الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في منافع يمتنع الاستئجار لها

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) في منافع يمتنع الاستئجار لها ، ومنافع يخفى الجواز فيها وما يعتبر فيها .

( لا تصح إجارة مسلم لجهاد ) ولو صبيا وعبدا وإن قصد إقامة هذا الشعار وصرف عائدته للإسلام فيما يظهر لتعينه عليه بحضور الصف مع وقوعه عن نفسه ، وبه فارق حل أخذه الأجرة على نحو تعليم تعين عليه ، وأفتى البلقيني بإلحاق المرابطة عوضا عن الجندي بالجهاد في عدم صحة الاستئجار لها ، أما الذمي فتصح [ ص: 291 ] لكن للإمام فقط استئجاره للجهاد كما يأتي في بابه ( ولا ) لفعل ( عبادة يجب لها ) أي فيها ( نية ) لها أو لمتعلقها بحيث يتوقف أصل حصولها عليها ، فمراده بالوجوب ما لا بد منه لأن القصد امتحان المكلف بها بكسر نفسه بالامتثال وغيره لا يقوم مقامه فيه ولا يستحق الأجير شيئا وإن عمل طامعا كما يدل عليه قولهم كل ما لا يصح الاستئجار له لا أجرة لفاعله وإن عمل طامعا وألحقوا بتلك الإمامة ولو لنفل لأنه مصل لنفسه ، فمن أراد اقتدى به وإن لم ينو الإمامة وتوقف فضل الجماعة على نيتها فائدة تختص به ، وما جرت به العادة من جعل جامكية على ذلك فليس من باب الإجارة وإنما هو من باب الإرزاق والإحسان والمسامحة بخلاف الإجارة فإنها من باب المعاوضة ، أما ما لا تجب له نية كالأذان فيصح الاستئجار عليه ، والأجرة مقابلة لجميعه لا على رعاية الوقت أو رفع الصوت أو الحيعلتين ، وشمل كلامه زيارة قبره صلى الله عليه وسلم فلا يصح الاستئجار عليها كما قاله الماوردي وغيره ، فزيارة قبر غيره [ ص: 292 ] أولى بخلاف الجعالة عليه أي على الدعاء عند زيارة قبره المعظم لدخول النيابة فيه وإن جهل ، لا على مجرد الوقوف عنده ومشاهدته لأنه لا تدخله النيابة ، وبخلاف السلام عليه صلى الله عليه وسلم فتدخله الإجارة والجعالة ، واختار الأصبحي جواز الاستئجار للزيارة ، ونقل عن ابن سراقة ( إلا حج ) وعمرة فيجوز الاستئجار لهما ولأحدهما عن معضوب أو ميت كما مر ، وتقع صلاة ركعتي الطواف تبعا لهما لوقوعهما عن المستأجر ( وتفرقة زكاة ) وكفارة وأضحية وهدي وذبح وصوم عن ميت وسائر ما يقبل النيابة وإن توقف على النية لما فيها من شائبة المال .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( فصل ) في منافع يمتنع الاستئجار لها ومنافع يخفى الجواز فيها ( قوله : إجارة مسلم ) شامل للعين والذمة ، وقوله مسلم ينبغي أو مرتد والمسلم شامل للإمام ، فلو استأجره الآحاد للجهاد لم يصح ، وظاهره ولو إجارة ذمة ، وإن أمكن إبدال نفسه باستئجار ذمي لأنه فرعه سم على حج ( قوله : للإسلام ) أي فائدته ( قوله : لتعينه عليه ) أي حقيقة بأن كان بالغا عاقلا أو حكما بأن كان صبيا ، فإنا لو قلنا بالصحة كان على وليه منعه من الخروج عن الصف ( قوله : عن الجندي ) ومثله غيره بالأولى وإنما قيد به لكونه [ ص: 291 ] المسئول عليه في الاستفتاء ( قوله : لكن للإمام فقط ) ظاهره امتناع ذلك من القاضي ، ونحوه أيضا سم على حج قال شيخنا : وهو ظاهر لأن القاضي لا يجوز له إلا فعل ما فوضه له الإمام انتهى ( قوله : أو لمتعلقها ) أي كالإمامة فإن متعلقها الصلاة ، ثم رأيت سم على منهج صرح بما ذكره ( قوله : كما يدل عليه قولهم كل ما لا يصح ) كان المراد لا يقبل الصحة وإلا فالإجارة الفاسدة يجب فيها الأجرة ا هـ سم على حج : أي مع أنها بصفة الفساد لا يصح الاستئجار عليها ومع ذلك يجب فيها الأجرة ا هـ ( قوله : الاستئجار له ) ومن ذلك ما لو استأجر الحائض لخدمة المسجد فلا أجرة لها وإن عملت طامعة لعدم صحة الاستئجار ، وبه يعلم ما في كلام سم السابق عند قول المصنف ولا حائض لخدمة مسجد ا هـ ( قوله : وإن عمل طامعا ) ومن ذلك ما يقع لكثير من أرباب البيوت كالأمراء أنهم يجعلون لمن يصلي بهم قدرا معلوما في كل شهر من غير عقد إجارة فلا يستحقون معلوما لأن هذه إجارة فاسدة ، وما كان فاسدا لكونه ليس محلا للصحة أصلا لا شيء فيه للأجير ، وإن عمل طامعا فطريق من يصلي أن يطلب من صاحب البيت أو غيره أن ينذر له شيئا معينا ما دام يصلي فيستحقه عليه ا هـ

( قوله : بتلك ) أي بتلك العبادة التي يتوقف أصل حصولها على النية ( قوله : بتلك الإمامة ) وكالإمامة الخطابة م ر انتهى بهامش العباب ( قوله : وإنما هو من باب الأرزاق ) ومنه ما جرت به العادة من استنابة صاحب الوظيفة لمن يقوم مقامه فيها فإنه يستحق ما جعله له ويكون ما يأخذه من جهة الواقف وليس أجرة حقيقة ، وليس له أن يستنيب غيره إلا بإذن من منيبه وللأصيل باقي المعلوم المشروط ( قوله : كالأذان ) ومثله الخطبة ( قوله : فيصح الاستئجار عليه ) أي ولا بد مع ذلك من تقدير المدة ولو من الإمام حيث كان من ماله كما تقدم في الفصل السابق ، وينبغي أن يدخل في مسمى الأذان إذا استؤجر له ما جرت به العادة من الصلاة والسلام بعد الأذان في غير المغرب لأنهما وإن لم يكونا من مسماه شرعا صارا منه بحسب العرف ( قوله : لا على رعاية الوقت ) عبارة حج : مع نحو رعاية الوقت ا هـ . وهي مخالفة لكلام الشارح ، إلا أن يكون مراده لا على رعاية الوقت وحدها ( قوله : فلا يصح الاستئجار عليها ) معتمد ، ولعل وجه الشمول أن تسميتها زيارة [ ص: 292 ] وترتب الثواب عليها يتوقف على قصد فكأنه نية ، وإلا فكلام المصنف لا يشمله بل يقتضي صحة الإجارة عليها كالأذان ، ويؤيد ما قلناه توجيها للشمول قول حج ودخل في تجب زيارة قبره صلى الله عليه وسلم ( قوله بخلاف الجعالة عليه ) ومثلها الإجارة حج . وقضية قول الشارح وإن جهل عدم اشتراط تعيين ما يدعو به ( قوله : واختار الأصبحي إلخ ) ضعيف ( قوله : إلا حج ) بالجر بدل من عبادة .



حاشية المغربي

[ ص: 290 ] فصل ) في منافع لا يجوز الاستئجار لها .

( قوله : وصرف عائدته للإسلام ) أي : خلافا لمن قال بالصحة حينئذ ( قوله : وبه فارق حل أخذه الأجرة على نحو تعليم تعين عليه ) قال الشهاب ابن قاسم : يتأمل الفرق فإنه إن أريد بوقوعه عن نفسه خروجه عن العهدة بكونه أدى ما لزمه فالتعليم المذكور كذلك ، وإن أريد أن فائدة الجهاد تقع له وتعود إليه فقد يمنع بأنها إنما تعود على الإسلام أو المسلمين وإن كان هو أحدهما ، كما أن فائدة التعليم لا تعود على المعلم بل للمتعلم ، قال : إلا أن يقال يكفي عود الفائدة إليه وإن لم تخصه فليتأمل ا هـ .

أقول : والفرق حاصل أيضا بقوله لتعينه عليه بحضور الصف إذ معنى تعيينه عليه الذي امتاز به عن المعلم أنه إذا حضر الصف كان التعين عليه عينيا لذاته بحيث لا يسقط عنه بفعل الغير وإن كان فيه الكفاية ، بخلاف مسألة التعليم فتدبر . ( قوله : أما الذمي فتصح إلخ ) أي : ويغتفر الجهل بالعمل [ ص: 291 ] المستأجر له للضرورة كما سيأتي في كلامه في فصل يصح عقد الإجارة مدة تبقى فيها غالبا ( قوله : أي فيها ) إنما فسر به ليشمل ما إذا كانت النية لها أو لمتعلقها الذي صرح به بعد ( قوله : أو لمتعلقها ) أي كالإمامة ( قوله : ما لا بد منه ) أي في الحصول وإن لم يأثم بتركه ( قوله : كالأذان ) قال الشيخ في الحاشية : وينبغي أن يدخل في مسمى الأذان إذا استؤجر له ما جرت به العادة من الصلاة والسلام بعد الأذان في غير المغرب ; لأنهما وإن لم يكونا من مسماه شرعا صارا منه بحسب العرف ا هـ .

( قوله : وشمل كلامه زيارة قبر إلخ ) صريح في وجوب النية فيه ، ولا بعد فيه لتمتاز [ ص: 292 ] عن الحضور عند قبره صلى الله عليه وسلم لا بذلك القصد . وعبارة التحفة : ودخل في تجب زيارة قبره صلى الله عليه وسلم للوقوف عنده ومشاهدته ، فلا يصح الاستئجار لها كما قاله الماوردي وغيره ، فزيارة قبر غيره أولى ، بخلاف الدعاء عند زيارة قبره المكرم ; لأنه مما تدخله النيابة ، وبخلاف السلام عليه صلى الله عليه وسلم فتدخلها الإجارة والجعالة ( قوله : لما فيها من شائبة المال ) تعليل للمتن كما هو عادته ، ومثله ما في معناه وإلا فالصوم عن الميت ليس فيه ذلك



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث