الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كلام آخر للرازي في لباب الأربعين

وأما قوله: (إن الشرف الحاصل بسبب الجهة لها بالذات، وللحاصل فيها بالعرض) .

فجوابه من وجوه:

أحدها: أن هذا إنما يمكن أن يقال إذا كانت الجهة أمرا وجوديا، فأما إذا كانت أمرا عدميا - والمراد بذلك أنه فوق العالم مباين له ليس معه هناك موجود غيره - لم يكن هناك شيء موجود غيره يستحق العلو، لا جهة ولا غيرها، فضلا عن أن يستحق غيره العلو والشرف والذات.

وهؤلاء يتكلمون بلفظ الجهة والحيز والمكان، ويعنون بها تارة أمرا معدوما، وتارة أمرا موجودا، ولهذا كان أهل الإثبات، من أهل الحديث والسلفية من جميع الطوائف، فمنهم من يطلق لفظ (الجهة) ومنهم من لا يطلقه، وهما قولان لأصحاب أحمد والشافعي ومالك وأبي حنيفة وغيرهم من أهل الحديث والرأي.

وكذلك لفظ (المكان) منهم من يطلقه ومنهم من يمنع منه.

وأما لفظ (المتحيز) فمنهم من ينفيه، وأكثرهم لا يطلقه ولا ينفيه، لأن هذه ألفاظ مجملة تحتمل حقا وباطلا.

وإذا كان كذلك فيقال: قول القائل (إن الله في جهة أو حيز أو مكان) إن أراد به شيئا موجودا غير الله، فذلك من جملة مخلوقاته ومصنوعاته، فإذا قالوا: إن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، امتنع أن يكون محصورا أو محاطا بشيء موجود غيره، سواء سمى مكانا أو جهة أو حيزا أو غير ذلك، ويمتنع أيضا أن يكون محتاجا إلى [ ص: 16 ] شيء من مخلوقاته: لا عرش ولا غيره، بل هو بقدرته الحامل للعرش ولحملته، فإن البائن عن المخلوقات العالي عليها يمتنع أن يكون في جوف شيء منها.

وإذا قيل: إنه في السماء، كان المعنى إنه في العلو، وهو مع ذلك فوق كل شيء، ليس في جوف السماوات، فإن السماء هو العلو، وكل ما علا فهو سماء.

يقال: سما، يسمو، سموا، أي علا، يعلو، علوا. وهذا اللفظ يعم كل ما يعلو، لم يخص بعض أنواعه بسبب القرينة.

فإذا قيل: فليمدد بسبب إلى السماء فقد يراد به السقف، وإذا قيل: نزل المطر من السماء، كان نزوله من السحاب، وإذا قيل: العرش في السماء فالمراد به ما فوق الأفلاك. وإذا قيل: الله في السماء، فالمراد بالسماء ما فوق المخلوقات كلها، أو يراد: أنه فوق السماء وعليها، فأما أن يكون في جوف السماوات فليس هذا قول أهل الإثبات، أهل العلم والسنة، ومن قال بذلك فهو جاهل، كمن يقول: إن الله ينزل ويبقى العرش فوقه، أو يقول: إنه يحصره شيء من مخلوقاته، فهؤلاء ضلال، كما أن أهل النفي ضلال.

وإن أراد بمسمى الجهة والحيز والمكان أمرا معدوما، فالمعدوم ليس شيئا، فإذا سمى المسمي ما فوق المخلوقات كلها حيزا وجهة ومكانا، كان المعنى: أن الله وحده هناك، ليس هناك غيره من الموجودات: لا [ ص: 17 ] جهة ولا حيز ولا مكان، بل هو فوق كل موجود من الأحياز والجهات والأمكنة وغيرها، سبحانه وتعالى.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث