الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أن لا يكون شديد الحرص على السوق

جزء التالي صفحة
السابق

الخامس : أن لا يكون شديد الحرص على السوق والتجارة ، ، وذلك بأن يكون أول داخل وآخر خارج وبأن يركب البحر في التجارة ، فهما مكروهان ، يقال إن : من ركب البحر فقد استقصى في طلب الرزق .

وفي الخبر : لا يركب البحر إلا لحج ، أو عمرة ، أو غزو .

وكان عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يقول : لا تكن أول داخل في السوق ، ولا آخر خارج منها ، فإن بها باض الشيطان وفرخ .

روي عن معاذ بن جبل ، وعبد الله بن عمر إن إبليس يقول لولده زلنبور سر بكتائبك فأت أصحاب الأسواق ، زين لهم الكذب ، والحلف ، والخديعة ، والمكر ، والخيانة ، وكن مع أول داخل ، وآخر خارج منها .

وفي الخبر : شر البقاع الأسواق ، وشر أهلها أولهم دخولا ، وآخرهم خروجا .

وتمام هذا الاحتراز أن يراقب وقت كفايته ، فإذا حصل كفاية وقته انصرف واشتغل بتجارة الآخرة هكذا كان صالحو السلف فقد كان منهم من إذا ربح دانقا انصرف قناعة به .

وكان حماد بن سلمة يبيع الخز في سفط بين يديه فكان إذا ربح حبتين رفع سفطه وانصرف .

وقال إبراهيم بن بشار قلت لإبراهيم بن أدهم رحمه الله أمر اليوم أعمل في الطين فقال يا ابن بشار : إنك طالب ومطلوب ، يطلبك من لا تفوته ، وتطلب ما قد كفيته ، أما رأيت حريصا محروما وضعيفا مرزوقا فقلت : إن لي دانقا عند البقال ، فقال : عز علي بك ، تملك دانقا وتطلب العمل وقد كان فيهم من ينصرف بعد الظهر ومنهم بعد العصر ومنهم من لا يعمل في الأسبوع إلا يوما ، أو يومين وكانوا يكتفون به .

التالي السابق


(الخامس: أن لا يكون شديد الحرص على السوق، و) على (التجارة، وذلك بأن [ ص: 513 ] يكون أول داخل) فيها (وآخر خارج) منها (و) لا يحرص (بأن يركب) ثبج (البحر) أي: الملح، وقد غلب عليه، حتى قل في العذب، لكنه قول مرجوح، والراجح: عمومه فيهما (للتجارة، فهما) أي: العملان (مكروهان، يقال: من ركب البحر للتجارة فقد استقصى في طلب الرزق) ولفظ القوت: وقد كان الورعون يكرهون ركوب البحر لتجارة الدنيا، ويقال: من ركب البحر... إلخ .

قلت: أي بالغ في طلب الرزق، وبذل وسعه، فيه، والمعنى: أنه يدل على كمال حرصه، وعدم القناعة في أمره .

(وفي الخبر: لا يركب البحر) أي: على متنه (إلا لحج، أو لعمرة، أو غزو) هكذا في القوت .

قال العراقي: رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمر، وقيل: إنه منقطع، اهـ .

قلت: رواه الطبراني في الكبير من حديثه بلفظ: لا تركب البحر إلا حاجا، أو معتمرا، أو غازيا في سبيل الله، فإن تحت البحر نارا، وتحت النار بحرا.

وقد وردت في النهي عن ركوب البحر أخبار، من ذلك ما رواه الباوردي، من حديث زهير بن أبي جبل: من ركب البحر حين يرتج فلا ذمة له. ويروى من كلام عمر، رضى الله عنه: لا يفتح على العاقل شراع. وفي القوت، عن زيد بن وهب، عن عمر، رضى الله عنه، كان يقول: ابتاعوا بأموال اليتامى، لا تأكلها الزكاة، وثمروها لهم بالأرباح، وإياكم والحيوان، فربما هدر، وإياكم ولجج البحر أن تتجروا لهم فيها مالا، اهـ .

وروى الطبراني في الكبير، من حديث ابن آملة: إن الشياطين تغدو براياتها إلى الأسواق; ليدخلوا مع أول داخل، ويخرجوا مع أول خارج.

(وكان عمرو بن العاص) بن وائل السهمي القرشي، -رضي الله عنه- (يقول: لا تكن أول داخل في السوق، ولا آخر خارج منها، فإن بها باض الشيطان وفرخ) . نقله صاحب القوت .

ولمسلم في المناقب، من صحيحه، عن ابن عثمان، عن سلمان، قال: لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها; فإنها معركة الشيطان، وبها ينصب رايته.

(وروي عن معاذ بن جبل، وعبد الله بن عمر) بن الخطاب، رضي الله عنهما، قالا: (إن إبليس) بالكسر، أعجمي; ولهذا لا ينصرف للعلمية والعجمة، وقيل: عربي، مشتق من الإبلاس، وهو اليأس، ورد: بأنه لو كان عربيا لانصرف، كما تنصرف نظائره، نحو إحليل، وإخريط (يقول لولده زلنبور) بفتح الزاي، واللام، وسكون النون، وضم الموحدة، وهو اسم أحد أولاد إبليس: يا زلنبور (سر بكتائبك) جمع كتيبة، أي بجنودك (فأنت صاحب الأسواق، زين لهم الكذب، والحلف، والخديعة، والمكر، والخيانة، وكن مع أول من دخل، وآخر خارج منها) . هكذا نقله صاحب القوت .

قلت: وكون زلنبور أحد أولاد إبليس الخمسة، نقله الأزهري في التهذيب، والصاغاني في التكملة، عن مجاهد. وثانيهم: داسم، وهو الذي يعبث بين الرجل وأهله. وثالثهم: ثبرء، هو صاحب المصائب، يأمر بالويل، والثبور، وشق الجيوب. ورابعهم: الأعور، وهو صاحب الزنا، يأمر به. وخامسهم: مسوط، هو صاحب الكذب .

فهؤلاء خمسة، وبهم فسر قوله تعالى: أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو وهذا القول مبني على: أن إبليس له أولاد حقيقة، كما هو ظاهر الآية، والخلاف في ذلك مشهور، وفيه كلام أوردناه في شرح القاموس فراجعه، والله أعلم .

ويروى عن ابن عباس، وابن عمر، أنهما قالا: سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم ينهى أن يدخل السوق في أوائل أهلها، وأن يخرج منها آخر أهلها.

(وفي الخبر: شر البقاع الأسواق، وشر أهلها أولهم دخولا، وآخرهم خروجا) منها، كذا في القوت .

قال العراقي: تقدم صدر الحديث في الباب السادس من العلم، وروى أبو نعيم في كتاب حرمة المساجد، من حديث ابن عباس: أبغض البقاع إلى الله الأسواق، وأبغض أهلها إلى الله أولهم دخولا وآخرهم خروجا، اهـ .

قلت: جاء صدر الحديث من رواية ابن عمر: خير البقاع المساجد، وشر البقاع الأسواق، رواه الطبراني في الكبير، والحاكم وصححه، وكذا رواه ابن حبان، ومسلم، من طريق عبد الرحمن بن مهران، عن أبي هريرة، رفعه: أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها. وفي الباب عن واثلة، بلفظ: شر المجالس الأسواق، والطرق، وخير المجالس المساجد، وإن لم تجلس في المسجد فالزم بيتك.

(وتمام هذا الاحتراز أن يراقب وقت كفايته، فإذا حصلت كفاية وقته انصرف) إلى منزله (واشتغل بتجارة الآخرة) من ذكر، وصلاة، ومراقبة (فكهذا [ ص: 514 ] كان صالحو السلف) فيما مضى، ولفظ القوت: وإذا حصلت كفاية السوق في بعض يومه، فليجعل بقيته لآخرته .

(وقد كان) السلف (منهم من إذا ربح دانقا انصرف) لمنزله (قناعة منه) وزهدا، وقلة حرص على الدنيا، والدانق معرب، والإسلامي منه حبتا خرنوب، وثلثا حبة خرنوب، وقد تقدم بيان ذلك قريبا، زاد فى القوت: وكان بعضهم إذا حصلت كفايته في يومه، وتأتى قوت عياله في أي وقت من نهاره، غلق حانوته، وانصرف إلى منزله، أو مسجده، يتعبد بقية يومه .

(وكان حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصري، ثقة، عابد، روى له البخاري تعليقا، ومسلم، والأربعة (يبيع الخمر) بضمتين، جمع خمار، وهو ما تخمر به المرأة وجهها (فى سفط بين يديه) والسفط محركة: ما يخبأ فيه الطيب، ونحوه، والجمع أسفاط (وكان إذا ربح حبتين) أي: حبتي خرنوب من درهم (رفع سفطه وانصرف) نقله صاحب القوت، وقال: هذا أعجب ما سمعت .

وقال أبو نعيم في الحلية: حدثنا أبو محمد بن حيان، حدثنا إسحاق بن أحمد، حدثنا ابن الثلج، حدثنا سوار بن عبد الله بن سوار، قال: كان حماد بن سلمة يبيع الخمر، وكان يغدو إلى السوق، فإذا كسب حبة أو حبتين، شد سفطه، وأغلق حانوته، وانصرف .

ثم ساق بسند آخر إلى سوار، عن أبيه، قال: كنت آتي حماد بن سلمة في سوقه، فإذا ربح في ثوب حبة أو حبتين، شد جونته، فلم يبع شيئا، فكنت أظن أن ذلك يقوته، فإذا وجد قوته لم يزد عليه شيئا .

ثم ساق بسند آخر إلى حاتم بن عبد الله، قال: كان حماد بن سلمة يدخل السوق، فيربح دانقين في ثوب واحد، فيرجع، فإذا ربح، لو عرض له ديناران ما عرض لهما .

(وقال إبراهيم بن بشار) الصوفي، وهو غير الرمادي، وقد تقدمت ترجمته: (قلت لإبراهيم بن أدهم) تقدمت ترجمته أيضا: (أمر اليوم أعمل في الطين) أي: أكون طيانا، أحمل الطين للبنائين بالأجرة (فقال يا ابن بشار: إنك طالب ومطلوب، يطلبك من لا تفوته، وتطلب من) كذا في النسخ، والصواب: ما (يفوتك، أما رأيت حريصا) على الدنيا (محروما) منها؟! (وضعيفا) عاجزا (مرزوقا) ؟! أي: مكينا في الرزق (فقلت: إن لي دانقا عند البقال، فقال: عز علي بك، تملك دانقا وتطلب العمل) ؟! كذا في القوت .

وأورده أبو نعيم في الحلية، فقال: أخبرني جعفر بن محمد بن نصر في كتابه، وحدثني عنه محمد بن إبراهيم، حدثنا إبراهيم بن نصر المنصوري، حدثنا إبراهيم بن بشار، قال: قلت لإبراهيم بن أدهم: أمر اليوم... فساقه، وفيه: وتطلب ما قد كفيته، كأنك بما غاب عنك قد كشف لك، وكأنك وما أنت فيه، فصلت عنه، يا ابن بشار، كأنك لم تر حريصا محروما، ولا ذا ناة مرزوقا، ثم قال لي: ما لك حيلة؟ قلت: لي عند البقال دانق، فقال: عز علي، تملك دانقا وتطلب العمل؟!

(وقد كان فيهم من ينصرف) من حانوته (بعد) صلاة (الظهر) ويجعل نصف يومه لربه عز وجل (ومنهم) من كان ينصرف (بعد العصر) فيكون آخر يومه لآخرته. كذا في القوت .

قال: وقد كان كثير من الصناع يعمل نصف يومه، وثلثي يومه، ثم يأخذ ما استحقه من كفايته، وينصرف إلى مسجده .

قال: (ومنهم من) كان (لا يعمل في الأسبوع إلا يوما، أو يومين) ويتعبد سائر الأسبوع في خدمة سيده، سبحانه وتعالى .

(وكانوا يكتفون به) ولا يطلبون عليه الزيادة، وقد كانوا يجعلون أول النهار وآخره لتجارة الآخرة، في المعاد، والمآب، ويجعلون أوسط النهار لتجارة الدنيا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث