الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الكلام على البسملة

والتشغيب على من آثر النزوع قليلا عن مراسم الخلق ومال ميلا يسيرا عن ملازمة الرسم إلى العمل بمقتضى العلم طمعا في نيل ما تعبده الله تعالى به من تزكية النفس وإصلاح القلب وتداركا لبعض ما فرط من إضاعة العمر يائسا عن تمام حاجتك في الحيرة .وانحيازا عن غمار من قال فيهم صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه " أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله سبحانه بعلمه " ولعمري إنه لا سبب لإصرارك على التكبر إلا الداء الذي عم الجم الغفير بل شمل الجماهير من القصور عن ملاحظة ذروة هذا الأمر والجهل بأن الأمر إد والخطب جد والآخرة مقبلة والدنيا مدبرة والأجل قريب والسفر بعيد والزاد طفيف والخطر عظيم والطريق سد وما سوى الخالص لوجه الله من العلم والعمل عند الناقد البصير رد وسلوك طريق الآخرة مع كثرة الغوائل من غير دليل ولا رفيق متعب ومكد .

فأدلة الطريق هم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء وقد شغر منهم الزمان ولم يبق إلا المترسمون وقد استحوذ على أكثرهم الشيطان واستغواهم الطغيان وأصبح كل واحد بعاجل حظه مشغوفا فصار يرى المعروف منكرا والمنكر معروفا حتى ظل علم الدين مندرسا ومنار الهدى في أقطار الأرض منطمسا ولقد خيلوا إلى الخلق أن لا علم إلا فتوى حكومة تستعين به القضاة على فصل الخصام عند تهاوش الطغام أو جدل يتدرع به طالب المباهاة إلى الغلبة والإفحام أو سجع مزخرف يتوسل به الواعظ إلى استدراج العوام إذ لم يروا ما سوى هذه الثلاثة مصيدة للحرام وشبكة للحطام .

فأما علم طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح مما سماه الله سبحانه في كتابه فقها وحكمة وعلما وضياء ونورا وهداية ورشدا فقد أصبح من بين الخلق مطويا وصار نسيا منسيا .

ولما كان هذا ثلما في الدين ملما وخطبا مدلهما رأيت الاشتغال بتحرير هذا الكتاب مهما إحياء لعلوم الدين ، وكشفا عن مناهج الأئمة المتقدمين وإيضاحا لمباهي العلوم النافعة عند التبيين والسلف الصالحين .

وقد أسسته على أربعة أرباع وهي ربع العبادات وربع العادات وربع المهلكات وربع المنجيات وصدرت الجملة بكتاب العلم لأنه غاية المهم لأكشف أولا عن العلم الذي تعبد الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم الأعيان بطلبه ؛ إذ قال رسول الله صلى الله .عليه وسلم " طلب العلم فريضة على كل مسلم " وأميز فيه العلم النافع من الضار إذ قال صلى الله عليه وسلم " نعوذ بالله من علم لا ينفع " وأحقق ميل أهل العصر عن شاكلة الصواب وانخداعهم بلامع السراب واقتناعهم من العلوم بالقشر عن اللباب .

ويشتمل ربع العبادات على عشرة كتب .

كتاب العلم وكتاب قواعد العقائد وكتاب أسرار الطهارة وكتاب أسرار الصلاة وكتاب أسرار الزكاة وكتاب أسرار الصيام وكتاب أسرار الحج وكتاب آداب تلاوة القرآن وكتاب الأذكار والدعوات وكتاب ترتيب الأوراد في الأوقات .

وأما ربع العادات فيشتمل على عشرة كتب .

كتاب آداب الأكل وكتاب آداب النكاح وكتاب أحكام الكسب وكتاب الحلال والحرام وكتاب آداب الصحبة والمعاشرة مع أصناف الخلق وكتاب العزلة وكتاب آداب السفر وكتاب السماع والوجد وكتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكتاب آداب المعيشة وأخلاق النبوة .

وأما ربع المهلكات فيشتمل على عشرة كتب .

كتاب شرح عجائب القلب وكتاب رياضة النفس وكتاب آفات الشهوتين شهوة البطن وشهوة الفرج وكتاب آفات اللسان وكتاب آفات الغضب والحقد والحسد وكتاب ذم الدنيا وكتاب ذم المال والبخل وكتاب ذم الجاه والرياء وكتاب ذم الكبر والعجب وكتاب ذم الغرور .

وأما ربع المنجيات فيشتمل على عشرة كتب :

كتاب التوبة، وكتاب الصبر والشكر ، وكتاب الخوف والرجاء، وكتاب الفقر والزهد، وكتاب التوحيد والتوكل، وكتاب المحبة والشوق والأنس والرضا، وكتاب النية والصدق والإخلاص، وكتاب المراقبة والمحاسبة، وكتاب التفكر، وكتاب ذكر الموت .

فأما ربع العبادات فأذكر فيه خفايا آدابها ودقائق سننها وأسرار معانيها ما يضطر العالم العامل إليه ، بل لا يكون من علماء الآخرة من لا يطلع عليه وأكثر ذلك مما أهمل في فن الفقهيات .

وأما ربع العادات فأذكر فيه أسرار المعاملات الجارية بين الخلق وأغوارها ودقائق سننها وخفايا الورع في مجاريها وهي مما لا يستغني عنها متدين .

وأما ربع المهلكات فأذكر فيه كل خلق مذموم ورد القرآن بإماطته وتزكية النفس عنه ، وتطهير القلب منه ، وأذكر من كل واحد من تلك الأخلاق حده وحقيقته ثم أذكر سببه الذي منه يتولد ثم الآفات التي عليها تترتب ، ثم العلامات التي بها تتعرف ، ثم طرق المعالجة التي بها منها يتخلص كل ذلك مقرونا بشواهد الآيات والأخبار والآثار .

وأما ربع المنجيات فأذكر فيه كل خلق محمود وخصلة مرغوب فيها من خصال المقربين والصديقين التي بها يتقرب العبد من رب العالمين . وأذكر في كل خصلة حدها وحقيقتها ، وسببها الذي به تجتلب ، وثمرتها التي منها تستفاد ، وعلامتها التي بها تتعرف ، وفضيلتها التي لأجلها فيها يرغب مع ما ورد فيها من شواهد الشرع والعقل ولقد صنف الناس في بعض هذه المعاني كتبا ولكن يتميز هذا الكتاب عنها بخمسة أمور :

الأول : حل ما عقدوه وكشف ما أجملوه .

الثاني : ترتيب ما بددوه ونظم ما فرقوه .

الثالث : إيجاز ما طولوه ، وضبط ما قرروه .

الرابع : حذف ما كرروه وإثبات ما حرروه .

الخامس : تحقيق أمور غامضة اعتاصت على الأفهام لم يتعرض لها في الكتب أصلا إذ الكل وإن تواردوا على منهج واحد فلا مستنكر أن يتفرد كل واحد من السالكين بالتنبيه لأمر يخصه ويغفل عنه رفقاؤه أو لا يغفل عن التنبيه ولكن يسهو عن إيراده في الكتب أو لا يسهو ولكن يصرفه عن كشف الغطاء عنه صارف فهذه خواص هذا الكتاب مع كونه حاويا لمجامع هذه العلوم .

التالي السابق


(والتشغيب) هو تهييج الشر والفتنة والخصام (على من آثر) أي: اختار (النزوع) بالعين المهملة هو الانتهاء عن الأمر والكف عنه، وما وجد في بعض النسخ بالغين المعجمة خطأ لفساد المعنى (قليلا عن مراسم الخلق) جمع الرسم على خلاف القياس (ومال ميلا يسيرا) أي: قليلا (عن ملازمة الرسم) الظاهري (إلى العمل) الذي يوصله إلى علوم الآخرة (بمقتضى العلم) الذي أوتيه وانكشف له عنه الغطاء (طمعا في نيل) إدراك (ما تعبده الله تعالى به) أي: ألزمه له عبادة (من تزكية النفس) أي: تنميتها وتطهيرها من رعوناتها (وإصلاح القلب) بتخليته عما سوى الحق (وتداركا) أي: تلافيا (لبعض ما فرط) أي: سبق (من إضاعة العمر) فيما لا يجدي نفعا (يأسا) وهو قطع الرجاء (من تمام التلافي) أي: التدارك (والجبر) وفي بعض النسخ: في الحيرة، وفي بعضها: والحير، بلفظ الجمع .

(وإنجازا) أي: انضماما (عن غمار) بكسر الغين المعجمة جمع غمرة بالفتح، هو مزدحم الناس (من قال فيهم) أي: في حقهم (صاحب الشرع صلوات الله عليه) وسلامه فيما رواه البيهقي في شعب الإيمان، والطبراني في الصغير، وابن عدي في الكامل بسند ضعيف، عن أبي هريرة رضي الله عنه ("أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه") أي: بأن لم يعمل به؛ لأن عصيانه عن علم فهو أعظم جرما، وأقبح إثما ممن عصاه من غير علم؛ ولهذا كان المنافقون في الدرك الأسفل من النار; لكونهم جحدوا بعد العلم بالحق، قاله المناوي .

وقيل: معناه لم يوفق للعمل به، ومن جملة عمله نفعه غيره إن احتاج إلى علمه، ثم إن لفظ الحديث عند المذكورين فيما رأيته: "لم ينفعه علمه" وقد ضعف هذا الحديث المنذري وغيره .

وقال الخطيب في كتاب اقتضاء العلم العمل: قال سهل بن مزاحم: الأمر أضيق على العالم من ... التسعير، مع أن الجاهل لا يعذر بجهالته، لكن العالم أشد عذابا إذا ترك ما علم فلم يعمل به .

وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق أبي كبشة السلولي قال: سمعت أبا الدرداء -رضي الله عنه- يقول: "إن من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة عالما لا ينتفع بعلمه" وفيه أيضا من طريق إبراهيم الأشعث، حدثنا سفيان قال: كان يقال: أشد الناس حسرة يوم القيامة ثلاثة:

رجل كان له عمل فجاء غيره يوم القيامة بأفضل عملا منه، ورجل كان له مال فلم يتصدق منه، فورثه غيره فتصدق منه، ورجل عالم لم ينتفع بعلمه، فعلم غيره فانتفع به .

وسيأتي للمصنف عن أبي الدرداء: "ويل للجاهل مرة وويل للعالم سبع مرات" ثم إن من قوله: "فلقد حل عن لساني" إلى قوله: "جلية الحق" سجعتان متوازيتان، ومن بعده استرسال في الكلام من غير تقييد على روي .

(ولعمري) أقسم بعيشه وبقائه وحياته ودوامه، والعمر بالضم لغة فيه، ولكن خص القسم بالمفتوحة (أنه لا سبب لإصرارك) أي: تماديك ولزومك (على النكير) مصدر بمعنى الإنكار (إلا الداء الذي عم الجم الغفير) يقال: جاؤوا جما غفيرا، وجم الغفير بالإضافة، وجماء الغفير، والجماء الغفير، وجماء غفيرا، ممدودا في الكل، وجم الغفيرة، وجماء الغفيرة، الثلاثة ذكرها الصاغاني، والجماء الغفيرة، وجماء غفيرة، وبجماء الغفير والغفيرة إذا جاؤوا جميعا، شريفهم ووضيعهم، ولم يحك سيبويه إلا الجماء الغفير، قال: وهو من الأحوال التي دخلها الألف واللام، وهو نادر، وقال: الغفير وصف لازم للجماء بمعنى ذلك، لا تقول: الجماء وتسكت، فهو عنده اسم موضوع موضع المصدر، وجعله غيره مصدرا، وأجاز ابن الأنباري فيه الرفع على تقديرهم .

وقال الكسائي: العرب تنصب الجماء الغفير في التمام وترفعه في النقصان .

(بل شمل الجماهير) جمع جمهور، بالضم على ما هو المعروف، وما حكى ابن التلمساني في شرح الشفاء وتبعه شيخ مشايخنا سيدي محمد الزرقاني من أن الفتح لغة فيه، فقد رده الشهاب، واستغربه، ومعناه: جل الناس .

(من [ ص: 58 ] القصور) أي: التأخر (عن ملاحظة ذروة هذا الأمر) بكسر الذال المعجمة، أي: رأسه وملاكه (و) من (الجهل بأن الأمر إد) بالكسر، أي: عظيم، أو فظيع، أو منكر (والخطب) هو العظيم من الأمور (جد) ضد الهزل، أي: فينبغي أن يجتهد له .

وأخرج ابن أبي الدنيا من طريق إسماعيل بن أمية، قال: كان الأسود بن يزيد يجتهد في العبادة، ويصوم حتى يخضر جسده، ويصفر، فكان علقمة يقول: لم تعذب هذا الجسد؟ فكان الأسود يقول: إن الأمر جد فجدوا .

(والآخرة مقبلة) لا محيد عنها (والدنيا مدبرة) لا محالة، (والأجل) المضروب (قريب) جدا (والسفر) إلى الآخرة (بعيد) لكثرة عقباتها (والزاد) المحمول لأجله (طفيف) أي: يسير، من الطفافة، اسم لما لا يعتد به، وفي نسخة: ضعيف، بالضاد المعجمة، أي: قليل (والخطر عظيم والطريق سد) أي: مسدود، (وما سوى الخالص لوجه الله) سبحانه (من العلم والعمل عند الناقد البصير رد) ، أي: مردود، أي: لا يقبل من العلوم والأعمال عند الله تعالى إلا ما شابها الإخلاص، وحسن اليقين .

(وسلوك طريق الآخرة) باستعمال علومها (مع كثرة الغوائل) أي: المهالك، جمع غائلة، (من غير دليل) هو العلم النافع، (ولا رفيق) هو العمل الصالح (متعب ومكد) عطف تفسير لمتعب (فأدلة الطريق) جمع دليل، أي: أدلة طرق الحق، (هم العلماء) بالله خاصة، (الذين هم) فيما رواه ابن النجار في تاريخه، عن أنس -رضي الله عنه- رفعه: (ورثة الأنبياء) وسيأتي الكلام عليه، (وقد شغر) كنصر، أي: خلا، من شغرت الأرض شغورا إذ خلت من الناس، ولم يبق بها أحد يحميها ويضبطها، فهي شاغرة، (منهم الزمان) بموتهم (ولم يبق إلا المترسمون) المتشبهون برسومهم (وقد استحوذ) أي: ساق مستوليا (على أكثرهم الشيطان) من حذا الإبل يحذوها إذا ساقها سوقا عنيفا .

قال النحويون: استحوذ خرج على أصله، فمن قال حاذ يحوذ لم يقل إلا استحاذ، ومن قال: أحوذ فأخرجه على الأصل، قال: استحوذ .

(واستغواهم) أي: أضلهم (الطغيان) وهو مجاوزة الحد في كل شيء، وغلب في تزايد العصيان، قاله السمين.

(وأصبح كل واحد) منهم (بعاجل حظه) الدنيوي (مشغوفا) أي: أصاب حبه شغاف قلبه، وهو وسطه، قاله أبو علي الفارسي، أو باطنه، قاله الحسن (فصار يرى المعروف منكرا والمنكر معروفا) هذا غاية النكير والاستقباح لما هم عليه، فإن كانت الرؤية اعتقادية فالأمر أعظم، (حتى ظل) أي صار (علم الدين) هو بالتحريك ما وضع علامة للاهتداء به (مندرسا) قد عفت آثاره، (ومنار الهدى) هو كالعلم يهتدى به، قال امرؤ القيس:


على لاحب لا يهتدى لمناره إذا ساقه العود النباطي جرجرا

(في أقطار الأرض) أطرافها (منطمسا) قد خفيت أنواره (ولقد خيلوا) أي: أوهموا وأدخلوا في مخيلاتهم (إلى الخلق أن لا علم) من حيث هو هو (إلا فتوى حكومة) هو ما يكتب في أجوبة المسائل في الواقعات والنوازل من الحلال والحرام، والإباحة والمنع، والجمع الفتاوي بكسر الواو وفتحها (تستعين به القضاة) والحكام (على فصل الخصام) أي: المخاصمة (عند تهارش) هو الإفساد بين الناس وتحريش بعضهم على بعض (الطغام) بالفتح، والغين معجمة، هم الأغبياء والرذال .

(أو جدل) هو القياس المؤلف من المشهورات أو المسلمات، والغرض منه إلزام الخصم وإفهام من هو قاصر عن إدراك مقدمات البرهان .

(يتدرع) أي يتلبس (به طالب المباهاة) أي: المفاخرة (إلى الغلبة) في إلزام الخصم (والإفحام) أي: الإسكات .

(أو سجع) أي: كلام مقفى (مزخرف) أي: مزين (يتوصل به الواعظ إلى استدراج) أي: خديعة (العوام) روي عن أبي الهيثم قال: امتنع فلان عن كذا وكذا، حتى أتاه فلان فاستدرجه، أي: خدعه، حتى حمله على أن درج في ذلك .

(إذ لم يروا ما سوى هذه الثلاثة) من الخصال (مصيدة للحرام) هي كمعيشة، ما يصاد به، وهو من بنات الياء المعتلة، والجمع المصايد بلا همز كمعايش (وشبكة) محركة، شركة الصياد التي يصيد بها في البر، ومنهم من خصه بمصيدة الماء (للحطام) هو المال الرذل والخبيث والحرام، ودقاق التبر .

(فأما علم طريق الآخرة) الذي هو النافع للعبد (وما درج) سلك (عليه السلف الصالح) وهم [ ص: 59 ] من سلفك من آبائك وذوي قرابتك الذين هم فوقك في السن والفضل، ومنه قول طفيل الغنوي يرثي قومه:


مضوا سلفا قصر السبيل عليهم     وصرف المنايا بالرجال تقلب

أراد أنهم تقدمونا، والمراد هنا الصدر الأول من التابعين وأتباعهم، والجمع الأسلاف .

(مما سماه الله سبحانه) وتعالى (في كتابه) العزيز (فقها) في قوله: لعلهم يفقهون (وحكمة) في قوله: يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا (وعلما) في قوله: والراسخون في العلم (وضياء) في قوله: وضياء وذكرا للمتقين (ونورا) في قوله: قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين وقوله: فهو على نور من ربه (وهداية) في قوله: قل إن هدى الله هو الهدى (ورشدا) في قوله: لعلهم يرشدون .

أما الفقه فهو أخص من مطلق العلم، والحكمة معرفة الموجودات، وفعل الخيرات، وهذا هو الذي وصف به لقمان، ثم الحكمة الإلهية هي العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه، والعمل بمقتضاها، والحكمة المنطوق بها هي علوم الشريعة والطريقة، والمسكوت عنها هي أسرار الحقيقة التي إذا اطلع عليها علماء الرسوم والعوام تضرهم أو تهلكهم .

والعلم معرفة الشيء على ما هو عليه، والضياء أخص من النور، والنور هو الضوء المنتشر، وهو ضربان: دنيوي وأخروي، ثم الدنيوي ضربان معقول بعين البصيرة كنور العقل، ومحسوس بعين البصر كنور الشمس والقمر، وتخصيص الشمس بالضوء والقمر بالنور من حيث إن الضوء نور قوي، والهداية سلوك طريق توصل إلى المطلوب، ويراد بها تارة الرشد وتارة البيان، وتارة الدعاء، وتارة الدلالة، والرشد يستعمل استعمال الهداية، وقد يراد به الاستقامة، وسيأتي زيادة إيضاح لكل ما ذكرناه في الباب الرابع .

(فقد أصبح من بين الخلق مطويا) ذكره؛ لعدم ميلهم إلى تحصيله (وصار نسيا منسيا) أي: شيئا تافها، لا يؤبه له مما حقه أن ينسى ويترك؛ لقلة مبالاتهم به، والنسي فعل بمعنى مفعول، والمنسي مبالغة فيه، لم يكفه أن وصف تلك الأحوال بكونها تافهة حتى بالغ بوصفها; لأن النسي يقال لما لا اعتداد به، وإن لم ينس .

(ولما كان هذا) الذي ذكرت (ثلما) أي: خللا (في الدين ملما) أي مقاربا داخلا (وخطبا) أي: أمرا عظيما (مدلهما) أي: مظلما كثيفا، شبه الخطب بالليل في إبهامه، ثم أثبت له ما يناسبه من الإظلام وكثافة السواد (رأيت الاشتغال بتحرير) وفي بعض النسخ: بتجريد (هذا الكتاب) يعني الإحياء (حتما) واجبا (مهما) يهتم له، ويعنى بشأنه (إحياء لعلوم الدين، وكشفا عن مناهج) أي: سبل (الأئمة المتقدمين) وفي بعض النسخ: المتقين (وإيضاحا لمناهي العلوم النافعة عند النبيين، والسلف الصالحين) وهم أتباع الأنبياء عليهم السلام .

(وقد أسسته) أي: الكتاب (على أربعة أرباع) جمع ربع بضمتين، أو بضم فسكون، شبه الكتاب بقصر من جهة أن الملتجئ إليه يأمن غوائل عدو الدين، وعذاب النار، فأضاف المشبه به إلى المشبه، كما في لجين الماء، والكتاب على كثرة ما فيه من الأحكام الشرعية يرجع إلى أربعة هي أركان ذلك القصر، فذكرها في أثناء الكلام على الترتيب فقال:

(وهي ربع العبادات) وقدمه على الذي يليه لشرفها، (وربع العادات) لأنه إذا تحقق بالعبادات وأسرارها لم يستغن عما تعوده مما هو لازم له من حيث قوام المعاش، فناسب ذكر هذا الربع بعد ربع العبادات .

والعادة ما استمر الناس عليه، وعادوا إليه مرة بعد أخرى (و) إذا اشتغل بها ربما استولى على هواه الإغفال عن رعونات النفس وآفاتها، فناسب ذكر (ربع المهلكات) لما فيه من ذكر الآفات التي تهلك صاحبها وتلقيه في هوة النار (و) إذا تحقق ذلك وتجنب عن تلك المسميات التي في وسمها ناسب ذكر (ربع المنجيات) لما فيه من ذكر أوصاف المخلصين التي من تحلى بها أنجى نفسه من العتاب والعقاب .

فتقديم ربع المهلكات على المنجيات من باب تقديم التخلي على التحلي فإن من لم يتخل عن رعوناته كيف يتحلى بحلية أهل الصدق والصفاء؟!

ثم إن تأسيس المصنف كتابه على هذه الأرباع من باب الحصر الاستقرائي؛ إذ الحصر هو إيراد الشيء على عدد معين، والاستقراء هو الحكم على كلي لوجوده في أكثر جزئياته، ولعدده الأربعة سر غريب، سار [ ص: 60 ] في غالب الممكنات .

(وصدرت الجملة بكتاب العلم) في فضله وفضل تعليمه وتعلمه (لأنه) في الحقيقة (غاية المهم) أي: غاية ما يقصد الإنسان ويهتم له، وينتهي إليه (لأكشف) بذكري ذلك (أولا عن العلم الذي تعبد الله) عز وجل (على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- الأعيان) الأشخاص من أمته، (بطلبه؛ إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) فيما روي من طرق عن أنس بن مالك - رضي الله عنه-: ("طلب العلم فريضة على كل مسلم") وسيأتي ما يتعلق به قريبا .

(وأميز فيه العلم النافع) الذي ينفع صاحبه في الآخرة ويصحبه معه (من الضار) الذي يضر بصاحبه فيكون سببا لهلاكه .

(إذ قال -صلى الله عليه وسلم-) فيما رواه ابن عبد البر من حديث جابر بسند حسن: ("نعوذ بالله من علم لا ينفع") وفي بعض النسخ: "تعوذوا" كما عند ابن ماجه من طريق جابر أيضا. وقد يذكره المصنف أيضا في الباب الثالث، ونذكر هناك ما يتعلق به .

(وأحقق ميل أهل العصر) من المشتغلين برسوم العلم (عن شاكلة الصواب) أي: ناحيته ووجهته وطريقته (وانخداعهم بلامع السراب) هو ما لمع في المفازة كالماء، سمي به لانسرابه في رأي العين، ويراد به ما لا حقيقة له، وفي نسخة: ببلاقع السراب، (واقتناعهم من العلوم بالقشر عن اللباب) شبه العلوم التي يشتغلون بها بالقشر الذي لا ينتفع به الآكل، وإنما جعل غطاء وحفظا لما في باطنه، وعلوم الآخرة باللباب; لأنها خلاصة المعارف ونقاوة الأسرار .

(واشتمل ربع العبادات على عشرة كتب) :

الأول: (كتاب العلم) قدمه في البيان لشرفه .

الثاني: (كتاب قواعد العقائد) لأن المعلوم إما أن لا يفتقر إلى عمل ظاهر أو يفتقر، فالأول الاعتقاديات؛ فلذا ذكر قواعدها بعد العلم، والذي يفتقر يأتي ذكره بعد ذلك .

الثالث (كتاب أسرار الطهارة) لأنه بها يدخل في حضرة الملك، وهي من مقدمات الصلاة .

الرابع (كتاب أسرار الصلاة) لأنها معراج أهل الله، والديوان العظيم الذي يحصل للسالك فيه الشهود، ولأنها من آكد العبادات وأعظمها، وألزمها، حتى إنها لا تسقط بحال عن المكلف ولا بالعجز عن الإيماء، ولو بجفون العين على رأي .

الخامس: (كتاب أسرار الزكاة) ; لأنها أخت الصلاة، وقرينتها في كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .

السادس (كتاب أسرار الصيام) ; لما فيه من الشقة الزائدة على النفس، والزكاة مالية، والمال شقيق النفس والروح، فناسب ذكره بعدها .

السابع (كتاب أسرار الحج) ; لأن العبادة على قسمين: سرية وجهرية، والصوم عبادة سرية لا يطلع على كنهها من العبد إلا مولاه، والحج عبادة جهرية يطلع على حقيقتها، ولا محالة، فقدم السر على الجهر، على أنه لو قدم الحج على الصوم لكان له أيضا وجه؛ لما أن الحج جعل سببا للصوم كحج المتمتع والقارن بشرط عدم القدرة على الهدي، والسبب مقدم على المسبب وقوعا، إلا أنه راعى موافقة الفقهاء في وضعهم كذلك في كتب الفروع الفقهية .

ثم وجدت مناسبة أخرى لتقديم الصوم على الحج هي أنه لما كان الحج مشتملا على صفات جليلة عظيمة من الخروج عن الديار، ومفارقة الأهل، والتجرد عن ثياب الأحياء، وكشف الرأس، والدوران حول البيت، كأنه خائف ولهان، وكذا السعي بين المروتين مشابه بحال الهارب المستغيث، إلى غير ذلك من الأمور الكثيرة المختلفة الحقائق، التي لا يهتدي لمعرفتها إلا الفحول من العلماء، بخلاف الصوم فإنه أمر واحد، لا يخفى على العاقل، والأمر الواحد مقدم على الأمور الكثيرة .

وأيضا فإن رمضان قبل ذي الحجة الواقع فيه الحج، فينبغي أن يقدم الصوم وضعا كما في كتب القوم، وأيضا فإن الصوم أعظم اهتماما من الحج، بواسطة أن الصوم يتكرر على المكلف بتكرر الزمان، فلا يسقط عنه بالكلية، كما في الصلاة، والمتكرر يهتم به للتعليم والتعلم .

الثامن: (كتاب تلاوة القرآن) لشرفه وتضمنه تلك العبادات المذكورة، فتفهمه حق التفهيم .

التاسع: (كتاب الأذكار والدعوات) لكونها مأخوذة من القرآن غالبا .

العاشر: (كتاب الأوراد في الأوقات) ; لأنها من آخر وظائف المتعبدين .

(وأما ربع العادات فيشتمل على عشرة كتب أيضا) رتب هذا الربع أيضا كذلك بترتيب لائق فقدم (كتاب آداب الأكل) لكونه مهما؛ إذ به غذاء الأجسام وبقاؤها، ثم (كتاب آداب النكاح) لما تنبعث الشهوات عقب الأكل، ثم (كتاب أحكام الكسب) [ ص: 61 ] لاحتياجه إليه حينئذ لا محالة، ثم (كتاب الحلال والحرام) إذ يلزم معرفتهما للمكتسب، ثم (كتاب آداب الصحبة والمعاشرة مع أصناف الخلق) لافتقار الكسب إلى مخالطتهم، ثم (كتاب العزلة) لأنها ضد الصحبة، فناسب ذكرها بعدها، ثم (كتاب آداب السفر) لما فيه من البعد الظاهري عن الأوطان، وفراق الأهل والخلان، ثم (كتاب السماع والوجد) لما فيه من التنشيط للأرواح، والإعانة على التجريد للمسافرين إلى حضرة الله تعالى، ثم (كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ; لما فيه من إبقاء سلسلة الانتظام، ومنع التعدي في الحقوق، ثم (كتاب آداب المعيشة وأخلاق النبوة) لأنها غاية كل كمال، ونهاية الوصول لأهل الظاهر في الحال والمآل، وهو آخر درجات السالكين .

(وأما ربع المهلكات فيشتمل على عشرة كتب أيضا) رتبه كذلك على أبدع أسلوب، فقدم (كتاب شرح عجائب القلب) لأن بصلاحه صلاح كل الجسد، وعجائبه في الحقيقة لا انقضاء لها، ثم (كتاب رياضة النفس) لتعلقها بالقلب شديدا، ولأن في رياضتها تمام التصفية من الكدورات، ثم (كتاب آفات الشهوتين) لانتشائهما عن النفس، وهما (شهوة البطن وشهوة الفرج) ، ثم (كتاب آفات اللسان) لأنه ممر شهوة البطن خاصة، ثم (كتاب آفات الغضب والحقد والحسد) ; لأنها تنشأ غالبا عن حدة اللسان، فيبوح بها، ثم (كتاب ذم الدنيا) ; لأنها السبب الأعظم لصدور تلك الآفات، ثم (كتاب ذم المال والبخل) لأن المال أعظم متاع الدنيا، والبخل من لوازمه، ثم (كتاب ذم الجاه والرياء) ; لأن الجاه منشؤه المال، والرياء يقع لتحصيله، ثم (كتاب ذم الكبر والعجب) ; لأنها من لوازم الجاه والمال، وما أشبه ذلك، ثم (كتاب ذم الغرور) لكونه ينشأ من الكبر والعجب غالبا، وهو آخر درجات المتقين .

(وأما ربع المنجيات فيشتمل على عشرة كتب أيضا) رتبه كذلك على ترتيب عجيب، ووضع غريب، فقدم (كتاب التوبة) لأنها أشرف أعمال العبد، وأقرب إلى الوصول، وأول فتح للباب، ثم (كتاب الصبر والشكر) إذ هما نتيجتها، وهما من علاماتها الدالة على صحتها، ثم (كتاب الخوف والرجاء) لأنهما ينشآن عن الصبر والشكر، ثم (كتاب الفقر والزهد) ; لأنهما رأس مال الخائفين، ثم (كتاب التوحيد والتوكل) ; لأن من شأن الفقير الزاهد التجرد عما سوى الله، فناسبه التوحيد والتوكل على الله، ثم (كتاب المحبة والشوق والرضا) ; لأن الموحد المتوكل لا يصل إلى مطلوبه إلا إذا كان الحب دليله، والشوق سائقه، والرضا أمامه، ثم (كتاب النية والصدق والإخلاص) لتوقف كل ما ذكر على النية مع الصدق في ذلك وإخلاصه وإمحاضه، ثم (كتاب المراقبة والمحاسبة) إذ هما من نتائج الإخلاص والصدق، ثم (كتاب التفكر) لكونه ثمرة المراقبة والمحاسبة، ثم (كتاب ذكر الموت) وهو آخر درجات المخلصين .

(فأما ربع العبادات فأذكر فيه من خفايا آدابها) التي لم يطلع عليها غالب العلماء (ودقائق سننها) التي خفيت على أكثرهم (وأسرار معانيها) التي استنبطها العارفون (ما يضطر) أي يحتاج ضرورة (العالم العامل إليه، بل لا يكون من علماء الآخرة من لا يطلع عليه) لكونه من اللوازم الضرورية في حقه (وأكثر ذلك) مما ذكرته (مما أهمل في فن الفقهيات) ، ولم يتعرض له أصلا .

(وأما ربع العادات فأذكر فيه أسرار المعاملات الجارية بين الخلق وأغوارها) معطوف على أسرار، جمع غور، وهو ما خفي من الأمور (ودقائق سننها) المستنبطة (وخفايا الورع) بأقسامه الأربعة (في مجاريها) أي: تلك المعاملات (وهي مما لا يستغني عنها متدين) وفي نسخة: متدبر، إذ بها كماله .

(وأما ربع المهلكات فأذكر فيه كل خلق مذموم ورد القرآن بإماطته) أي: إزالته (وتزكية النفس) أي: تطهيرها (عنه، وتطهير القلب منه، وأذكر من كل واحد من تلك الأخلاق حده) أي: وصفه المحيط بمعناه، سمي الحد حدا لكونه مانعا لفاعله عن معاودة مثله، ولغيره عن سلوك منهجه (وحقيقته) هو اسم لما أريد به ما وضع له (ثم أذكر سببه) هو ما ظهر الحكم لأجله هبه شرطا أو دليلا أو علة (الذي [ ص: 62 ] منه يتولد) وينشأ .

(ثم) أذكر (الآفات التي عليها تترتب، ثم) أذكر (العلامات التي بها تتعرف، ثم) أذكر (طرق المعالجة التي بها) أي: باستعمالها (منها) أي: من تلك الآفات (يتخلص) فذكر في كل خلق من تلك الأخلاق ستة أشياء: الحد والحقيقة، والسبب الباعث لتولد الآفات، ثم ما يتركب عليه من الآفات، ثم العلامات، ثم طرق المعالجة .

وهكذا شأن الطبيب الماهر إذا أراد تخليص مريض من علة، يعرفه أولا حد العلة وحقيقتها، ثم يذكر له سببها الذي تولدت منه، ثم عوارها، ثم يستدرج إلى ذكر علاماتها، فإذا تأمل المريض ذلك كشف له الحجاب، وطالبته النفس بما يزيلها، فيردد عليه طريق المعالجة، فيتلقاها المريض بقلب سليم، وينجو من تلك العلة سريعا .

(كل ذلك مقرونا بشواهد الآيات) جمع آية، تطلق على جملة من القرآن، سورة كانت أو فصولا أو فصلا من سورة، ويقال لكل كلام منه منفصل بفصل لفظي آية، وعليه اعتبار آيات السور التي تعد بها السورة عند الجمهور (والأخبار) جمع خبر، وهو الحديث المنقول، فهو مرادف للحديث عند الجمهور (والآثار) جمع أثر، هو من اصطلاح الفقهاء، فإنهم يستعملونه في كلام السلف، والحديث في خبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- وفي ذلك بحث طويل، محله كتب أصول الحديث .

(وأما ربع المنجيات فأذكر فيه كل خلق محمود) ورد بمدحه القرآن (و) كل (خصلة) حسنة (مرغوب فيها) مطلوب تحصيلها (من) جملة (خصال المقربين) عند الله في حظائر القدس (والصديقين) تخصيص بعد تعميم (التي بها يتقرب العبد) في سلوكه (من رب العالمين .

وأذكر في كل خصلة حدها وحقيقتها، وسببها الذي به تجتلب، وثمرتها التي منها تستفاد، وعلامتها التي بها تعرف، وفضيلتها التي لأجلها يرغب فيها) .

ذكر في هذا الربع في كل خصلة ستة أشياء: الحد والحقيقة والسبب والثمرة والعلامة والفضيلة، وهي في نظير الستة التي ذكرت في ربع المهلكات، فقابل الثلاثة الأول بالثلاثة، إلا أن هناك سبب تولد، وهنا سبب اجتلاب، ولا يخفى ما بين التولد والاجتلاب من الفرق، وقابل استفادة الثمرة بترك الآفة، والعلامة بالعلامة، والفضيلة بالمعالجة; لأن تلك طرق التخلي، وهذه أحوال التحلي، ولكل مقام مقال .

(مع ما ورد فيها من شواهد الشرع) الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، ومن بعدهم . (والعقل) الأدلة العقلية، وما قالته الحكماء الأولون .

(ولقد صنف الناس) ممن تقدم (في) تحقيق (بعض هذه المعاني) التي ذكرت (كتبا) كقوت القلوب، والرعاية، ومنازل السائرين، والرسالة، والتعرف، وغيرها (ولكن يتميز هذا الكتاب عنها) عن تلك الكتب (بخمسة أمور:

الأول: حل ما عقدوه) في كتبهم، (وكشف ما) ستروه، وتفصيل ما (أجملوه .

الثاني: ترتيب ما بددوه) أي: فرقوه في مواضع شتى (ونظم ما فرقوه) أي: جمعه، والجملة الثانية في كل تفسير للأولى .

(الثالث: إيجاز ما طولوه، وضبط ما قرروه) والمراد بضبط المقرر تفسيره وبيانه، بحيث ينكشف على مطالعته، وأما الإيجاز فهو أداء المقصود بأقل من العبارة المتعارفة .

(الرابع: حذف ما كرروه) أي: أعادوه مرارا، والتكرار يشبه العموم من حيث التعدد، ويفارقه بأن العموم يتعدد فيه الحكم بتعدد أفراد الشرط، والتكرار يتعدد فيه الحكم بتعدد الصفة المتعلقة بالأفراد .

(الخامس: تحقيق أمور غامضة) خفية المدرك (اعتاصت) ضد انقادت (على الأفهام) أي: عسر كشفها عليها، ومن ثم (لم يتعرض لها في الكتب أصلا) لصعوبتها .

ولهذه الأمور الخمسة التي ذكرها فوائد لا تخفى عند المنصفين:

أما الأول: فلأن الكلام إذا كان معقودا لا تظهر ثمرة نفعه .

وأما الثاني: فلأن المفرق في مواضع يشتت أذهان المتأملين .

وأما الثالث: فمن التطويل كلت الهمم .

وأما الرابع: فلأن المكرر من حيث هو مكرر مما يمل منه ذهن السامع .

وأما الخامس: فلأن الأمور الخفية الصعبة التي تشتبه على الأفهام، وتلتبس على الأذهان، فإن التعرض لها والاهتمام بكشفها أكثر فائدة، وأجل عائدة .

(الكل) من العلماء (وإن تواردوا) أي: أتوا على سبيل المواردة واحدا بعد واحد، وأصل الورود ورود الإبل على الماء، ثم استعير (على منهج) أي: طريق (واحد فلا مستنكر) أي لا إنكار ولا بدع (أن ينفرد كل واحد من السالكين) ويتميز عن غيره (بالتنبه لأمر يخصه) فيكشف عنه [ ص: 63 ] (ويغفل عنه رفقاؤه) والله يختص برحمته من يشاء (أو لا يغفل عن التنبه له ولكن يسهو عن إيراده في الكتب) وهو معذور ففي الحديث "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (أو لا يسهو ولكن يصرفه) يمنعه (عن كشف الغطاء عنه صارف) أي: مانع، كعجز العامة عن فهمه، أو صدور ملام إليه، أو شبهه، فقد ورد "لا تطرحوا الدر في أفواه الكلاب" وقال أبو هريرة: "وأما الآخر لو بثثته لقطعتم بلعومي هذا" .

(فهذه) الأمور التي ذكرت (خواص هذا الكتاب) أي أنه اشتمل على علوم خفية المجلى، يكشف الغطاء عنها، مما أغفلها كثير من المصنفين، أو لم يفسروها (مع كونه حاويا) جامعا (لمجامع هذه العلوم) الظاهرية والباطنية .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث