الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الأدب السابع أن يتعلم الزوج من علم الحيض وأحكامه

السابع : أن يتعلم المتزوج من علم الحيض وأحكامه ما يحترز به الاحتراز الواجب ويعلم زوجته أحكام الصلاة ، وما يقضى منها في الحيض وما لا يقضى فإنه أمر بأن يقيها النار بقوله تعالى قوا أنفسكم وأهليكم نارا فعليه أن يلقنها اعتقاد أهل السنة ويزيل عن قلبها كل بدعة إن استمعت إليها ويخوفها في الله إن تساهلت في أمر الدين ، ويعلمها من أحكام الحيض والاستحاضة ما تحتاج إليه ، وعلم الاستحاضة يطول فأما الذي لا بد من إرشاد النساء إليه في أمر الحيض بيان ، الصلوات التي تقضيها فإنها ، مهما انقطع دمها قبيل المغرب بمقدار ركعة فعليها قضاء الظهر والعصر ، وإذا انقطع قبل الصبح بمقدار ركعة فعليها قضاء المغرب والعشاء ، وهذا أقل ما يراعيه النساء فإن كان الرجل قائما بتعليمها فليس لها الخروج لسؤال العلماء وإن قصر علم الرجل ولكن ناب عنها في السؤال فأخبرها بجواب المفتي ، فليس لها خروج فإن لم يكن ذلك فلها الخروج للسؤال ، بل عليها ذلك ، ويعصي الرجل بمنعها ومهما تعلمت ما هو من الفرائض عليها ، فليس لها أن تخرج إلى مجلس ذكر ولا إلى تعلم فضل ، إلا برضاه ومهما أهملت المرأة حكما من أحكام الحيض والاستحاضة ولم يعلمها الرجل حرج الرجل معها وشاركها في الإثم .

التالي السابق


(السابع: أن يتعلم الزوج من علم الحيض وأحكامه ما يحترز به الاحتراز الواجب) عن الوقوع في المحظور (ويعلم زوجته أحكام الصلاة، وما يقضى منها في الحيض وما لا يقضى) من الصلاة (فإنه أمر بأن يقيها النار) كما أمر بأن يقي نفسه (بقوله تعالى) : يا أيها الذين آمنوا (قوا أنفسكم وأهليكم نارا فأضاف الأهل إلى النفس، وأمرنا أن نقيهم النار بتعليم الأمر والنهي، كما نقي نفوسنا النار، باجتناب المنهي، وقد جاء في تفسيره: علموهن وأدبوهن، وفي الخبر: كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهله وهو مسئول عنهم.

(وعليه أن يلقنها اعتقاد أهل السنة) والجماعة، ولو إجمالا من غير تفصيل الأدلة، فإن عقولهن ربما لا تحتمل ذلك (ويزيل عن قلبها كل بدعة إن سمعت) بأحسن بيان، وأجمل خطاب، وإن كانت من قوم قد رسخت البدعة في قلوبهم، فليزلها بالتدريج، واللطافة، ولا يبادر عليها وعلى قومها بالإنكار; فإنه ربما يكون سببا للتنافر، لا التناصر .

(ويخوفها بالله) ومن عذابه (إن تساهلت في أمر) من أمور (الدين، ويعلمها من أحكام الحيض والاستحاضة ما تحتاج إليه، وعلم الاستحاضة يطول) إيراده ومحله في فروع الفقه (فأما الذي لا بد من إرشاد النساء إليه، ببيان الصلوات التي تقضى، فإنه مهما انقطع دمها قبيل المغرب بمقدار ركعة فعليها قضاء الظهر والعصر، وإذا انقطع قبيل الصبح بمقدار ركعة فعليها قضاء المغرب والعشاء، وهذا أقل ما تراعيه النساء) وعند أصحابنا الحنفية إذا أدركت أدنى وقت صلاة وهو ما إذا أدركت من الوقت بقدر أن تقدر على الاغتسال والتحريمة; لأن زمان الاغتسال هو زمان الحيض، فلا تجب الصلاة في ذمتها ما لم تدرك قدر ذلك من الوقت، ولهذا لو طهرت قبل الصبح بأقل من ذلك لا يجزئها صوم ذلك اليوم، ولا تجب عليها صلاة العشاء، فكأنها أصبحت وهي حائض، ويجب عليها الإمساك تشبها .



(تنبيه)

قد يكون الزوج شافعيا والمرأة حنفية، وبالعكس، وكذا بقية المذاهب، فينبغي أن يعلم الزوج مواقع الاجتماع والاختلاف بين الأئمة الأربعة، فيعلمها بذلك; لتكون هي على بصيرة من دينها، ونحن نذكر بعض تلك المسائل، من الضروريات المهمة .

فاعلم أنهم [ ص: 366 ] أجمعوا على أن فرض الصلاة ساقط عن الحائض مدة حيضها، وأنه لا يجب عليها قضاؤه، وأجمعوا على أن فرض الصوم غير ساقط عنها مدة حيضها .

ثم اختلفوا فيما إذا رأت الطهر ولم تغتسل، فقال أبو حنيفة: إن انقطع لأكثر الحيض كعشرة أيام، جاز وطؤها، وإن كان لأقله، لم يجز حتى تغتسل، أو يمضي عليها آخر وقت صلاة، فتجب عليها الصلاة، هذا إن كانت مبتدأة، أو لها عادة معروفة، وانقطع لعادتها، فأما إن انقطع لدون عادتها، فلا يطؤها الزوج، وإن اغتسلت وصلت، حتى تستكمل عادتها، احتياطا، وقال مالك، والشافعي، وأحمد: لا يحل وطؤها حتى تستكمل .

واختلفوا فيما يحل الاستمتاع به من الحائض، فقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: يحل له مباشرة ما فوق الإزار ويحرم عليه ما بين السرة والركبة، وقال أحمد: يجوز له وطؤها فيما دون الفرج، ووافقه على ذلك محمد بن الحسن، وبعض أصحاب الشافعي، وأصبغ بن الفرج، من كبار أصحاب مالك.

وأما أقل سن تحيض فيه المرأة: فقال مالك، والشافعي، وأحمد: أقله تسع سنين، قال الشافعي: وأعجل ما سمعت من نساء تهامة أنهن يحضن لتسع سنين، وقال في بعض كتبه: رأيت جدة لها إحدى وعشرون سنة .

واختلفوا في الحائض ينقطع حيضها فلا تجد ماء، فقال أبو حنيفة في المشهور عنه: لا يحل وطؤها، حتى تتيمم وتصلي به، وقال مالك: لا يحل وطؤها حتى تغتسل، وقال الشافعي، وأحمد: يحل وطؤها إذا تيممت، وإن لم تصل به .

واختلفوا في أقل الحيض وأكثره، فقال أبو حنيفة: أقله: ثلاثة أيام ولياليهن، وأكثره: عشرة أيام، وقال مالك: لا حد لأقله، وإن دفعة كان حيضا، وأكثره: خمسة عشر يوما، وقال الشافعي، وأحمد: أقله: يوم وليلة، وروي عنهما: يوم، وأكثره خمسة عشر يوما .

واختلفوا في المبتدأة إذا جاوز دمها أكثر الحيض، فقال أبو حنيفة: تجلس أكثر الحيض عنده، وعن مالك ثلاث روايات، إحداها: تجلس أكثر الحيض عنده، ثم تكون مستحاضة، وهي رواية ابن القاسم، وغيره، والثانية: تجلس عادة بداءتها، وهي رواية علي بن زياد، والثالثة: تستظهر بثلاثة أيام، ما لم تجاوز خمسة عشر يوما، وهي رواية ابن وهب، وغيره، وقال الشافعي: إن كانت مميزة رجعت إلى تمييزها، وإن لم تكن مميزة قولان، أحدهما: ترد إلى أقل الحيض عنده، والآخر: ترد إلى غالب عادة النساء، وعند أحمد أربع روايات، إحداها: تجلس ستا، والثانية: سبعا، وهو الغالب من عادة النساء، اختارها الخرقي، والثالث: تجلس أكثر الحيض عنده، والرابعة: تجلس عادة نسائها، والفرق بين دم الحيض والمستحاضة: باللون، والقوام، والريح، فدم الحيض أسود، ثخين، منتن، ودم الاستحاضة رقيق، أحمر، لا نتن فيه .

واختلفوا في المستحاضة، فقال أبو حنيفة: ترد إلى عادتها إن كان لها عادة، وإن كانت لا عادة لها، فلا اعتبار بالتمييز بحال، وتجلس أقل الحيض عنده إن كانت ناسية لعادتها، وقال مالك: لا اعتبار بالعادة، والاعتبار بالتمييز، فإن كانت مميزة ردت إليه، وإن لم يكن لها تمييز صلت أبدا، هذا في الشهر الثاني، والثالث، فأما في الشهر الأول ففيه روايتان، إحداهما: أنها تجلس أكثر الحيض عنده، والثانية: تجلس أيامها المعروفة، وتستظهر بعد ذلك بثلاثة أيام، وتغتسل وتصلي، وظاهر مذهب الشافعي أنه إن كان لها تمييز وعادة، قدم التمييز على العادة، وإن تقدم التمييز، ردت إلى العادة، وإن عدما معا صارت مبتدأة، وقد مضى حكمها، وقال أحمد: إذا كان لها عادة وتمييز، ردت إلى العادة، وإن عدمت العادة ردت إلى التمييز، فإن عدما معا ففيه روايتان، إحداهما: تجلس أقل الحيض عنده، والأخرى: تجلس غالب عادة النساء .

واختلفوا في أن الحامل هل تحيض؟ فقال أبو حنيفة، وأحمد: لا تحيض، وقال مالك: تحيض، وعن الشافعي: قولان كالمذهبين .

واختلفوا هل لانقطاع الحيض أمد؟ فقال أبو حنيفة فيما رواه عن الحسن بن زياد: من خمس وخمسين سنة إلى الستين، وقال الشافعي: ليس له حد، وإنما الرجوع فيه إلى العادات في البلدان، فإنه يختلف باختلافها، فيسرع في البلاد الحارة، ويتأخر في الباردة، وعن أحمد ثلاث روايات، إحداها: غايته خمسون سنة، على العربيات وغيرهن، والثانية: ستون، والثالثة: إن كن عربيات فالغاية ستون، وإن كن نبطيات وأعجميات فخمسون .

واختلفوا في وطء المستحاضة، فقال مالك: هو مباح، وقال الشافعي، وأحمد في إحدى روايتيه: يكره، [ ص: 367 ] ولا يحرم، وقال أحمد في الرواية الأخرى: يحرم، إلا أن يخاف العنت، واختارها الخرقي.

والطهر من الحيض متى أطلق، فإنما يعني به ما تراه النساء عند انقطاعه، وهو القصة البيضاء، والله أعلم .

(فإن كان الرجل قائما بتعليمها فليس لها الخروج) من منزلها (لسؤال العلماء) ; لحصول الاكتفاء بتعليم الرجل (وإن قصر علم الرجل) بأن لم يكن عالما في أكثر المسائل المذكورة (ولكنه ناب عنها في السؤال) عن علماء وقته وأتقنها بذهنه (وأخبرها بجواب المفتي، فليس لها الخروج) ; لحصول الاكتفاء بذلك الإخبار (فإن لم يكن ذلك) فإن لم يعلمها، أو لم ينب عنها في السؤال (فلها الخروج) حينئذ (للسؤال، بل عليها ذلك، ويعصي الرجل بمنعها) وينظر فيما إذا ترتبت في خروجها مفسدة ظاهرة، هل يرجح الخروج أيضا أم لزوم بيتها؟ والذي يظهر: الثاني، خصوصا في هذه الأزمنة (ومهما تعلمت ما بقي من الفرائض الدينية عليها، فليس لها أن تخرج إلى مجلس ذكر) ووعظ (ولا إلى تعليم فضل، إلا برضاه) مع الأمن من المفسدة الظاهرة (ومهما أهملت المرأة حكما من أحكام الحيض أو الاستحاضة ولم يعلمها الرجل خرج معها وشاركها في الإثم) والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث