الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أن لا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة

جزء التالي صفحة
السابق

الثالث : أن يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة وأسواق الآخرة المساجد .

قال الله تعالى رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وقال الله تعالى : في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه فينبغي أن يجعل أول النهار إلى وقت دخول السوق لآخرته ، فيلازم المسجد ، ويواظب على الأوراد .

كان عمر رضي الله عنه ، يقول للتجار اجعلوا أول نهاركم لآخرتكم وما بعده لدنياكم وكان صالحو السلف يجعلون أول ، النهار وآخره للآخرة ، والوسط للتجارة ولم يكن يبيع الهريسة والرءوس بكرة إلا الصبيان ، وأهل الذمة ; لأنهم كانوا في المساجد بعد .

وفي الخبر إن الملائكة إذا صعدت بصحيفة العبد وفيها في أول النهار وفي آخره ذكر الله وخير كفر الله عنهما ما بينهما من سيئ الأعمال .

وفي الخبر : تلتقي ملائكة الليل والنهار عند طلوع الفجر ، وعند صلاة العصر فيقول الله تعالى وهو أعلم بهم : كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : تركناهم وهو يصلون وجئناهم ، وهم يصلون ، فيقول الله سبحانه وتعالى : أشهدكم أني قد غفرت لهم .

ثم مهما سمع الأذان في وسط النهار للأولى والعصر ، فينبغي أن لا يعرج على شغل وينزعج عن مكانه ، ويدع كل ما كان فيه فما يفوته من فضيلة التكبيرة الأولى مع الإمام في أول الوقت ، لا توازيها الدنيا بما فيها ومهما لم يحضر الجماعة عصى عند بعض العلماء .

وقد كان السلف يبتدرون عند الأذان ، ويخلون الأسواق للصبيان ، وأهل الذمة وكانوا ، يستأجرون بالقراريط لحفظ الحوانيت في أوقات الصلوات ، وكان ذلك معيشة لهم .

وقد جاء في تفسير قوله تعالى لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله أنهم كانوا حدادين ، وخرازين فكان أحدهم إذا ، رفع المطرقة أو غرز الإشفى فسمع الأذان ، لم يخرج الإشفى من المغرز ولم يوقع المطرقة ، ورمى بها ، وقام إلى الصلاة .

التالي السابق


(الثالث: أن لا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة) كما لا تمنعه تجارة الدنيا عن تجارة الآخرة (وأسواق الآخرة المساجد) وهي [ ص: 510 ] البيوت المعدة للصلاة، وفي حكمها المدارس، والمعابد، والمشاهد (قال الله تعالى) في وصف الموقنين: ( رجال ) أي: لهم كمال، وبربهم وصال ( لا تلهيهم ) أي: لا تشغلهم ( تجارة ولا بيع عن ذكر الله ) أي: من بيان ذاته، وصفاته ( وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ) ، ولم يقل: لا يتجرون، ولا يبيعون، ولا يشترون، فإن أمكن الجمع بينهما فلا بأس، ولكنه كالمعتذر الأعلى، الذين تجري عليهم الأمور، وهم عنها مأخوذون (وقال تعالى: في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ) يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال (فينبغي أن يجعل) العبد (أول النهار إلى وقت دخول السوق لآخرته، فيلازم المسجد، ويواظب على الأوراد) المذكورة في كتاب ترتيب الأوراد، ولفظ القوت: فليجعل العبد طرفي النهار لخدمة سيده، يذكره، ويسبحه في بيته، بحسن معاملته .

(و) قد (كان عمر) بن الخطاب (رضى الله عنه، يقول للتجار) ولفظ القوت: يأمر التجار، فيقول: (اجعلوا أول نهاركم، أو النهار وآخره للآخرة، والوسط للتجارة) . ولفظ القوت: وفي الخبر عن سير السلف، قال: كانوا يجعلون أول النهار وآخره إلى الليل لأمر الآخرة، ووسطه لمعيشة الدنيا (فلم يكن يبيع الهريسة) في النوادر: الهريس: الحب المدقوق بالمهراس قبل أن يطبخ، فإذا طبخ فهو الهريسة (والرءوس) أي: رءوس الغنم المشوية، في الشتاء (بكرة) أي: في غداة النهار (لا الصبيان، وأهل الذمة; لأنهم) أي: الهرائس، والرواسين (كانوا في المساجد بعد) ولفظ القوت: يكونون في المساجد إلى طلوع الشمس (وفي آخره ذكر وخير) هكذا هو بخط الكمال الدميري، وفي بعض النسخ: ذكر أو خير (كفر الله عنه ما بينهما) أي: بين الوقتين (من سيئ الأعمال) كذا في القوت .

قال العراقي: رواه أبو يعلى من حديث أنس، بسند ضعيف بمعناه (وفي الخبر: تلتقي ملائكة الليل والنهار عند طلوع الفجر، وعند صلاة العصر) . ولفظ القوت: تلتقي ملائكة الليل وملائكة النهار، وعند صلاة العصر تنزل ملائكة الليل، وتعرج ملائكة النهار (فيقول الله تعالى: كيف تركتم عبادي؟ وهو أعلم) بهم (فيقولون: تركناهم يصلون، وجئنا وهم يصلون، فيقول الله تعالى: أشهدكم أنى قد غفرت لهم) . كذا في القوت .

قال العراقي: متفق عليه من حديث أبي هريرة: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الغداة، وصلاة العصر. الحديث .

(ثم مهما سمع الأذان في وسط النهار للأولى) وهي صلاة الظهر (والعصر، فينبغي أن لا يعرج) أي: لا يميل (على شغل) يمنعه (وينزعج من مكانه، ويدع) أي: يترك (كل ما كان فيه) من شغل (فما يفوته من فضيلة تكبيرة الإحرام مع الإمام في أول الوقت، لا توازيها الدنيا بما فيها) وإنما قيد بأول الوقت; فإنه رضوان الله، وهو الأفضل. ولفظ القوت: وإدراكه لتكبيرة الإحرام في الجماعة أحب إليه من جميع ما يربح من الدنيا، وفوتها أعز عليه وأشد من جميع ما يخسر من الدنيا، هذا إذا عقل، والصبر يبين له ذلك .

(ومهما لم يحضر الجماعة عصى عند بعض العلماء) ولفظ القوت: وإذا سمع التأذين للصلوات فليأخذ في أمر الصلاة، ولا يؤخرها عن الجماعة، وإلا كان عاصيا عند بعض العلماء، إلا أن يكون في الوقت سعة، ويكون ناويا للصلاة في جماعة أخرى .

(وقد كان السلف يبتدرون عند) سماع (الأذان، ويخلون الأسواق للصبيان، وأهل الذمة، وقد كانوا يستأجرون الصبيان بالقراريط يحفظون الحوانيت، وكان ذلك معيشة لهم) ولفظ القوت: وقد كان السلف من أهل الأسواق إذا سمعوا الأذان ابتدروا المساجد، يركعون إلى الإقامة، فكانت الأسواق تخلو من التجار، فكان في أوقات الصلاة معايش للصبيان، ولأهل الذمة، يستأجرهم التجار بالقراريط يحفظون الحوانيت إلى أوان انصرافهم من المساجد، وهذه سنة قد عفت، من عمل بها فقد نعشها (وقد جاء في تفسير قوله تعالى) : رجال (لا تلهيهم تجارة ولا بيع) عن ذكر الله وإقام الصلاة (أنهم كانوا حدادين، وخرازين، وغير ذلك، وكان [ ص: 511 ] الحداد منهم إذا رفع المطرقة) وهي التي يطرق بها على الحديد بعد إخراجه من النار ليلينه (أو غرز الإشفى) وهي بكسر الهمزة إبرة الخراز، ولفظ القوت: فكان أحدهم إذا رفع المطرقة، أو غرز الإشفى (فسمع الأذان، لم يخرج الإشفى من المغرز) وفي القوت: من الغرزة (ولم يوقع المطرقة، ورمى بها، وقام إلى الصلاة) ولفظ القوت: وقاموا إلى الصلاة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث