الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                فـرع

                                                                                                                قال : لو شهدا على إقراره بدينار آخر ، بدينارين ، فليس عليه إلا ديناران مع يمينه ، فإن نكل حلف حلف الطالب على ثلاثة إن ادعاها وأخذها ، ولا يغرموا برجوعهم أجمعين إلا بدينارين ; لأن الثالث إنما وجب بالنكول واليمين .

                                                                                                                [ ص: 323 ] فـرع

                                                                                                                قال : شهدا بدينارين وأن فلانا حميل بهما ، وآخران أنه أمر بدينار بغير حمالة ، فليس عليه إلا ديناران بحمالة ، ولم يوجد للمقر إلا دينار ، وأخذه ثم رجع شاهد الحمالة ، فقد برئ الحميل من ثلاثة أرباع دينار ; لأن شاهدي الدينار انفرد بدينار [ . . . ] الآخر في الدينار الآخر ، فإن أخذ ممن [ . . . ] الدينارين ، ولم يؤخذ من التركة شيء ، رجع بهما غير شاهدي الحوالة ; لأنه [ . . . ] يرجعان على شاهدي الدينار وإن رجع شاهدا الدينار وقد أخذ من التركة ، غرما ربع دينار ; لأنه المأخوذ بشهادتهما ، وإن أقر بالحمالة لم يرجع بشيء ، ورد على الذي غرم عنه بالدينارين ، وإن أخذ ذلك من ماله المشهود له ، ورجع به على الشاهدين ; لأن رجوع الشاهدين لا يسقط عن الحميل ما شهد به عليه .

                                                                                                                فـرع

                                                                                                                قال : ترك أربعة بنين شهد ثلاثة عليه بثلاثين فرجع أحدهم عن عشرة وآخر عن عشرين ، وآخر عن ثلاثين ، فاجتمعوا على الرجوع عن عشرة ، فما لأخيهم الذي لم يشهد إلا ربعها عليهم أثلاثا ، والعشرة الثانية رجع عنها الباقيان وثبت عليها الراجع عن عشرة ، وإنما لأخيهم ربعها ، فيغرمان له نصف ذلك نصفين ، فذلك كله أربعة إلا ربعا ، يأخذها الذي لم يشهد ، ولا شيء على الراجع عن الثلاثين في العشرة التي انفرد بها للرجوع عنها ; لأنها ثبت عليها شاهدان ، وكل ما رجعوا عنه ورثوه ، والذي لم يشهد ربعه ، قيل لمحمد : فإذا ألزم الراجع عن ثلاثين ربعها للذي لم يشهد ، فلم يلزمها ربع آخر الراجع عن عشرة ؟ فلم يذكر في كتابه جوابا ، والجواب : أنه مقر بها عن أبيه فكيف يغرمهم مما يقر بصحته ؟

                                                                                                                [ ص: 324 ] فـرع

                                                                                                                إن تداعيا ثلاثمائة في أيديهما ، فادعى أحدهما جميعها ، والآخر مائة منها ، وتكافأت البينتان ، فيحلفان ، ويأخذ مدعي المائتين مائة ، ويقاسم في المائة الأخرى نصفين رجع من كل شاهد غرم كل واحد خمسة وعشرين لمن شهد عليه ، أو رجعوا كلهم ، غرم شاهدا المائتين خمسين لمدعي المائة ، وشاهد المائتين خمسين لمدعي المائتين ; لأن مدعي المائة لولا شهادتهما لمدعي المائتين لم يأخذ غير مائة لتساوي الأسباب والحجج ، ولولا شهادة الآخرين لأخذ الآخر الجميع ، فنقص كل واحد خمسين .

                                                                                                                فـرع

                                                                                                                قال : شهدا على مائة بمائة لم يترك غيرها فغرماها بالرجوع بعد الحكم للوارث ، فطرأ غريم آخر وثبتت له مائة بعدلين ، رجع الأولاد على الوارث بجميع المائة ; لأنه لا يرث مع الدين ، ويأخذ الغريم الثاني خمسين مما أخذ الأول ، ويبقى بيد الأول خمسون التي يستحقها بالحصاص ، ويغرم الشاهدان الثاني الخمسين الباقية له بيد الغريم الأول ; لأنه لولا شهادتهما لم يحاصصه الأول ، فإن رجع شاهد الثاني بعد الحكم غرما للوارث المائة التي ردها ، وللغريم الأول الخمسين التي انتزعت منه : قيل لمحمد : كيف يغرمان مائة وخمسين ، والتركة إنما هي مائة ؟ قال : قد يغرمان مائتين ، بأن يستودع المائة المائة ، ثم يشهد بمائة دين فيأخذها الغريم ، ثم يردان فيغرمانها للورثة ، ثم يثبت الآخر أن تلك المائة بعينها له كانت وديعة عند الميت ، فيرد الوارث المائة على الشهود لعدم الإرث مع الدين ، ويرد الغريم الأول المائة الثانية ; لأنه عين ماله ، فإن رجع الشاهدان الآخران غرما مائة للورثة ، ومائة للغريم الأول .

                                                                                                                [ ص: 325 ] فـرع

                                                                                                                قال : إذا قال للحاكم : إنما شهدنا للذي قضيت عليه على المقضي له ، وقال القاضي : بل للأول أو شك ، رد المال للثاني وأخذ من الثاني للأول ، فإن [ . . ] القاضي أو شك ، رد المال للثاني ، وأخذ من الثاني للأول ، وإن قال : أنا شهدت [ . . ] غرم المال للثاني لأن الغريم [ . . . ] غرما المال عن [ . . . ] الأول ، وإن كانت شهادتهما في ديوانه إلا أن تشهد بينة بشـ [ . . . ] كان ذلك لمن فوقه فيقضى له ببينته ، وإن كانت البينة الأولى أعدل ; لأنها جرحة ، وتمتنع شهادته في ذلك لأنه خصم ، قاله مالك وأصحابه .

                                                                                                                فـرع

                                                                                                                قال : إذا شهد بثمن إلى أجل ، فرجع بعد الحكم ، خير البائع بين الرضا بذلك ويتبع المشتري ، أو يغرمان له القيمة ويتبعان المشتري بالثمن ، أو يأخذ من المشتري القيمة إن كانت أقل ، وإذا غرما ورجعا على المشتري بعد الأجل ، ورجع البائع بما يفضل من الثمن ، ولا يريح الشاهدان ، قاله سحنون : فإن شهدا على المشتري وخير بين الأخذ بالثمن لرضا البائع به ، وإن كانت القيمة أكثر ، أو يلزم الشاهدين المبيع ، ويأخذ منها الثمن ، فإن فات المبيع عنده بموت أو نقص أو إباق ، والقيمة مثل الثمن فأكثر ، و إلا رجع بالفاضل ، وقيل : إذا مات أو أبق رجع بجميع الثمن كأنها هلكت منهما ، وإن دخله نقص فله إلزامه الشاهدين ، ويأخذ الثمن ، وإن أعتقها وقيمتها مثل الثمن فأكثر ، ولا يرجع بشيء ، و إلا رجع بتمام ما ودى . ولو باعهما بالثمن وأكثر ، ولم يرجع بشيء أو بأقل ، وقيمتها مثل ما خرج منه فأكثر ، فلا شيء عليهما ، أو قيمتها أقل مما ودي وأكثر مما باع به ، فله ما بين القيمة التي خرجت من يديه بالحكم ، وقيل : بيعها وعتقها ووطؤها رضا منه بالشراء ، فإن كان المشتري هو المدعي ، والبائع منكر ، حرم عليه وطؤها [ ص: 326 ] وتكلف الشاهدان شراءها للبائع ، وإن كان قيمتها أكثر من المأخوذ من المشتري ، غرما له تمام القيمة ، وإن اشتراها الشاهدان من المشتري ، ثم رجعا ولم تفت ، رداها على البائع ، ويلزمه ذلك ، ويرده إليها ما قبض جاز ، كانت فله ما بقي من قيمتها على الثمن الذي أخذا يرجع عليهما ويبقى لهما ، إلا أن يأخذها ويعطى الثمن ، فإن قضي على البائع بشهادتهما وهو ينكر ، ثم اعترفا بالزور وصدقهما المشتري ولم يفت ، أخذها البائع كالمغصوبة منه ، قاله عبد الملك ، وإن فاتت فعليهما فضل القيمة على الثمن ، وإن غابت صدق المبتاع في الصفة مع يمينه ، فإن نكل حلف الشاهدان على الصفة ، فإن نكلا صدق البائع في الصفة بغير يمين . ومتى غرما الفضل للبائع رجعا به على المبتاع ، ومتى كان المشهود عليه ذكرا في شهادتهما أنه بالخيار في ذلك البيع ، فلا غرم عليهما بالرجوع ; لأنه كان متمكنا من خيار البيع عن نفسه ، فحيث لم يفعل فهو راض ، قاله ابن عبد الحكم ، وإذا رجعا عند السادة والخيار للمشتري فضاعفوا على البائع عبده أن يتصرف فيه ببيع وغيره ، وهو لم يقبض الثمن فيغرما قيمة العبد ، وتوقف القيمة ، فإن لزم البيع فله القيمة ، وإن رده المشتري بالخيار عادت القيمة إليها ، وإن تغيب في أيام الخيار ، رده المبتاع ; لأنه حكم بالخيار .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية