الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل التاسع في ذكر شيء من رسائله ومكاتباته إلى أصحابه

(الفصل التاسع: في ذكر شيء من رسائله ومكاتباته إلى أصحابه)

قال ابن السمعاني: قرأت في كتاب كتبه الغزالي إلى أبي حامد أحمد بن سلامة بالموصل فقال في خلال فصوله: أما الوعظ فلا أرى نفسي أهلا له; لأن الوعظ زكاة نصابه الاتعاظ، فمن لا نصاب له كيف يخرج الزكاة؟ وفاقد الثوب كيف يستر به غيره؟! ومتى يستقيم الظل والعود أعوج؟! وقد أوحى الله إلى عيسى -عليه السلام- عظ نفسك، فإن اتعظت فعظ الناس، وإلا فاستح مني .

وقال ابن السمعاني أيضا: سمعت أبا نصر الفضل بن الحسن بن علي المقرئ مذاكرة بمرو يقول: دخلت على الإمام أبي حامد مودعا فقال لي: احمل هذا الكتاب إلى المعين أبي القاسم البيهقي، ثم قال: وفيه شكاية على العزيز المتولي للأوقاف بطوس، وكان ابن أخي المعين، فقلت له: كنت بهراة عند عمه المعين، وكان العمان الطوسي جاء بمحضر في الثناء على المعين وعليه خطك، وكان عمه قد طرده، وهجره، فلما رأى خطك وثناءك عليه قر به، ورضي عنه، فقال الإمام الغزالي: سلم الكتاب إلى المعين، واقرأ عليه هذا البيت، وأنشد:


ولم أر ظلما مثل ظلم ينالنا يساء إلينا ثم نؤمر بالشكر

ذكر الرسالة التي كتبها إلى بعض أهل عصره ما نصه: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة على سيد المرسلين محمد وآله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد انتسج بيني وبين الشيخ الأجل معتمد الملك أمير الدولة -غرس الله تأييده- بواسطة القاضي الجليل الإمام مروان -زاده الله توفيقا- من الوداد، وحسن الاعتقاد ما يجري مجرى القرابة، ويقتضي دوام المكاتبة والمواصلة، وإني لا أصله بصلة أفضل من نصيحة توصله إلى الله وتقربه إليه زلفى، وتحله الفردوس الأعلى; فالنصيحة هي هدية العلماء، وإنه لن يهدى إلي تحفة أكرم من قبوله لها، وإصغائه بقلب فارغ عن ظلمات الدنيا إليها، وإني أحذره إذا ميزت عنده أرباب القلوب أحرار الناس أن يكون إلا في زمرة الكرام الأكياس .

وقد قيل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من أكرم الناس؟ فقال: أتقاهم، فقيل: من أكيس الناس؟ فقال: أكثرهم للموت ذكرا، وأشدهم استعدادا".

وقال -صلى الله عليه وسلم-: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله المغفرة" وأشد الناس غباوة وجهلا من تهمه أمور دنياه التي تختطف عند الموت ولا يهمه أن يعرف أنه من أهل الجنة أو النار، وقد عرفه الله تعالى ذلك حيث قال: إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم وقال: فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وقال: من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها إلى قوله وباطل ما كانوا يعملون .

وإني أوصيه أن يصرف إلى هذا المهم همته، وأن [ ص: 13 ] يحاسب نفسه قبل أن يحاسب ويراقب سريرته وعلانيته وقصده وهمته وأفعاله وأقواله وإصداره وإيراده أهي مقصورة على ما يقربه من الله تعالى ويوصله إلى سعادة الأبد، أو هي مصروفة إلى ما يعمر دنياه، ويصلحها له إصلاحا منغصا، مشوبا بالكدورات، مشحونا بالهموم والغموم، ثم يختمها بالشقاوة والعياذ بالله، فليفتح عين بصيرته، ولتنظر نفس ما قدمت لغد، وليعلم أنه لا مشفق ولا ناظر لنفسه سواه، وليتدبر ما هو بصدده، فإن كان مشغولا بعمارة ضيعة فلينظر كم من قرية أهلكها الله وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها بعد عمالها، وإن كان مقبلا على استخراج ماء أو عمارة نهر فليفكر كمن من بئر معطلة بعد عمارها، وإن كان مهتما بتأسيس بناء فليتأمل كم من قصور مشيدة البنيان محكمة القواعد والأركان أظلمت بعد سكانها، وإن كان معتنيا بعمارة الحدائق والبساتين فليعتبر كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم الآية، وليقرأ قوله تعالى: أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون وإن كان مشغوفا -والعياذ بالله- بخدمة سلطان فليذكر ما ورد في الخبر أنه ينادي مناد يوم القيامة: أين الظلمة وأعوانهم؟ فلا يبقى أحد منهم مد لهم دواة أو برى لهم قلما فما فوق ذلك إلا أحضروا، فيجمعون في تابوت من نار فيلقون في جهنم .

وعلى الجملة فالناس كلهم إلا من عصم الله نسوا الله فنسيهم، فأعرضوا عن التزود للآخرة، وأقبلوا على طلب أمرين: الجاه والمال، فإن كان هو في طلب جاه ورئاسة فليتذكر ما ورد به الخبر أن الأمراء والرؤساء يحشرون يوم القيامة في صور الذر تحت أقدام الناس، يطؤنهم بأقدامهم، وليقرأ ما قال تعالى في كل متكبر جبار .

وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "يكتب الرجل جبارا وما يملك إلا أهل بيته" أي: إذا طلب الرياسة بينهم، وتكبر عليهم، وقد قال -عليه السلام-: "ما ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم بأكثر فسادا من حب الشرف في دين الرجل المسلم".

وإن كان في طلب المال وجمعه فليتأمل قول عيسى -عليه السلام-: "يا معشر الحواريين، مسرة في الدنيا مضرة في الآخرة، بحق أقول: لا تدخل الأغنياء ملكوت السماء" .

وقد قال نبينا -صلى الله عليه وسلم-: "يحشر الأغنياء أربع فرق; رجل جمع مالا من حرام، وأنفقه في حرام، فيقال: اذهبوا به إلى النار، ورجل جمع مالا من حرام وأنفقه في حلال، فيقال: اذهبوا به إلى النار، ورجل جمع مالا من حلال وأنفقه في حرام، فيقال: اذهبوا به إلى النار، ورجل جمع مالا من حلال وأنفقه في حلال، فيقال: قفوا هذا وسلوه، لعله ضيع بسبب غناه فيما فرضناه عليه، أو قصر في الصلاة، أو في وضوئها، أو في ركوعها، أو سجودها، أو خشوعها، أو ضيع شيئا من فرض الزكاة والحج، فيقول الرجل: جمعت المال من حلال وأنفقته في حلال، وما ضيعت شيئا من حدود الفرائض، بل أتيت بتمامها، فيقال: لعلك باهيت بمالك واختلت في شيء من ثيابك، فيقول: يا رب ما باهيت بمالي، ولا اختلت في ثيابي، فيقال: لعلك فرطت فيما أمرناك من صلة الرحم، وحق الجيران والمساكين، وقصرت في التقديم والتأخير والتفضيل، والتعديل، ويحيط به هؤلاء فيقولون: ربنا أغنيته بين أظهرنا وأحوجتنا إليه، فقصر في حقنا، فإن ظهر تقصير ذهب به إلى النار، وإلا قيل له: قف هات الآن شكر كل نعمة، وكل شربة، وكل أكلة، وكل لذة، فلا يزال يسأل ويسأل".

فهذه حال الأغنياء الصالحين المصلحين القائمين بحقوق الله أن يطول وقوفهم في العرصات، فكيف حال المفرطين المنهمكين في الحرام والشبهات، المكاثرين به، المتبعين لشهواتهم، الذين قيل لهم: ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر .

فهذه المطالب الفاسدة هي التي استولت على قلوب الخلق، تسخرها للشيطان، وتجعلها ضحكة له، فعليه وعلى كل مستمر في عداوة نفسه أن يتعلم علاج هذا المرض الذي حل بالقلوب، فعلاج مرض القلوب أهم من علاج مرض الأبدان، ولا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم، وله دواءان: أحدهما ملازمة ذكر الموت، وطول التأمل فيه مع الاعتبار بخاتمة الملوك وأرباب الدنيا، كيف جمعوا كثيرا، وبنوا قصورا، وفرحوا بالدنيا بطرا وغرورا، فصارت قصورهم قبورا، وأصبح جمعهم هباء منثورا، وكان أمر الله قدرا مقدورا أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون .

فقصورهم وأملاكهم ومساكنهم صوامت ناطقة، تشهد بلسان حالها على غرور عمالها، فانظر الآن في [ ص: 14 ] جميعهم هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا .

الدواء الثاني: تدبر كتاب الله تعالى؛ ففيه شفاء ورحمة للعالمين، وقد أوصى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بملازمة هذين الواعظين فقال: "تركت فيكم واعظين صامتا وناطقا; الصامت الموت، والناطق القرآن" وقد أصبح أكثر الناس أمواتا عن كتاب الله تعالى وإن كانوا أحياء في معايشهم، وبكما عن كتاب الله وإن كانوا يتلونه بألسنتهم، وصما عن سماعه وإن كانوا يسمعونه بآذانهم، وعميا عن عجائبه وإن كانوا ينظرون إليه في مصاحفهم، وأميين في أسراره ومعانيه، وإن كانوا يشرحونه في تفاسيرهم، فاحذر أن تكون منهم، وتدبر أمرك وأمر من لم يتدبر، كيف ندم وتحسر، وانظر في أمرك وأمر من لم ينظر في أمر نفسه كيف خاب عند الموت وخسر، واتعظ بآية واحدة في كتاب الله ففيه مقنع وبلاغ لكل ذي بصيرة، قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون إلى آخرها .

وإياك ثم إياك أن تشتغل بجمع المال؛ فإن فرحك به ينسيك أمر الآخرة، وينزع حلاوة الإيمان من قلبك، قال عيسى -عليه السلام-: "لا تنظروا إلى أموال أهل الدنيا فإن بريق أموالهم يذهب بحلاوة إيمانكم" وهذه ثمرة مجرد النظر، فكيف عاقبة الجمع والطغيان والبطر؟!

وأما القاضي الجليل الإمام مروان -أكثر الله في أهل العلم أمثاله- فهو قرة العين، وقد جمع بين الفضيلتين العلم والتقوى، ولكن الاستتمام بالدوام، ولا يتم الدوام إلا بمساعدة من جهة، ومعاونة له عليه بما يزيد في رغبته، ومن أنعم الله عليه بمثل هذا الولد النجيب، فينبغي أن يتخذه ذخرا للآخرة، ووسيلة إلى الله تعالى، وأن يسعى في فراغ قلبه لعبادة الله تعالى، ولا يقطع عليه الطريق إلى الله تعالى، وأول الطريق إلى الله تعالى طلب الحلال، والقناعة بقدر القوت من المال، وسلوك سبيل التواضع، والنزوع من رعونات أهل الدنيا التي هي مصائد الشيطان، هذا مع الهرب من مخالطة الأمراء والسلاطين، ففي الخبر: "إن الفقهاء أمناء الله ما لم يدخلوا في الدنيا، فإذا دخلوا فيها فاتهموهم على دينكم".

وهذه أمور قد هداه الله إليها، ويسرها عليه، فينبغي أن يمده ببركة الرضا، ويمده بالدعاء، فدعاء الوالد أعظم ذخرا وعدة في الآخرة والأولى .

وينبغي أن يقتدي به فيما يأمره من النزوع عن الدنيا، والولد وإن كان فرعا فربما صار بمزيد العلم أصلا؛ ولذلك قال إبراهيم -عليه السلام-: يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك الآية، وليجتهد أن يجبر تقصيره في القيامة بتوفير ولده الذي هو فلذة كبده، فأعظم حسرة أهل النار في القيامة فقدهم في القيامة حميما يشفع لهم، قال الله تعالى: فليس له اليوم ها هنا حميم .

أسأل الله أن يصغر في عينه الدنيا التي هي صغيرة عند الله، وأن يعظم في عينه الذي هو عظيم عنده، وأن يوفقنا وإياه لمرضاته، ويحله الفردوس الأعلى من جناته بمنه وفضله وكرمه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث