الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                1320 ص: وخالفهم في ذلك آخرون فكبروا في الخفض والرفع جميعا، وذهبوا في ذلك إلى ما تواترت به الآثار عن رسول الله - عليه السلام -.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: عطاء بن أبي رباح والحسن البصري ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي والثوري والأوزاعي وأبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد وأصحابهم وغيرهم من عوام العلماء; فإنهم رأوا التكبير في الخفض والرفع جميعا، وذهبوا في ذلك إلى ما تواترت وتكاثرت به الآثار عن النبي - عليه السلام -، ويحكى ذلك عن ابن مسعود وأبي هريرة وجابر وقيس بن عبادة وغيرهم.

                                                ثم اختلفوا في تكبيرات الصلاة غير تكبيرة الإحرام هل هي سنة أو واجبة؟ فقال قوم: هي سنة، قال ابن المنذر: وبه قال أبو بكر الصديق وعمر وجابر وقيس بن عبادة والشعبي والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز ومالك والشافعي وأبو حنيفة، ونقله ابن بطال أيضا عن عثمان وعلي وابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وابن الزبير ومكحول والنخعي وأبي ثور .

                                                [ ص: 132 ] وقالت الظاهرية وأحمد في رواية: كلها واجب.

                                                وقال أبو عمر: قد قال قوم من أهل العلم: إن التكبير إنما هو إذن بحركات الإمام وشعار الصلاة، وليس بسنة إلا في الجماعة، فأما من صلى وحده فلا بأس عليه أن لا يكبر، وقد قال ابن القاسم: فمن نسي ثلاث تكبيرات فصاعدا من صلاته وحده: أنه يسجد قبل السلام، فإن لم يفعل أعاد، وخالفه أصبغ وعبد الله بن عبد الحكم فقالا: لا إعادة على من نسي التكبير كله في صلاته إذا كان قد كبر لإحرامه، وإنما عليه سجدتا السهو، فإن لم يسجدهما فلا حرج، وعلى هذا القول فقهاء الأمصار وأئمة الفتوى، وهو الذي ذهب إليه أبو بكر الأبهري، قال: وأهل الظاهر كلهم يأمرون به ويفعلونه، فإن تركه تارك عندهم بعد أن يحرم لم تفسد صلاته; لأنه ليس عندهم من فرائض الصلاة.

                                                قلت: قال ابن حزم في "المحلى": والتكبير للركوع فرض، وقول: سبحان ربي العظيم في الركوع فرض، والقيام إثر الركوع فرض لمن قدر عليه حتى يعتدل قائما، وقول: "سمع الله لمن حمده" عند القيام من الركوع فرض، فإن كان مأموما ففرض عليه أن يقول بعد ذلك: "ربنا لك الحمد"، أو "ولك الحمد"، وليس هذا فرضا على إمام ولا فذ، فإن قالاه كان حسنا وسنه، والتكبير لكل سجدة منهما فرض، وقول: سبحان ربي الأعلى في كل سجدة فرض، ووضع الجبهة واليدين والأنف والركبتين وصدور القدمين على ما هو قائم عليه فيما أبيح له التصرف عليه فرض كل ذلك، والجلوس بين السجدتين فرض، والطمأنينة فيه فرض، والتكبير له فرض، لا تجزئ صلاة لأحد من أن يدع من هذا كله عامدا; فإن لم يأت به ناسيا ألغى ذلك وأتى به كما أمر ثم سجد للسهو فإن عجز عن شيء منه لجهل أو عذر مانع سقط عنه، وتمت صلاته. انتهى.

                                                [ ص: 133 ] وقال أبو عمر : قال إسحاق بن منصور، سمعت أحمد بن حنبل يقول: "يروى عن ابن عمر أنه كان لا يكبر إذا صلى وحده" قال أحمد: وأحب إلي أن يكبر إذا صلى وحده في الفرض، وأما في التطوع فلا.

                                                قال أبو عمر: لا يحكي أحمد عن ابن عمر إلا ما صح عنده، وأما ما رواه مالك ، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يكبر في الصلاة كلما خفض ورفع". فيدل ظاهره على أنه كذلك كان يفعل إماما وغير إمام. وقال السفاقسي: واختلفوا فيمن ترك التكبير في الصلاة، فقال ابن القاسم: من أسقط ثلاث تكبيرات فأكثر أو التكبير كله سوى تكبيرة الإحرام سجد قبل السلام، وإن لم يسجد قبل السلام سجد بعده، وإن لم يسجد حتى طال بطلت صلاته، وفي "الموضحة": وإن نسي تكبيرين سجد قبل أن يسلم، فإن لم يسجد لم تبطل صلاته، وإن ترك تكبيرة واحدة اختلف هل عليه سجود أم لا؟ فقال ابن عبد الحكم وأصبغ: ليس على من ترك التكبير سوى السجود، فإن لم يفعل حتى تباعد فلا شيء عليه. وقال أصحابنا: لا يجب السجود بترك الأذكار كالثناء والتعوذ وتكبيرات الركوع والسجود وتسبيحاتها.

                                                وفي "شرح المهذب": لو ترك التكبير عمدا أو سهوا حتى ركع، لم يأت به لفوات محله. والله أعلم.




                                                الخدمات العلمية