بعوض ) أي : كالكتابة نهاية ومغني ( قوله لصحة إلخ ) تعليل للتقييد بحال الحياة ( قوله ووصيته ) أي بالعتق كما هو حق المفهوم ؛ إذ الكلام في خصوص الإعتاق ا هـ رشيدي ( قوله ويصوم إلخ ) أي ويكفر في غير القتل بالصوم بخلاف القتل ا هـ سم .

وهذا اعتمده النهاية وفاقا للجمع المذكور لكن لم يرتض به الرشيدي وع ش .

( قوله لا قتل ) عمدا أو غيره ا هـ ع ش ( قوله أن كفارة الظهار كالقتل ) خلافا للنهاية والمغني .

( قوله وككفارة القتل كفارة الجماع ) خلافا للنهاية ووفاقا للمغني وشيخ الإسلام قال سم يؤيده أن سببها فعل أيضا ا هـ .

وقال وهو الأقرب لعصيانه به أي : بالجماع فاستحق التغليظ عليه بوجوب الإعتاق ا هـ .

( قوله الآتي ) أي : في آخر الفصل ( قوله أنه يكفر بالصوم إلخ ) خبر وقضية قول المصنف إلخ ( قوله فيها إثم ) عبارة المغني قال السبكي وكلما يلزمه في الحج من الكفارات المخيرة لا يكفر عنه إلا بالصوم وما كان مرتبا يكفر عنه بالمال ؛ لأن سببه فعل أيضا وقضيته أنه يكفر عنه في كفارة الجماع بالمال وهو الأوجه كما قاله شيخنا ا هـ وظاهرها أن الإثم ليس بقيد عبارة ع ش وفي حاشية الزيادي ويكفر في مخيرة بالصوم فقط انتهى . ومفهومه أنه يكفر في المرتبة لقتل أو غيره بالإعتاق ا هـ .

( قوله وبهذا ) أي : بأن المرتبة التي لا إثم فيها لا يكفر فيها بالإعتاق والتي فيها إثم يكفر فيها بالإعتاق ( قوله في ذلك ) أي : في الكفارة المرتبة ( قوله : إذ لا فرق بين كفارة الظهار إلخ ) أي : في التكفير بالإعتاق مع أن سبب الأول ليس بفعل وقد مر خلافه عن المغني في الأول وعن النهاية في الأولين .

( قوله ملحق بغيره ) انظر المراد بالإلحاق مع أن كفارة قتل الخطأ [ ص: 172 ] مخصوصة ا هـ سم وقد يقال المراد الإلحاق في التعليل وبيان الحكمة .

( قوله ولا هبة لشيء من ماله ) بخلاف الهبة له ؛ لأنه ليس بتفويت وإنما هو تحصيل نهاية ومغني ( قوله بخلاف قبوله لما أوصى له به إلخ ) أي فيصح كما صرح به إلخ ( قوله لكن الذي اقتضاه كلامهما أنه لا يصح ) ؛ لأنه تصرف مالي وهو المعتمد نهاية ومغني ( قوله وكان الفرق بينه ) أي : بين عدم صحة قبوله الوصية على ما اقتضاه كلامهما .

( قوله أن قبوله الهبة إلخ ) وأيضا قبول الهبة يشترط فيه الفور وربما يكون الولي غائبا أو متوانيا فيفوت بخلاف الوصية نهاية ومغني وسم ( قوله وهو لا يعتد به ) أي القبض ( قوله إقباضه ) من إضافة المصدر إلى مفعوله الأول .

( قوله بحضرة من ينتزعها إلخ ) أي : بخلاف إقباضه في غيبة من ذكر فلا يجوز وأطلق النهاية والمغني عدم الجواز .

وقال ع ش قال في شرح الروض وبحث في المطلب جواز تسليم الموهوب إليه إذا كان ثم من ينزعه منه عقب تسلمه من ولي أو حاكم ا هـ .

وقضيته ككلام الشارح أن إقباضه الموهوب مع نزعه منه من ذكر يفيد الملك وإن لم يأذن له وليه في القبض .

( قوله ولا يضمن واهب إلخ ) وفاقا للنهاية والمغني ( قوله سلم إليه ) أي : لا بحضرة من ذكر ا هـ سم .

( قوله بخلاف من سلم إليه الوصية ) فيضمن ا هـ سم زاد المغني والنهاية إذا صححنا قبول ذلك ا هـ قال ع ش وهو الراجح في الهبة دون الوصية ا هـ .

( قوله : لأنه ملكها بالقبول ) أي : منه على القول به أو من وليه ا هـ سم عبارة ع ش قوله بالقبول أي : بقبوله أي على المرجوح والراجح أنه لا يملك ذلك إلا بقبول وليه ا هـ أي : عند النهاية والمغني وإلا فظاهر كلام الشارح صحة قبوله الوصية وفاقا للأكثرين فيتملكها بالقبول قول المتن ( ونكاح بغير إذن وليه ) ؛ لأنه إتلاف للمال أو مظنة إتلاف نهاية ومغني قال ع ش قوله : لأنه إتلاف إلخ أي : بالفعل حيث يزوج بلا مصلحة وقوله أو مظنة إلخ أي إن فرض عدم العلم بانتفاء المصلحة ا هـ وقوله يزوج لعل صوابه يتزوج .

( قوله قيد في الكل ) قاله الشارح وقال غيره يعود إلى النكاح فقط وإنما قال الشارح ذلك لأجل الخلاف الآتي وإلا فكلام غيره أنسب أما قبول النكاح بالوكالة فيصح كما قاله الرافعي في الوكالة ، وأما الإيجاب فلا يصح مطلقا لا أصالة ولا وكالة أذن الولي أم لا مغني ونهاية قال ع ش قوله م ر فيصح إلخ أي إذا كان بإذن وليه ا هـ سم على منهج وظاهر إطلاق الشارح م ر أي : والتحفة والمغني أنه لا فرق بين إذن الولي وعدمه ويأتي في الوكالة ما يوافقه ا هـ .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث