الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سورة التوبة

قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون .

[29] قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون لا يعتقدون دين الحق الإسلام.

من الذين أوتوا الكتاب اليهود والنصارى.

حتى يعطوا الجزية هي: الخراج المضروب على رقابهم على وجه الصغار بدلا عن قتلهم وإقامتهم بدارنا، مشتقة من الجزاء، إما جزاء على كفرهم؛ لأخذها منهم صغارا، أو جزاء على أماننا لهم؛ لأخذها منهم رفقا.

عن يد قهر وذل وهم صاغرون أذلاء مقهورون، فيعطونها من قيام والآخذ جالس. [ ص: 175 ]

واتفق الأئمة على أن الجزية تضرب على أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى ومن يوافقهم في التدين بالتوراة والإنجيل؛ كالسامرة، والفرنج، ومن له شبهة كتاب، وهم المجوس. واختلفوا في عبدة الأوثان، فقال أبو حنيفة: تؤخذ من أهل العجم منهم دون العرب، وقال مالك: تؤخذ من عبدة الأوثان ونصارى العرب وكل كافر يصح سباه سوى قريش، وقال الشافعي وأحمد: لا تؤخذ من عبدة الأوثان مطلقا.

واتفقوا على عدم قبولها من المرتد، وأنه لا يقر على الردة.

واتفقوا على عدم وجوبها على النساء والصبيان والعبيد.

واختلفوا في الراهب والشيخ والهرم والزمن والأعمى والفقير الغير معتمل، فقال الشافعي: تجب عليهم، وتستقر في ذمة الفقير حتى يوسر، وقال الثلاثة: لا تجب عليهم.

واختلفوا في قدرها، فقال أبو حنيفة: هي ضربان: أحدهما: ما يوضع بالتراضي، فلا يتعدى عنها، والثاني: يضعها الإمام إذا غلب على الكفار، وأقرهم على ملكهم، فيضع على الغني في كل سنة ثمانية وأربعين درهما، وعلى المتوسط نصفها، وعلى الفقير المعتمل ربعها، وتجب في أول الحول، وتؤخذ في كل شهر بقسطه، وافقه أحمد في تقديرها بذلك، وقال: تؤخذ في آخر كل حول، وقال مالك: قدرها أربعون درهما على أهل الورق، وأربعة دنانير على أهل الذهب في آخر الحول، وقال الشافعي: أقلها دينار، ويستحب للإمام مماكسته حتى يأخذ من المتوسط دينارين، ومن الغني أربعة في آخر الحول. [ ص: 176 ]

واختلفوا في نصارى بني تغلب، وهم قوم ذوو شوكة من العرب، انتقلوا في الجاهلية إلى النصرانية، فطلب عمر رضي الله عنه منهم الجزية، فأبوا، وطلبوا أن يؤخذ منهم كالزكاة من المسلمين، فأبى عمر، ثم خاف أن يلحقوا بالروم، فصالحهم على أن يضاعف عليهم مثل زكاة المسلمين بمحضر من الصحابة، فقال أبو حنيفة وأحمد؛ يؤخذ منهم مثل ما يؤخذ من زكاة المسلمين، والمأخوذ منهم واجب بشرط الزكاة وأسبابها، فلا تؤخذ من فقير، ولا ممن ماله غير زكوي، ومصرفه مصرف الجزية، فأبو حنيفة خص الأخذ بالرجال منهم والنساء دون الصبيان، وأحمد قال: يؤخذ من نسائهم ومن صبيانهم أيضا، ومجانينهم، وكذا الحكم عنده في نصارى العرب ويهودهم ومجوسهم، وقال مالك والشافعي: لا يؤخذ من نسائهم وصبيانهم، وحكمهم كغيرهم في ذلك.

واختلفوا في سقوط الجزية بالإسلام والموت بعد وجوبها، فقال أبو حنيفة: تسقط بهما، وقال مالك وأحمد: تسقط بالإسلام دون الموت، وقال الشافعي: لا تسقط بهما.

* * *

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث