الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( ومن ألف من المسجد ) وإن لم يكن من المساجد العظام خلافا للأذرعي ، ومثله المدرسة ( موضعا يفتى فيه ) الناس ( أو يقرأ ) فيه قرآنا أو علما شرعيا أو آلة له ، أو لتعلم ما ذكر كسماع درس بين يدي مدرس لكن بشرط أن يفيد أو يستفيد كما قاله الأذرعي ، وإلا فلا يستحق شيئا ( كالجالس في شارع لمعاملة ) فيأتي فيه التفصيل المار بل أولى لأن له غرضا في ملازمة ذلك الموضع ليألفه الناس ، وحديث النهي عن اتخاذ المساجد وطنا يستحق مخصوص بما عدا ذلك ،

وأفهم كلام المصنف عدم اشتراط إذن الإمام ، وهو كذلك ولو لمسجد كبير أو جامع اعتيد الجلوس فيه بإذنه في أوجه الوجهين لقوله تعالى { وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا } ولغيره الجلوس في مقعده ، ومحل تدريسه مدة غيبته التي لا يبطل حقه بها لئلا تتعطل منفعة الموضع في الحال ، وكذا حال جلوسه لغير الإقراء أو الإفتاء فيما يظهر لأنه إنما استحق الجلوس فيه لذلك لا مطلقا وما ذكره المصنف في المسجد هو المنقول في الروضة وأصلها عن العبادي والغزالي ، وقال الشيخان : إنه أشبه بمأخذ الباب ، ونقله في شرح مسلم عن الأصحاب ، وهو المعتمد وإن نوزع فيه ( ولو جلس فيه ) أي المسجد [ ص: 346 ] ( لصلاة ) وإن لم يدخل وقتها أو كان الجالس صبيا في الصف الأول فيما يظهر أو استماع حديث أو وعظ ، سواء أكان له عادة بالجلوس بقرب كبير المجلس وانتفع الحاضرون بقربه منه لعلمه ونحوه أم لا كما رجحه في الروضة ( لم يصر أحق به في غيرها ) أي الصلاة ونحوها مما مر لأن لزوم بقعة معينة للصلاة غير مطلوب بل ورد النهي عنه ، [ ص: 347 ] وحينئذ فلا نظر لأفضلية القرب من الإمام أو جهة اليمين وإن انحصر في موضع بعينه لما تقرر من النهي الشامل لهذه الصورة فزال اختصاصه عنها بمفارقتها بعد الصلاة حتى لا يألفها فيقع في رياء ونحوه ، وفارق مقاعد الأسواق بأن غرض المعاملة يختلف باختلافها ، والصلاة ببقاع المسجد لا تختلف ، واعتراض الرافعي بأن ثوابها في الصف الأول أكثر رد بأنه لو ترك له موضعه منه وأقيمت لزم عدم اتصال الصف المستلزم لنقصها فإن تسويته من تمامها ومجيئه في أثنائها لا يجبر الخلل الواقع في أولها وبأن الصف الأول لا يتعين له محل من المسجد بل هو ما يلي الإمام في أي محل كان منه ، فثوابه غير مختلف باختلاف بقاعه ، بخلاف مقاعد الأسواق فإنها مختلفة في ذاتها من حيث اختصاص بعضها بكثرة الواردين فيه وبالوقاية من نحو حر وبرد ، وهذا أولى من الجواب الأول لأنه يلزم قائله التفرقة بين مجيئه قبل فيبقى حقه وبين أن يتأخر عن الإقامة فيبطل حقه ، وهم لم يقولوا بذلك .

وفارق أيضا بيت المدرسة إذا فارقه ساكنه بأن المسجد لا يقصد السكنى فيه ، وإنما تؤلف بقاعه لأجل الصلاة فيها ، بخلاف بيوت المدارس تقصد السكنى بها فاعتبر ما يشعر بالإعراض عنها وهو الغيبة الطويلة ( فلو فارقه ) ولو قبل دخول الوقت فيما يظهر ( لحاجة ) كقضاء حاجة ورعاف وتجديد وضوء وإجابة داع ( ليعود لم يبطل اختصاصه في تلك الصلاة ) وما ألحق بها ( في الأصح ) فيحرم على غيره العالم به الجلوس فيه بغير إذنه وظن رضاه كما هو ظاهر ( وإن لم يترك إزاره فيه ) لخبر مسلم السابق آنفا ، والثاني يبطل كغيرها من الصلوات .

نعم إن أقيمت الصلاة فاتصلت الصفوف فالوجه كما بحثه الأذرعي سد الصف مكانه ، وما استثناه الزركشي من حق السبق ، وهو أنه لو قعد خلف الإمام وليس أهلا للاستخلاف أو كان ثم من هو أحق منه بالإمامة فيؤخر ويتقدم الأحق بموضعه لخبر " ليليني منكم أولو الأحلام والنهى " مردود ، إذ الاستخلاف نادر ولا يختص بمن هو خلفه ، وكيف يترك حق ثابت لمتوهم على أن عموم كلامهم صريح في رده ، ولا شاهد له في الخبر ولا غيره كما أفهمه كلام المصنف بفرش سجادة له قبل حضوره فللغير تنحيتها برجله من غير أن يرفعها بها عن الأرض لئلا تدخل في ضمانه ولو قيل [ ص: 348 ] بحرمة فرشها كما يفعل بالروضة الشريفة وخلف مقام سيدنا إبراهيم صلى الله عليه وسلم وعلى نبينا لم يبعد لما فيه من التضييق على الناس وتحجير المسجد ، ولا نظر لتمكنهم من تنحيتها لأن أكثرهم يهاب ذلك فهو قياس حرمة صوم المرأة بحضرة زوجها وإن كان له قطعه لأنه يهابه على أنه يترتب عليه من المفاسد ما لا يخفى ، وخرج بالصلاة جلوسه لاعتكاف ، فإن لم ينو مدة بطل حقه بخروجه ولو لحاجة وإلا لم يبطل حقه بخروجه أثناءها لحاجة كما لو خرج لغيرها ناسيا كما بحثه الشيخ رحمه الله تعالى ، ويسن منع من جلس فيه لمبايعة أو حرفة ويمنع من هو بحريمه إن أضر بأهله ، ويندب منع الناس من استطراق حلق القراء والفقهاء في الجوامع وغيرها توقيرا لهم

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : أو يقرأ فيه إلخ ) خرج به ما لو جلس لقراءة القرآن فلا يصير أحق به ، ومن ذلك قراءة الأسباع التي تفعل بالمساجد ما لم يكن الشارط لمحله بعينه الواقف للمسجد ، قال سم على حج : وقد يشمل تعليم القرآن بحفظه في الألواح انتهى وهو ظاهر ( قوله أو لتعلم ما ذكر ) ومنه المطالعة في كتاب للتعلم منه فليراجع م ر ا هـ سم على منهج ( قوله : التي لا يبطل حقه بها ) بأن لم يقصد الإعراض عنه ولا طالت غيبته .

وليس من الغيبة ترك الجلوس فيه في الأيام التي جرت العادة ببطالتها ولو أشهرا كما هو العادة في قراءة الفقه في الجامع الأزهر ، ومما لا ينقطع به حقه أيضا ما لو اعتاد المدرس قراءة الكتاب في سنتين وتعلق غرض بعض الطلبة بحضور النصف الأول مثلا في سنته فلا ينقطع حقه بغيبته في الثاني ( قوله : ونقله في شرح مسلم ) من أن الجلوس فيه كالجلوس في الشارع ( قوله ولو جلس فيه ) [ ص: 346 ] أي جلوسا جائزا لا كخلف المقام المانع للطائفين من فضيلة سنة الطواف ثم فإنه حرام على الأوجه ، وبه جزم غير واحد ، وألحقوا به بسط السجادة وإن لم يجلس .

قالوا : ويعزر فاعل ذلك مع العلم بمنعه ، ونوزع في تحريم الجلوس بما لا يجدي ، ومنه الترديد في المزار خلف المقام ، ورد بأن المراد به ما يصدق عليه ذلك عرفا كما هو ظاهر وأنه موضع من المسجد فكيف يعطل عما وضع المسجد له ، وأن صلاة سنة الطواف لا تختص به ، ويرد بأنه امتاز عن بقية أجزاء المسجد بكون الشارع عينه من حيث الأفضلية لهذه الصلاة ووقوف إمام الجمعة فيه فلم يجز لأحد تفويته بجلوس بل ولا صلاة لم يعينه الشارع لهما من حيث الأفضلية ، وأنه يلزم عليه تعطيل محل من المسجد عن العبادة فيه لاحتمال فعل عبادة أخرى .

ويرد بأن محل التحريم كما تقرر في الجلوس فيه في وقت يحتاج الطائفون لصلاة سنة الطواف فيه ، والكلام في جلوس لغير دعاء عقب سنة الطواف لأنه من توابعها ا هـ حج .

أقول : وكما يمنع من الجلوس خلف المقام على ما ذكر يمنع من الجلوس في المحراب وقت صلاة الإمام فيه وكذا يمنع من الجلوس في الصف الأول إذا كان جلوسه يمنع غيره من الصلاة فيه أو يقطع الصف على المصلين ، وهل مثل ذلك ما لو اعتاد الناس الصلاة في موضع من المسجد مع إمكان الصلاة في غيره كبحرة رواق ابن المعمر بالجامع الأزهر فيزعج منه من أراد الجلوس فيه في وقت يفوت على الناس الجماعة فيه ، فيه نظر ، ولا يبعد الإلحاق فليراجع .

وفي سم على حج : فرع : أفتى شيخنا الرملي بجواز وضع الخزانة في المسجد إذا لم تضيق وحصل بسببها نفع عام كمدرس أو مفت يضع فيها من الكتب ما يحتاج إليه في التدريس والإفتاء انتهى .

[ فرع ] وقع السؤال في الدرس عما يقع في قرى مصر من وضع القمح في الجرين ، هل يستحق من اعتاد الوضع بمحل منه وضعه في كل سنة بحيث يصير أحق به من غيره حتى لو رأى من سبقه إلى وضع غلته فيه منعه كمقاعد الأسواق أم لا ؟ فيه نظر ، والجواب عنه أن الظاهر أنه لا يصير أحق به من غيره ، كمن اعتاد الصلاة بمحل من المسجد لأن الغرض يحصل بالوضع في جميع المحال كما أن الصلاة تصح في جميع بقاع المسجد ، ولا نظر إلى أنه قد يتعلق غرضه بموضع منه كقربه من منزله أو بعده عن أطراف المحال التي هي مظنة للسرقة إلى غير ذلك لأن هذه الأغراض لا نظر إليها ، كما أنهم لم ينظروا في بقاع المسجد إلى حصول الثواب بالقرب من الإمام أو كونه بميمنة الصف ونحو ذلك ، ومقاعد الأسواق إنما كان أحق بها لتولد الضرر بانقطاع ألافه عند عدم اهتدائهم لمحله ، فمن سبقه إليه استحقه ، ولا يحصل السبق بوضع علامة في المحل كما لا يحصل الالتقاط بمجرد الوقوف على اللقطة ، وإنما يحصل السبق بالشروع في شغل المحل كوضع شيء من الزرع الذي يراد وضعه في المحل بحيث يعد أنه شرع في التجرين ( قوله : أو استماع حديث ) خرج بالاستماع ما لو جلس لتعلمه من المحدث بأن قرأه على وجه يبين [ ص: 347 ] فيه العلل ومعاني الأحاديث فإنه حينئذ من العلم الشرعي ، وقد تقدم أن الجالس له يصير أحق به ، ومثله في عدم الاستحقاق بطريق الأولى ما اعتاده بعض الفقراء من اتخاذ موضع في المسجد للذكر في كل جمعة مثلا ، فإذا اجتمعوا نظر إن ترتب على اجتماعهم على الهيئة المخصوصة تشويش على أهل المسجد في صلاتهم أو قراءتهم منعوا مطلقا وإلا لم يمنعوا ما داموا مجتمعين فيه ، فإن فارقوه سقط حقهم حتى لو عادوا في نظيره من الجمعة الأخرى فوجدوا غيرهم سبقهم إليه لم يجز لهم إقامته منه ( قوله : لم يبطل اختصاصه ) يفيد أن من جلس في موضع من المسجد لقراءة أو ذكر ثم فارقه لحاجة ليعود لم ينقطع حقه ، وله أن يقيم من جلس مكانه في ذلك الوقت الذي أراد شغله بتلك القراءة لا في وقت آخر فليتأمل ا هـ سم على حج .

أقول : ومنه ما اعتيد من القراءة في المصاحف التي توضع في يوم الجمعة أو رمضان أو غيرهما ، فلو أحدث من يريد القراءة فيه فقام ليتطهر لم يبطل حقه منه في ذلك الوقت وإن لم يترك متاعه فيه ، بخلاف ما لو انتهت قراءته في يوم ففارقه ثم عاد فلا حق له ( قوله : وما ألحق بها ) أي مما اعتيد فعله بعد الصلاة من الاشتغال بالأذكار ونحوها ، أو ما ألحق بها من استماع الحديث والوعظ ونحوهما ، ومثله ما لو أراد صلاة الضحى أو الوتر ففعل بعضها ثم طرأت له حاجة فلا ينقطع حقه بذهابه إليها لأنها كلها تعد صلاة واحدة ، وينبغي أن النفل المطلق مثل ذلك ( قوله : الجلوس فيه ) وينبغي أن المراد بالجلوس على وجه يمنعه منه إذا جاء : أما إذا جلس على وجه أنه إذا جاء قام له عنه فلا وجه لمنعه من ذلك ا هـ سم .

أقول : وينبغي أن محله حيث لم يؤد جلوسه فيه إلى امتناع الأول من المجيء له حياء أو خوفا وإلا امتنع ( قوله : لئلا تدخل في ضمانه ) [ ص: 348 ] قضية قوله من غير أن يرفعها عدم جواز ذلك ، وقوله لئلا تدخل في إلخ يقتضي خلافه ، وهو ظاهر لأنها وضعت بغير حق فلا مانع من إزالتها وإن دخلت في ضمانه ( قوله : فإنه لم ينو مدة إلخ ) قد يؤخذ من هذا التفصيل في الاعتكاف أنه لو جلس لقراءة مثلا ، فإن لم ينو قدرا بطل حقه بمفارقته وإلا لم يبطل بذلك بل يبطل حقه إلى الإتيان بما قصده وإن خرج لحاجة وعاد ا هـ سم .

أقول : وقد يمنع الأخذ بأن المسجد شرط الاعتكاف ، بخلاف القراءة إلا أن يقال الاعتكاف كما يصح في المحل الذي فارقه يصح في غيره ، فبقاع المسجد بالنسبة للاعتكاف مستوية ( قوله : بطل حقه بخروجه ) ويصدق في دعواه نية المدة ليكون أحق من غيره إذا عاد لأن ذلك لا يعرف إلا منه ، وظاهره أنه يبطل حقه بخروجه وإن نوى العود حالة الخروج وقد مر في باب الاعتكاف أنه إذا خرج على نية أن يعود لم يحتج إلى تجديد نية إذا عاد ، وعليه فينبغي أنه لا يبطل حقه في هذه الحالة ( قوله : ويسن منع من جلس ) أي مثلا ، وقوله فيه : أي المسجد ، وقوله أو حرفة : أي لا تليق بالمسجد كخياطة بخلاف نسخ كتب العلم ونحوها ( قوله : ويمنع من هو إلخ ) أي فيحرم جلوسه حينئذ للإضرار المذكور ( قوله ويندب منع الناس ) عبارة حج ويمنع مستطرق لحلقة علم إلخ انتهى : أي ندبا أخذا من كلام الشارح .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث