الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

معني لفظ التوحيد في الكتاب والسنة مخالف لما يقصده المبتدعة

وهذا كالألفاظ المتقدمة مثل لفظ: القدم، والحدوث، والجوهر، والجسم، والعرض، والمركب، والمؤلف، والمتحيز، والبعض، والتوحيد، [ ص: 224 ] والواحد.

فهم يريدون بلفظ التوحيد والواحد في اصطلاحهم: ما لا صفة له ولا يعلم منه شيء دون شيء ولا يرى، والتوحيد الذي جاء به الرسول لم يتضمن شيئا من هذا النفي، وإنما تضمن إثبات الإلهية لله وحده، بأن يشهد أن لا إله إلا هو، ولا يعبد إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يوالى إلا له، ولا يعادى إلا فيه، ولا يعمل إلا لأجله، وذلك يتضمن إثبات ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات.

قال جابر بن عبد الله في حديثه الصحيح في سياق حجة الوداع: فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك»، وكانوا في الجاهلية يقولون: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. فأهل النبي صلى الله عليه وسلم بالتوحيد كما تقدم.

قال تعالى: وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم [البقرة: 163] .

وقال تعالى: وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون [النحل: 51] وقال تعالى: ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه [المؤمنون: 117] وقال تعالى: واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون [ ص: 225 ] [الزخرف: 45] ، وقال تعالى: ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة [النحل: 36] .

وأخبر عن كل نبي من الأنبياء أنهم دعوا الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له.

وقال تعالى: قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده [الممتحنة: 4] ، وقال تعالى عن المشركين: أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب [ص: 5]، وقال تعالى: وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا [الإسراء: 46]، وقال تعالى: وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون [الزمر: 45] ، وقال تعالى: إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون أإنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون [الصافات: 35-36] وهذا في القرآن كثير.

وليس المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية، وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم، كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام والتصوف، ويظن هؤلاء أنهم إذا أثبتوا ذلك بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد.

ويظن هؤلاء أنهم إذا شهدوا هذا وفنوا فيه فقد فنوا في غاية التوحيد.

وكثير من أهل الكلام يقول: التوحيد له ثلاث معان، وهو: واحد في ذاته لا قسيم له، أو لا جزء له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله [ ص: 226 ] لا شريك له.

وهذا المعنى الذي تتناوله هذه العبارة فيها ما يوافق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وفيها ما يخالف ما جاء به الرسول، وليس الحق الذي فيها هو الغاية التي جاء بها الرسول، بل التوحيد الذي أمر به أمر يتضمن الحق الذي في هذا الكلام وزيادة أخرى، فهذا من الكلام الذي لبس فيه الحق بالباطل وكتم الحق.

وذلك أن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب تعالى من الصفات، ونزهه عن كل ما ينزه عنه، وأقر بأنه وحده خالق كل شيء ـ لم يكن موحدا، بل ولا مؤمنا حتى يشهد أن لا إله إلا الله، فيقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة، ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث