الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الوظيفة الرابعة أن يزجر المتعلم وينهاه عن ارتكاب سوء الأخلاق

الوظيفة الرابعة وهي من دقائق صناعة التعليم أن يزجر المتعلم عن سوء الأخلاق بطريق التعريض ما أمكن ولا يصرح وبطريق الرحمة لا بطريق التوبيخ فإن التصريح يهتك حجاب الهيئة ويورث الجرأة على الهجوم بالخلاف ويهيج الحرص على الإصرار إذ قال صلى الله عليه وسلم وهو مرشد كل معلم لو منع الناس عن فت البعر لفتوه وقالوا : ما نهينا عنه إلا وفيه شيء وينبهك على هذا قصة آدم وحواء عليهما السلام وما نهيا عنه فما ذكرت القصة معك لتكون سمرا بل لتتنبه بها على سبيل العبرة ولأن التعريض أيضا يميل النفوس الفاضلة والأذهان الذكية إلى استنباط معانيه فيفيد فرح التفطن لمعناه رغبة في العلم به ليعلم أن ذلك مما لا يعزب عن فطنته .

التالي السابق


( الوظيفة الرابعة) : من وظائف العلم:

( وهي من دقائق صناعة التعليم) تستدعي المحافظة عليها ( وهي أن يزجر المتعلم) وينهاه ( عن) ارتكاب ( سوء الأخلاق) لكن ( بطريق التعريض ما أمكن) بأن يفهمه مراده بكتابه ( ولا يصرح و) يورد زجره ( بطريق الرحمة) والشفقة عليه ( لا بطريق التوبيخ) وهو اللوم والتقريع الشديد العنيف، ( فإن التصريح) باللوم ( يهتك حجاب الهيبة) خصوصا إذا كان على ملأ من الناس، ( و) ربما ( يورث الجراءة) والإقدام ( على الهجوم بالخلاف) على مقتضى الجبلية البشرية المنطوية على الكبر، ( و) ذلك ( يهيج الحرص) ويثيره ( على الإصرار) والبقاء على ما ليم عليه ونص الذريعة: وحق المعلم أن يصرف [ ص: 341 ] من يريد إرشاده عن الرذيلة إلى الفضيلة بلطف في المقال وتعريض في الخطاب فالتعريض أبلغ من التصريح لوجوه أحدها أن النفس الفاضلة لميلها إلى استنباط المعنى تميل إلى التعريض شغفا باستخراج معناه بالفكر ولذلك قيل: رب تعريض أبلغ من تصريح .

الثاني: أن التعريض لا تنهتك به سجف الهيبة ولا يرتفع ستر الحشمة .

الثالث: أن ليس للتصريح إلا وجه واحد وللتعريض وجوه فمن هذا الوجه يكون أبلغ .

والرابع: للتعريض عبارات مختلفة فيمكن إيراده على وجوه مختلفة ولا يمكن إيراد التصريح إلا على وجه واحد إذ ليس له إلا عبارة واحدة .

والخامس: أن صريح النهي داع إلى الاعتداء ولذلك اللوم إغراء .

قال الشاعر:


دع اللوم إن اللوم يغري وإنما أراد صلاحا من يلوم فأفسدا

( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مرشد لكل معلم) إذ به عرف طريق التعليم والإرشاد بنصحه لأمته وشفقته عليهم ( لو منع الناس عن فت البعر لفتوه وقالوا: ما نهينا عنه إلا وفيه شيء) ونص الذريعة: لو نهي الناس والباقي سواء .

قال العراقي: لم أجده إلا من حديث الحسن مرسلا وهو ضعيف رواه ابن شاهين اهـ .

قلت: ووجدت بخط الداودي ما نصه: ولفظ ابن شاهين: لو منع الناس فت الشوك لقالوا فيه الند وفي المعنى حديث أبي جحيفة: لو نهيتم أن تأتوا الحجون لأتيتموها الحديث اهـ .

قلت: للسيوطي في الجامع الكبير: لو نهيت رجالا أن يأتوا الحجون لأتوها وما لهم بها حاجة، أخرجه أبو نعيم عن عبدة بن حرب اهـ .

قلت: رواه الطبراني من رواية أبي إسحاق عن أبي جحيفة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا ذات يوم وقدامه قوم يصنعون شيئا يكرهونه من كلامهم ولغطا فقيل: يا رسول الله، ألا تنهاهم؟ فقال: لو نهيتهم عن الحجون لأوشك أحدهم أن يأتيه وليست له حاجة.

قال العراقي: ورجاله ثقات إلا أنه اختلف فيه على الأعمش، فقيل عنه، عن أبي إسحاق هكذا، وقيل: عن أبي إسحاق وعن عبدة السوائي، ورواه الطبراني أيضا وعبدة السوائي مختلف في صحبته ( وينبهك على هذا قصة آدم وحواء عليهما السلام وما نهيا عنه) بقوله تعالى: ولا تقربا هذه الشجرة ، وقول الشيطان: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ، ومن هذه القصة يؤخذ معنى حديث الحسن، ونص الذريعة: وكفى بذلك شهادة ما كان من أمر آدم وحواء في نهي الله تعالى إياهما عن أكل الشجرة اهـ .

( فما ذكرت القصة معك لتكون سمرا) أي: يحكى بها في المسامرة ( بل لتتنبه بها على سبيل العبرة) أي: الاعتبار وفي الذريعة مثل بعض الحكماء عن الفكرة والعبرة فقال: الفكرة أن تجعل الغائب حاضرا أو العبرة أن تجعل الحاضر غائبا ( ولأن التعريض) أي: إفهام المراد بالكتابة ( أيضا يميل النفوس الفاضلة) هي المهذبة بالآداب الشرعية المجملة بالإفاضات الرحمانية ( والأذهان الذكية) هي المصقلة بالأنوار المحفوفة بالأسرار ( إلى استنباط) أي: استخراج ( معانيه) واستكشاف غوامضه المبهمة ( فيفيد فرح التفطن لمعناه) والسرور بذلك أبدا ( رغبة في العمل به) أي: بمقتضاه ( ليعلم أن ذلك مما لا يعزب) أي: لا يغيب ( عن فطنته) الوقادة وقريحته المستجادة، وهذا الذي ذكره المصنف أحد وجوه أبلغية التعريض على التصريح كما تقدم نقلا عن الذريعة، وهذا كما قاله المصنف من دقائق هذه الصناعة، والله الموفق للصواب .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث