الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

السابع عشر العقليات المبتدعة بنيت على أقوال مشتبهة مجملة تشتمل على حق وباطل

الوجه السابع عشر

أن يقال: الذين يعارضون الكتاب والسنة بما يسمونه عقليات: من الكلاميات والفلسفيات ونحو ذلك، إنما يبنون أمرهم في ذلك على أقوال مشتبهة مجملة، تحتمل [ ص: 209 ] معاني متعددة، ويكون ما فيها من الاشتباه لفظا ومعنى يوجب تناولها لحق وباطل، فبما فيها من الحق يقبل ما فيها من الباطل لأجل الاشتباه والالتباس، ثم يعارضون بما فيها من الباطل نصوص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.

وهذا منشأ ضلال من ضل من الأمم قبلنا، وهو منشأ البدع، فإن البدعة لو كانت باطلا محضا لظهرت وبانت، وما قبلت، ولو كانت حقا محضا، لا شوب فيه، لكانت موافقة للسنة، فإن السنة لا تناقض حقا محضا لا باطل فيه، ولكن البدعة تشتمل على حق وباطل، وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع.

ولهذا قال تعالى فيما يخاطب به أهل الكتاب على لسان محمد صلى الله عليه وسلم: يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون [البقرة: 40-42]، فنهاهم عن لبس الحق بالباطل وكتمانه.

ولبسه به: خلطه به حتى يلتبس أحدهما بالآخر، كما قال تعالى: ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون [الأنعام: 9] .

ومنه التلبيس، وهو التدليس، وهو الغش؛ لأن المغشوش من النحاس تلبسه فضة تخالطه وتغطيه، كذلك إذا لبس الحق بالباطل يكون قد أظهر الباطل [ ص: 210 ] في صورة الحق، فالظاهر حق، والباطن باطل، ثم قال تعالى: وتكتموا الحق وأنتم تعلمون [البقرة: 42] .

وهنا قولان.

قيل: إنه نهاهم عن مجموع الفعلين، وإن الواو واو الجمع التي يسميها نحاة الكوفة واو الصرف، كما في قولهم: «لا تأكل السمك وتشرب اللبن»، كما قال تعالى: ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين [آل عمران: 142] على قراءة النصب، وكما في قوله تعالى: أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص [الشورى: 34-35] على قراءة النصب، وعلى هذا فيكون الفعل الثاني في قوله: وتكتموا الحق منصوبا، والأول مجزوما.

وقيل: بل الواو هي الواو العاطفة المشركة بين المعطوف والمعطوف عليه، فيكون قد نهي عن الفعلين من غير اشتراط اجتماعهما، كما إذا قيل: لا تكفر وتسرق وتزن.

وهذا هو الصواب، كما في قوله تعالى: يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون [آل عمران: 71] ولو ذمهم على الاجتماع لقال: وتكتموا الحق بلا نون، وتلك الآية نظير هذه.

ومثل هذا الكلام إذا أريد به النهي عن كل من الفعلين فإنه قد يعاد فيه حرف النفي، كما تقول: لا تكفر، ولا تسرق، ولا تزن.

ومنه قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم [النساء: 29] .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث