الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : وإن كانت الوصية بالولاية على أطفال ، اعتبر في الموصى بها ستة شروط ، لا تصح الوصية منه إلا بها :

                                                                                                                                            أحدهما : جريان القلم عليه وصحة التكليف له ؛ لأن من لا يجري عليه قلم بجنون ، أو صغر ، لا تكون له ولاية ولا يصح منه تولية .

                                                                                                                                            والثاني : الحرية ؛ لأن الولاية تنافي الرق .

                                                                                                                                            والثالث : الإسلام في الطفل إذا كان مسلما وفي اعتباره في الطفل إذا كان مشركا وجهان .

                                                                                                                                            والرابع : العدالة ؛ لأن الفاسق ليس له ولاية ، فكان أولى ألا تصح منه تولية .

                                                                                                                                            [ ص: 333 ] والخامس : أن يكون ممن يلي على الطفل في حياته بنفسه ؛ لأنه يقيم الوصية مقام نفسه فلم تصح إلا ممن قد استحق الولاية بنفسه ، وذلك في الوالدين دون غيرهم من الإخوة والأعمام .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة : تصح الوصية بالولاية على الأطفال من غير الآباء ، كما تصح من الآباء .

                                                                                                                                            وهذا فاسد من وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن في الوالد بعضية باين بها غيره .

                                                                                                                                            والقول الثاني : أن للوالد في حياته ولاية لا يستحقها غيره ، فمن هذين الوجهين اختصت الوصية بالآباء دون غيرهم .

                                                                                                                                            وإذا كان هكذا فالذي يستحق الولاية في حياته ويوصي بها عند وفاته هو الأب وآباؤه ، فأما الأم ففي ولايتها على صغار ولدها وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما وهو قول أبي سعيد الإصطخري : أنه لها عليهم ولاية كالأب ، لما فيها من البعضية وأنها برأفة الأنوثة أحن عليهم وأشفق .

                                                                                                                                            والوجه الثاني وهو قول أبي إسحاق المروزي : لا ولاية لها ؛ لأنها لما قصرت بنقص الأنوثة عن ولاية النكاح التي تسري في جميع العصبات ، كان أولى أن تقصر عما يختص من الولاية بالآباء دون سائر العصبات .

                                                                                                                                            فعلى هذا إن قيل إنه لا ولاية لها ، لم تصح منها الوصية بالولاية على أطفالها ، وإذا قيل إن لها الولاية بنفسها ، فكذلك أمهاتها وأمهات الأب ، وهل يستحقها أبو الأم ؟ على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : يستحقها كأم الأم لما فيه من الولادة وأنه أحق بالولاية على الأم من أمها .

                                                                                                                                            والثاني : لا ولاية له ؛ لأن سقوط ميراثه قد حطه من منزلة أم الأم .

                                                                                                                                            فعلى هذا يكون بعد الآباء للأم ، فإذا اجتمع بعد الأم أم أب وأم أم ، ففي أحقيتهما بالولاية وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : أم الأب ؛ لأن الأب بالولاية أحق .

                                                                                                                                            والقول الثاني : أم الأم ؛ لأنها بالحضانة أحق .

                                                                                                                                            فإذا أوصت مستحقة الولاية من الأمهات ، بالولاية على الأطفال صحت الوصية .

                                                                                                                                            والشرط السادس : ألا يكون للطفل من يستحق الولاية بنفسه ؛ لأن مستحق الولاية بنفسه ، أولى من مستحقها بغيره فعلى هذا لو أوصى الأب بالولاية على أطفال وهناك جد ، كانت الوصية باطلة .

                                                                                                                                            [ ص: 334 ] وقال أبو حنيفة : لا اعتبار بهذا الشرط ويجوز للأب أن يوصي بالولاية على أطفاله إلى أجنبي وهناك جد ، كما يجوز في إنفاذ الوصايا .

                                                                                                                                            وهذا غير صحيح ؛ لأن الوصايا لا يستحقها الجد بنفسه وليس كالولاية على الأطفال ؛ لأن الجد يستحقها بنفسه ، فكان أحق من الوصي .

                                                                                                                                            فلو أوصى الأب بها وهناك أم ، فإن قيل : إنه لا ولاية للأم ، صحت الوصية إلى غيرها .

                                                                                                                                            وإن قيل لها تصح ، ولكن يجوز أن يوصي بتفريق ثلثه إلى من شاء مع وجود الآباء ، فهذا حكم الموصي .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية