الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                1263 1264 ص: وقالوا قد يحوز أن يكون يريد بقوله قرأ بالطور: قرأ ببعضها، وذلك جائز في اللغة، يقال: هذا فلان يقرأ القرآن إذا كان يقرأ منه شيئا، ويحتمل "قرأ بالطور" قرأ بكلها، فنظرنا في ذلك هل يروى فيه شيء يدل على أحد التأويلين؟ فإذا صالح بن عبد الرحمن وابن أبي داود قد حدثانا، قالا: حدثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم ، عن الزهري ، عن محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه قال: "قدمت المدينة على عهد النبي - عليه السلام - لأكلمه في أسارى بدر، فانتهيت إليه وهو يصلي بأصحابه صلاة المغرب، فسمعته يقول: إن عذاب ربك لواقع فكأنما صدع قلبي، فلما فرغ كلمته فيهم، فقال: شيخ، لو كان أتاني لشفعته فيهم يعني أباه مطعم بن عدي".

                                                فهذا هشيم قد روى هذا الحديث عن الزهري، فبين القصة على وجهها، وأخبر أن الذي سمعه من النبي - عليه السلام - هو قوله -عز وجل-: إن عذاب ربك لواقع فبين هذا أن قوله في الحديث الأول: "قرأ بالطور" إنما هو ما سمعه يقرأه منها، وليس لفظ جبير إلا ما روى هشيم; لأنه ساق القصة على وجهها، فصار ما حكى فيها عن النبي - عليه السلام - هو قراءته إن عذاب ربك لواقع خاصة.

                                                وأما حديث مالك -رحمه الله-: فمختصر من هذا وكذلك حديث زيد بن ثابت في قوله لمروان: "لقد سمعت رسول الله - عليه السلام - يقرأ فيها بأطول الطول: المص". يجوز أن يكون ذلك على قراءته ببعضها.

                                                [ ص: 59 ]

                                                التالي السابق


                                                [ ص: 59 ] ش: أي قال الجماعة الآخرون، وأشار به إلى الجواب عما استدل به أهل المقالة الأولى، بيانه: أن قوله: "قرأ بالطور، يحتمل أمرين: الأول: أن يكون أراد به بعض الطور، من قبل ذكر الكل وإرادة الجزء، وهذا شائع ذائع في كلام العرب، وذلك كما يقال: فلان يقرأ القرآن إذا كان يقرأ منه شيئا، وفلان يحيي الليل إذا كان يحيي بعضه، وفلان ينفق ماله في سبيل الله إذا كان ينفق بعضه.

                                                وأن يكون على حقيقته بأن يكون قرأ بالطور كلها فإذا كان هذا اللفظ دائرا بين الاحتمالين وجب أن ينظر فيه هل يوجد شيء من الآثار يؤكد أحد الاحتمالين ويعلم أن المراد أحدهما فنظرنا فيه، فوجدنا حديث جبير بن مطعم الذي رواه هشيم عن الزهري، قد دل على أن المراد من حديث جبير في الروايات السابقة هو بعض السورة; لأن هشيما بين في روايته هذه القصة على وجهها، وأخبر أن الذي سمعه جبير بن مطعم هو هذا المقدار من سورة الطور، وهو قوله: إن عذاب ربك لواقع خاصة، هذا الجواب أن الرواية التي رواها سعد بن إبراهيم عن بعض إخوته عن أبيه جبير بن مطعم .

                                                وأما الجواب عن رواية مالك ، عن الزهري ، عن محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه; فهو أنه مختصر من حديث سعد بن إبراهيم .

                                                وأما الجواب عن حديث زيد بن ثابت; فهو مثل الجواب المذكور أولا، وهو أن يكون المراد بعض السورة كما ذكرنا، وكذلك الجواب عن حديث أم الفضل المذكور، ولم يذكر الطحاوي الجواب عنه.

                                                قلت: فيه نظر من وجهين:

                                                الأول: أن حديث هشيم لا يدل على المدعى; لأنه يجوز أن يكون انتهاء جبير بن مطعم إلى النبي - عليه السلام - وهو يقرأ: إن عذاب ربك لواقع وقد كان - عليه السلام - قد قرأ من أول السورة إلى هذا الموضع في غيبة جبير، وكان انتهاؤه إليه عند انتهاء [ ص: 60 ] النبي - عليه السلام - إلى هذه الآية، وأنه قد كمل السورة بعده بحضرته، ولم يذكر جبير من الآيات التي قد أدركها إلا هذه الآية وهي قوله: إن عذاب ربك لواقع إما لأنه أول آية قد أدركها، وإما لأن هذه الآية هي التي قد صدعت قلبه لكونها تخبر عن وقوع عذاب الله تعالى بلا ريب.

                                                والثاني: أن إنكار زيد بن ثابت أو أبي زيد الأنصاري على مروان بن الحكم حين قرأ بسورة يس بقوله: "لم تقصر صلاة المغرب وكان رسول الله - عليه السلام - يقرأ فيها بأطول الطوليين الأعراف؟ ". فلو لم يكن مراده الأعراف بتمامه لما وقع الإنكار في محله، مع أن مروان قد كان قرأ بسورة يس.

                                                والجواب الصحيح: أن يقال: إنه - عليه السلام - قد فعل هذا أحيانا إما لبيان جواز الإطالة في المغرب، وإما لأنه قد علم أن من وراءه في ذلك الوقت ما كان يشق ذلك عليهم، وإما لبيان أن الأمر على السعة، وأنه لا حد معلوما في قراءة صلاة من الصلوات، وأن ذلك يفعل بحسب حال الوقت وبحسب حال المصلي، وقال القاضي عياض: وما ورد من إطالته - عليه السلام - في بعض الصلوات فإنه قد ورد ما يعارضه، وهو قوله - عليه السلام -: "إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليوجز فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة" . وهذا أمر منه - عليه السلام - بالتخفيف، وإشارة للتعليل; فيبطل تطرق الاحتمال إليه، وهذا وقول جابر بن سمرة: "وكانت صلاته بعد تخفيفا" وحدث أنس بنحوه يقضي على جميع مختلف الآثار، وأنه هو الذي شرعه - عليه السلام - للأئمة، وهو موضع البيان، وما خالفه من فعله فبحسب زوال العلة وهي السفر، وكون الصائم وراءه أو المتعجل، أو ضيق الوقت ونحو ذلك، على أنه - عليه السلام - كان يخفف الصلاة لسماع بكاء الصبي انتهى.

                                                [ ص: 61 ] وقد أكد بعضهم صحة ما ذكره الطحاوي من التأويل المذكور بما روي عن أنس قال: "كنا نصلي المغرب مع النبي - عليه السلام -، ثم يرمي أحدنا فيرى موقع نبله" وفي رواية غيره: "وهم يبصرون موقع النبل على قدر ثلثي ميل" فلما كان هذا المقدار وقت انصراف رسول الله - عليه السلام - من صلاة المغرب استحال أن يكون ذلك وقد قرأ فيها الأعراف ولا نصفها ولا ثلثها.

                                                قلت: هذا ما ذكره الطحاوي على ما يجيء الآن، ولكن فيه نظر لأن حديث أنس لا يدل على أنه - عليه السلام - كان دائما يصلي المغرب نحو ما ذكره حتى يصحح به التأويل المذكور، بل فعل النبي - عليه السلام - في هذا مختلف، وكذلك الروايات عنه مختلفة في تطويله القراءة فيها أحيانا وتخفيفه أحيانا، وكل ذلك كان ليدل على سعة الأمر، وأنه لا حد في قراءة لصلاة من الصلوات لا يتعدى، وأنه - عليه السلام - كان يفعل كل ذلك بحسب حال من وراءه وبحسب وقته من ابتداء الصلاة أول الوقت، إذ يمكنه، أو الأعذار الحادثة فيه فافهم.

                                                ثم إسناد حديث هشيم صحيح ورجاله رجال الصحيح ما خلا صالحا وإبراهيم ابن أبي داود .

                                                وأخرجه الطبراني : ثنا علي بن عبد العزيز، نا أبو عبيد، نا هشيم، ثنا سفيان بن حسين ، عن الزهري، قال هشيم: ولا أظن إلا قد سمعته من الزهري ، عن محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه جبير قال: "أتيت النبي - عليه السلام - لأكلمه في أسارى بدر فوافيته وهو يصلي بأصحابه المغرب أو العشاء، فسمعته وهو يقول أو يقرأ وقد خرج صوته من المسجد إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع فكأنما صدع قلبي".

                                                [ ص: 62 ] قوله: "على عهد النبي - عليه السلام -" أي على زمنه وأيامه، وكان قدومه مع أسارى بدر كافرا يومئذ وأسلم بعد ذلك قبل عام خيبر، وقيل: يوم الفتح، قاله في "التهذيب".

                                                قوله: "فقال شيخ" أي فقال - عليه السلام -: لو أتاني شيخ أراد به أباه مطعم بن عدي بن نوفل، وكانت له يد عند رسول الله - عليه السلام - وهي أنه كان أجار رسول الله - عليه السلام - لما قدم من الطائف حين دعا ثقيفا إلى الإسلام، وكان أحد الذين قاموا في نقض الصحيفة التي كتبها قريش على بني هاشم وبني المطلب، وإياه عنى أبو طالب بقوله:


                                                أمطعم إن القوم ساموك خطة ... وإني متى أوكل فلست بوائل



                                                وكانت وفاة المطعم قبل بدر بنحو سبعة أشهر.

                                                قوله: "لشفعته" أي لقبلت شفاعته فيهم، لما قلنا من كون يد له عند النبي - عليه السلام -.




                                                الخدمات العلمية