الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الوظيفة الثامنة أن يكون المعلم بنفسه عاملا بعلمه

جزء التالي صفحة
السابق

الوظيفة الثامنة أن يكون المعلم عاملا بعلمه فلا يكذب قوله فعله لأن العلم يدرك بالبصائر والعمل يدرك بالأبصار وأرباب الأبصار أكثر .

فإذا خالف العمل العلم منع الرشد وكل من تناول شيئا وقال للناس : لا تتناولوه فإنه سم مهلك سخر الناس به واتهموه وزاد حرصهم على ما نهوا عنه فيقولون لولا أنه أطيب الأشياء وألذها لما كان يستأثر به .

ومثل المعلم المرشد من المسترشدين مثل النقش من الطين والظل من العود فكيف ينتقش ، الطين بما لا نقش فيه ، ومتى استوى الظل والعود أعوج ، ولذلك قيل في المعنى .


لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم

وقال الله تعالى أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ولذلك كان وزر العالم في معاصيه أكثر من وزر الجاهل إذ يزل بزلته عالم كثير ويقتدون به ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ولذلك قال علي رضي الله عنه : قصم ظهري رجلان عالم متهتك وجاهل متنسك فالجاهل يغر الناس بتنسكه والعالم يغرهم بتهتكه والله أعلم .

التالي السابق


( الوظيفة الثامنة) من وظائف المعلم:

( أن يكون المعلم) بنفسه ( عاملا بعلمه) ظاهرا أثر ذلك على جوارحه ( فلا يكذب قوله فعله) ولا يخالف باطنه ظاهره ( لأن العلم) نور إلهي ( يدرك بالبصائر) وهو محجوب عن الإحساس ( والعمل) شغل الجوارح وهو ( يدرك) ظاهرا ( بالأبصار وأرباب الأبصار) المشاهدون بإحساساتهم ( أكثر) من [ ص: 347 ] أرباب البصائر ( فإذا خالف العمل العلم) ولو في بعض الجزئيات ( منع الرشد) في نفسه والإرشاد لغيره لا محالة ونص الذريعة والواعظ ما لم يكن مع مقاله فعاله لا ينتفع به وذلك أن عمله يدرك بالبصر وعلمه يدرك بالبصيرة وأكثر الناس أصحاب الأبصار دون البصائر فيجب أن تكون عنايته بإظهار عمله الذي يدركه جماعتهم أكثر من عنايته بالعلم الذي لا يدرك إلا بالبصيرة اهـ .

( ومن) المعلوم ( كل من تناول شيئا) وتعاطاه واختاره لنفسه ( وقال للناس: لا تتناولوه) ، ولا تقربوا منه ( فإنه سم مهلك) يضر بآخرتكم أو دنياكم ( سخر الناس به) ، واستهزأوا به ( واتهموه) في دينه وعلمه وورعه، ( وزاد حرصهم عليه) أي: على تناول المنهي عنه، وكذلك بالعكس إذا نهي عن شيء ثم ارتكبه، وهذا أصل أصيل في إرشاد الطالبين وتسليك المبتدئين ولا سيما في الوعظ ومجالس العامة، فإن الائتمار بما سيأمره لهم أولا والانصياع به أوقع في قلوب السامعين وأقرب إلى أذهان الراغبين; ولذلك كان بعض الوعاظ لا يذكر لهم في فضائل العتق حتى أمكنه الله من شراء رقيق فأعتقه، فذكر لهم فضل من أعتق لله تعالى حتى يكون له تأثير في قلوبهم ومن لم يكابد الليل وسهره وقيامه فكيف يسمع منه فضل من قامه وأحياه ومتى اختار لنفسه وصفا ونهاهم عن ارتكابه يعجبون ( فيقولون لو لا أنه أعظم الأشياء وألذها) عنده ( لما كان يستأثر به) ، ويختص لنفسه .

ونص الذريعة: ومنزلة الواعظ من الموعوظ منزلة المداوي من المداوى، فكما أن الطبيب إذا قال للناس: لا تأكلوا هذا; فإنه سم، ثم رأوه آكلا له عد سخرية وهزوا، كذلك الواعظ إذا أمر بما لا يعلمه، وبهذا النظر قيل: يا طبيب طب نفسك، ( و) إنما ( مثل المعلم المرشد من) المتعلم ( المسترشد مثل النقش من الطين) الذي يبنى به الجدار ونحوه ( و) مثل ( العود) أي: عود الشجرة ( من الظل، وكيف ينقش الطين بما لا نقش فيه، ومتى استوى الظل والعود أعوج، فإذا اعوج العود اعوج الظل) ، وفي الذريعة: وأيضا فالواعظ من الموعوظ يجري مجرى الطابع من المطبوع، فكما أنه محال أن ينطبع الطين على الطابع بما ليس منتقشا به كذلك محال أن يحصل في نفس الموعوظ ما ليس بموجود من الواعظ، فإذا لم يكن الواعظ إلا القول مجرد من الفعل لم يتلق عنه الموعوظ إلا القول دون الفعل، وأيضا فإن الواعظ يجري مجرى الظل من ذي الظل وكما أنه محال أن يعوج ذو الظل والظل مستقيم، كذلك محال أن يعوج الواعظ ويستقيم الموعوظ اهـ .

وقال ابن السمعاني: قرأت في كتاب كتبه الغزالي إلى أبي حامد أحمد بن سلامة بالموصل فقال: في خلال فصوله أما الوعظ فلست أرى نفسي أهلا له; لأن الوعظ زكاة نصابه الاتعاظ فمن لا نصاب له كيف يخرج الزكاة؟ وفاقد النور كيف يستنير به غيره؟ ومتى يستقيم الظل والعود أعوج؟ إلى آخر ما ذكر، وقد ذكر في خلال فصول المقدمة وسيأتي شيء من ذلك في الباب السادس ولا يخفى أن هذا وما في الذريعة في مورد الوعظ وقاس المصنف عليه التعليم والإرشاد لقرب منزلتهما وقوله متى يستقيم إلخ، مصراع بيت كامل جرى مجرى الأمثال المشهورة المفيدة ( ولذلك قيل في المعنى

لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم

وقال الله تعالى) في كتابه العزيز: ( أتأمرون الناس بالبر ) قال البيضاوي: تقرير مع توبيخ وتعجيب، والبر يتناول كل خير ( وتنسون أنفسكم ) وتتركونها قال ابن عباس: نزلت في أحبار المدينة كانوا يأمرون سرا من نصحوه باتباع محمد صلى الله عليه وسلم ولا يتبعونه وأنتم تتلون الكتاب تبكيت كقوله: وأنتم تعلمون ، أي تتلون التوراة وفيها الوعيد على العناد ومخالفة القول العمل، ومثله في قوله عز وجل بذم الشعراء فقال: وأنهم يقولون ما لا يفعلون . وكذلك قوله: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ، وأخرج عبد بن حميد عن أبي خالد الوالي قال: جلسنا عند خباب بن الأرت فسكتنا فقلنا ألا تحدثنا فإنما جلسنا إليك لذلك؟ فقال: أتأمرون أن أقول ما لا أفعل ( ولذلك كان وزر العالم) بكسر اللام ( في معاصيه) إذا ارتكبها ( أكثر) من وزر الجاهل لما سيأتي من قول أبي الدرداء رضي الله عنه: ويل للجاهل مرة وويل للعالم سبع مرات ( إذ يزل بزلته عالم فيقتدون به) مقرين عليه ومن زلة العالم زلة العالم وفي العالم والعالم [ ص: 348 ] جناس كامل ( و) قد ورد ( من سن) في الإسلام ( سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها) وهي قطعة من حديث وتمامه من بعده: من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا، أخرجه الإمام أحمد ومسلم والترمذي، والنسائي وابن ماجه، من طرق، والدارمي وأبو عوانة وابن حبان كلهم عن جرير وأوله: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئا.

وفي الباب عن حذيفة، وأبي جحيفة، وأبي هريرة وواثلة رضي الله عنهم، وقد تقدم في خطبة هذا الشرح إيماء إلى ذلك فراجعه، ولم يذكره الحافظ العراقي في تخريجه وكأنه لعدم ذكر المصنف في أوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل ساقه مساق كلامه وإلا فلا يخفى مثل ذلك عليه، وقد ساق صاحب الذريعة هذا السياق، وفيه زيادة لم يذكرها المصنف فقال: وأيضا فكل شيء له حالة يختص بها فإنه يجر غيره إلى نفسه، بقدر وسعه بإرادة منه أو غير إرادة كالماء الذي يحيل ما يتلقاه من العناصر إلى نفسه بقدر وسعه وكذلك النار والأرض والهواء قالوا: عظ إذا كان غاديا جر بفيه غيره إلى نفسه فمن ترشح للوعظ ثم فعل فعلا قبيحا اقتدى به غيره فقد جمع وزره ووزرهم، كما قال عليه السلام: من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، وقال تعالى: ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ، وقال تعالى وليحملن أثقالهم الآية، اهـ .

( ولذلك قال علي رضي الله عنه: قصم ظهري رجلان عالم متهتك وجاهل متنسك فالجاهل يغر الناس بنسكه والعالم ينفرهم بتهتكه) هذا الأثر لم أجده في الحلية بلفظه وفي القوت: وروينا عن علي رضي الله عنه ما قطع ظهري في الإسلام إلا رجلان عالم فاجر ومبتدع ناسك فالعالم الفاجر يزهد الناس في علمه لما يرون من فجوره والمبتدع الناسك يرغب الناس في بدعته لما يرون نسكه اهـ .

ونص الذريعة حق الواعظ أن يتعظ ثم يعظ ويبصر ثم يبصر ويهتدي ثم يهدي ولا يكون دفترا يفيد ولا يستفيد ومسنا يشحذ ولا يقطع، بل يكون كالشمس التي تفيد القمر الضوء ولها أفضل مما تفيده وكالنار التي تحمي الحديد ولها من الحمو أكثر مما تفيد ويجب أن لا يخدج مقاله بفعاله ولا يكذب لسان بحاله فيكون ممن وصفهم الله تعالى بقوله: ومن الناس من يعجبك قوله . الآية ونحو ما قال علي رضي الله عنه: قصم ظهر فساقه إلخ، ولكن بتقديم الجاهل على العالم والباقي سواء .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث