الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                1520 1521 1522 1523 1524 1525 1526 1527 ص: فهذا حكم تصحيح معاني الآثار في ذلك، وأما وجه ذلك من طريق النظر: فإنا قد رأينا الأعضاء التي قد أمر بالسجود عليها هي سبعة أعضاء، بذلك جاءت الآثار عن رسول الله - عليه السلام -. فما روي عنه في ذلك:

                                                ما قد حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن أبي الوزير، قال: ثنا عبد الله بن جعفر ، عن إسماعيل بن محمد ، عن عامر بن سعد ، عن أبيه قال: قال النبي - عليه السلام -: "أمر العبد أن يسجد على سبعة آراب: وجهه وكفيه وركبتيه وقدميه، أيها لم تقع فقد انتقض".

                                                [ ص: 404 ] حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا عبد الله بن جعفر ، عن إسماعيل ، عن عامر ، عن أبيه قال: قال النبي - عليه السلام -: " إذا سجد العبد سجد على سبعة آراب ... " ثم ذكر مثله.

                                                حدثنا محمد بن خزيمة وفهد ، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث بن سعد (ح).

                                                وحدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثني الليث، قال: ثنا ابن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث ، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن عباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول الله - عليه السلام - يقول: " إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: : وجهه وكفاه وركبتاه وقدماه". .

                                                حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد ، عن يزيد بن الهاد ... فذكر بإسناد مثله.

                                                حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان ، عن عمرو ، عن طاوس ، عن ابن عباس: " أمر النبي - عليه السلام - أن يسجد على سبعة أعظم". .

                                                حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمد بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا روح بن القاسم ، عن عمرو ، عن عطاء ، عن ابن عباس مثله.

                                                قال أبو جعفر -رحمه الله-: فكانت هذه الأعضاء هي التي عليها السجود، فنظرنا في ذلك كيف حكم ما اتفق عليه منها لنعلم به كيف حكم ما اختلفوا فيه منها؟ فرأينا الرجل إذا سجد يبدأ بوضع أحد هذين إما ركبتاه وإما يداه، ثم رأسه بعدهما، ورأيناه إذا رفع بدأ برأسه فكان الرأس مقدما في الرفع مؤخرا في الوضع، ثم يثني بعد رفع رأسه برفع يديه، ثم ركبتيه، هذا اتفاق منهم جميعا، فكان النظر على ما وصفنا في حكم الرأس إذ كان مؤخرا في الوضع لما كان مقدما في الرفع، أن تكون اليدان كذلك لما كانتا مقدمتين على الركبتين في الرفع، أن تكونا مؤخرتين عنهما في [ ص: 405 ] الوضع، فثبت بذلك ما روي عن وائل; فهذا هو النظر، وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ، ومحمد رحمهم الله.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي هذا الذي ذكرنا من ترجيح حديث وائل بالوجه المذكور هو حكم تصحيح الآثار المتعارضة والمتضادة، وأما وجه حكمها من طريق النظر والقياس، أن الأعضاء التي أمر المصلي أن يسجد عليها سبعة، وهي: الوجه والكفان والركبتان والقدمان، ورأيناهم قد اتفقوا أن المصلي إذا سجد يبدأ إما بركبتيه، وإما بيديه، ثم برأسه بعدهما، وإذا رفع بدأ أولا برأسه، ثم بيديه، ثم بركبتيه، فكان الرأس مقدما في الرفع مؤخرا في الوضع; فالنظر والقياس على ذلك أن تكون اليدان كذلك كما كانتا مقدمتين على الركبتين في الرفع ينبغي أن تكونا مؤخرتين عن الركبتين في الوضع.

                                                قوله: "أحد هذين" إشارة إلى الركبتين وإلى اليدين، باعتبار المذكور، فلذلك ذكر اسم الإشارة.

                                                قوله: "ثم يثني" من التثنية.

                                                قوله: "إذ كان مؤخرا" أي حين كان.

                                                قوله: "مقدمتين" بفتح الدال المشددة، وكذلك قوله: مؤخرتين بفتح الخاء. فافهم.

                                                قوله: "فمما روي عنه في ذلك" أي من الذي روي عن النبي - عليه السلام - في السجود على الأعضاء.

                                                وأخرج ذلك عن ثلاثة من الصحابة، وهم: سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة بالجنة، وعباس بن عبد المطلب ، وعبد الله بن عباس - رضي الله عنهم -.

                                                أما حديث سعد فأخرجه من طريقين صحيحين:

                                                أحدهما: عن أبي بكرة بكار القاضي ، عن إبراهيم بن أبي الوزير، وهو إبراهيم بن عمر بن مطرف الهاشمي المكي ، عن عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن المدني، [ ص: 406 ] عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري المدني ، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص المدني ، عن أبيه سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص مالك بن أهيب .

                                                وهؤلاء كلهم رجال الصحيح ما خلا أبا بكرة .

                                                وأخرجه عبد بن حميد في "مسنده" : حدثني ابن أبي شيبة، نا محمد بن عمر ، عن عبد الله بن جعفر ، عن إسماعيل بن محمد ، عن عامر بن سعد ، عن أبيه قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "إذا سجد العبد سجد على سبعة آراب: وجهه وكفيه وركبتيه وقدميه، فما لم يضع فقد انتقص".

                                                الآخر: عن إبراهيم بن مرزوق ، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي البصري ، عن عبد الله بن جعفر ... إلى آخره.

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة نحوه .

                                                وأما حديث عباس بن عبد المطلب فأخرجه من ثلاث طرق صحاح:

                                                الأول: عن محمد بن خزيمة وفهد بن سليمان، كلاهما عن عبد الله بن صالح كاتب الليث ، عن الليث بن سعد ، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد المدني ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد المدني ، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن عباس بن عبد المطلب ... إلى آخره.

                                                وأخرجه أبو داود : ثنا قتيبة بن سعيد، نا بكر يعني ابن مضر ، عن ابن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن عامر بن سعد ، عن العباس بن عبد المطلب، أنه سمع رسول الله - عليه السلام - يقول: "إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهه وكفاه وركبتاه وقدماه".

                                                [ ص: 407 ] وأخرجه الترمذي : عن قتيبة أيضا ... إلى آخره نحوه.

                                                وقال: حديث العباس حديث حسن صحيح وعليه العمل عند أكثر أهل العلم.

                                                وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" ، والحاكم في "مستدركه" ، وسكت عنه.

                                                الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى المصري ، عن عبد الله بن يوسف التنيسي ، عن الليث بن سعد ، عن يزيد بن عبد الله ، عن محمد بن إبراهيم ، عن عامر بن سعد ، عن عباس بن عبد المطلب ... نحوه.

                                                وأخرجه النسائي : عن قتيبة ، عن بكر ، عن ابن الهاد نحو رواية أبي داود المذكورة آنفا.

                                                وأخرجه ابن ماجه : عن يعقوب بن حميد بن كاسب ، عن عبد العزيز بن أبي حازم ، عن يزيد بن الهاد ... إلى آخره.

                                                الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق ، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي ، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، عن يزيد بن الهاد ... إلى آخره.

                                                وأخرجه البزار في "مسنده" : ثنا محمد بن عقبة السدوسي، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد ، عن يزيد بن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن عامر بن سعد ، عن العباس بن عبد المطلب ، عن النبي - عليه السلام - قال: "أمر المرء أن يسجد على سبعة آراب: يديه ورجليه وركبتيه، ووجهه".

                                                [ ص: 408 ] وأخرجه أحمد في"مسنده" : ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا عبد الله بن جعفر ، عن إسماعيل بن محمد ، عن عامر بن سعد ، عن العباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا سجد الرجل سجد معه سبعة آراب: وجهه وكفيه وركبتيه وقدميه".

                                                واعلم أن حديث العباس هذا عزاه جماعة إلى مسلم، منهم صاحب الأطراف، والحميدي في "الجمع بين الصحيحين" والبيهقي في "سننه"، وابن الجوزي في "جامع المسانيد" وفي "التحقيق"، ولم يذكره عبد الحق في الجمع بين الصحيحين، ولم يذكر القاضي عياض لفظ الآراب في "مشارق الأنوار" الذي وضعه على ألفاظ البخاري ومسلم والموطأ.

                                                قال القاضي: وهذه اللفظة لم تقع عند شيوخنا في مسلم ولا في النسخ التي رأينا، والتي في كتاب مسلم: "سبعة أعظم". انتهى.

                                                والذي يظهر -والله أعلم- أن أحدهم سبق بالوهم وتبعه الباقون، وهو محل اشتباه فإن العباس يشتبه بابن عباس، وسبعة آراب قريب من سبعة أعظم. والله أعلم.

                                                وأما حديث عبد الله بن عباس فأخرجه من طريقين صحيحين:

                                                الأول: عن يونس بن عبد الأعلى ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن طاوس بن كيسان ، عن عبد الله بن عباس: "أمر النبي - عليه السلام - أن يسجد على سبعة أعظم".

                                                وأخرجه البخاري : ثنا قبيصة، قال: ثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن طاوس ، عن ابن عباس: "أمر النبي - عليه السلام - أن يسجد على سبعة أعضاء- ولا يكف شعرا ولا ثوبا، الجبهة واليدين والركبتين والرجلين".

                                                [ ص: 409 ] وأخرجه مسلم : ثنا يحيى بن يحيى وأبو الربيع الزهراني قال يحيى: أنا، وقال أبو الربيع: ثنا حماد بن زيد ، عن عمرو بن دينار ، عن طاوس ، عن ابن عباس قال: "أمر النبي - عليه السلام - أن يسجد على سبعة، ونهي أن يكف شعره أو ثيابه" هذا حديث يحيى، وقال أبو الربيع: "على سبعة أعظم، ونهي أن يكف شعره وثيابه: الكفين والركبتين والقدمين والجبهة".

                                                وأخرجه الترمذي : ثنا قتيبة، قال: نا حماد بن زيد ، عن عمرو بن دينار ، عن طاوس ، عن ابن عباس قال: "أمر رسول الله - عليه السلام - أن يسجد على سبعة أعضاء، ولا يكف شعره ولا ثيابه".

                                                قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

                                                وأخرجه النسائي : عن قتيبة أيضا، عن حماد ... إلى آخره نحوه.

                                                وأخرجه البخاري من طريق آخر أيضا، وقال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا شعبة ، عن عمرو ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، عن النبي - عليه السلام - قال: "أمرنا أن نسجد على سبعة أعظم، ولا نكف ثوبا ولا شعرا".

                                                ومن طريق آخر أيضا : ثنا معلى بن أسد، قال: ثنا وهيب ، عن عبد الله بن طاوس ، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال النبي - عليه السلام -: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة -وأشار بيده إلى أنفه- واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ولا نكفت الثياب والشعر".

                                                [ ص: 410 ] وكذا أخرجه مسلم : ثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد هو ابن جعفر، قال: ثنا شعبة ، عن عمرو بن دينار ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، عن النبي - عليه السلام - قال: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، ولا أكف ثوبا ولا شعرا".

                                                حدثنا بهز، قال: ثنا وهيب، قال: ثنا عبد الله بن طاوس ، عن طاوس ، عن ابن عباس، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة -وأشار بيده على أنفه- واليدين والرجلين وأطراف القدمين، ولا أكفت الثياب ولا الشعر".

                                                حدثنا أبو الطاهر، قال: أنا عبد الله بن وهب، قال: حدثني ابن جريج ، عن عبد الله بن طاوس ، عن أبيه، عن ابن عباس، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "أمرت أن أسجد على سبعة، ولا أكفت الشعر ولا الثياب، الجبهة والأنف واليدين والركبتين والقدمين".

                                                وأخرجه أبو داود : نا محمد بن كثير، أنا شعبة ، عن عمرو بن دينار ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، عن النبي - عليه السلام - قال: "أمرت -وربما قال: أمر- نبيكم أن يسجد على سبعة آراب".

                                                وأخرجه ابن ماجه : ثنا بشر بن معاذ الضرير، ثنا أبو عوانة وحماد بن زيد ، عن عمرو بن دينار ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، عن النبي - عليه السلام - قال: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم".

                                                الطريق الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، عن محمد بن المنهال التميمي الضرير الحافظ شيخ البخاري ومسلم وأبي داود ، عن يزيد بن زريع العيشي [ ص: 411 ] البصري ، عن روح بن القاسم التميمي العنبري ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس ... إلى آخره.

                                                وأخرجه أحمد في "مسنده" : ثنا سفيان ، عن عمرو ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال: "أمر رسول الله - عليه السلام - أن يسجد على سبع، ونهي أن يكف شعره وثيابه".

                                                قوله: "آراب" بالمد جمع "إرب" بكسر الهمزة وسكون الراء، وهو العضو، والمعنى: أمر العبد أن يسجد على سبعة أعضاء.

                                                قوله: "وجهه" بالجر عطف بيان لقوله: "آراب" وما بعده عطف عليه.

                                                قوله: "أيها لم يقع" أي أي الأعضاء من هذه الأعضاء السبعة لم يقع على الأرض فقد انتقض سجوده، والضمير في انتقض يرجع إلى السجود الذي دل عليه قوله: "أن يسجد"، وقد اختلف العلماء فيما يجري السجود عليه من الآراب السبعة بعد إجماعهم على أن السجود على الأرض فريضة.

                                                فقال النووي: أعضاء السجود سبعة وينبغي للساجد أن يسجد عليها كلها، وأن يسجد على الجبهة والأنف جميعا، وأما الجبهة فيجب وضعها مكشوفة على الأرض، ويكفي بعضها، والأنف مستحب فلو تركه جاز، ولو اقتصر عليه وترك الجبهة لم يجز، هذا مذهب الشافعي ومالك والأكثرين.

                                                وقال أبو حنيفة ، وابن القاسم من أصحاب مالك: له أن يقتصر على أيهما شاء.

                                                وقال أحمد ، وابن حبيب من أصحاب مالك: يجب أن يسجد على الجبهة والأنف جميعا; لظاهر الحديث.

                                                وقال الأكثرون: بل ظاهر الحديث أنهما في حكم عضو واحد; لأنه قال: "سبعة آراب"، وفي رواية أخرى: "سبعة أعظم" فإن جعلا عضوين صارت ثمانية.

                                                فإن قيل: ذكر الأنف في رواية مسلم حيث قال: "أمرت أن أسجد على سبعة: الجبهة والأنف واليدين والركبتين والقدمين".

                                                [ ص: 412 ] قلت: الجواب ما ذكرناه، وإنما ذكر الأنف استحبابا، وهو تابع للجبهة، ألا ترى كيف ذكر أصحاب التشريح فقالوا: إن عظمي الأنف يبتدئان من قرنة الحاجب وينتهيان إلى الموضع الذي فوق الثنايا والرباعيات، فعلى هذا يكون الأنف والجبهة التي هي أعلى الحد واحدا، وهو المعنى المشار إليه في حديث عبد الله بن طاوس ، عن أبيه قال - عليه السلام -: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة -وأشار بيده إلى أنفه- والرجلين وأطراف القدمين، ولا نكفت الثياب ولا الشعر" فقد سوى بينهما، ولأن أعضاء السجود سبعة إجماعا، ولا تكون سبعة إلا إذا كانت الجبهة والأنف عضوا واحدا.

                                                وقال ابن بطال: وقالت طائفة: إذا سجد على جبهته دون أنفه أجزأه، روي ذلك عن ابن عمر وعطاء وطاوس ، والحسن وابن سيرين والقاسم ، وسالم والشعبي والزهري، قال: وهذا هو قول مالك ، ومحمد وأبي يوسف ، والشافعي -في أحد قوليه- وأبي ثور، والمستحب عندهم أن يسجد على أنفه مع جبهته، وروي عن أبي حنيفة أنه إن اقتصر على أحدهما: -الأنف أو الجبهة- جاز، هذا هو الصحيح من مذهبه، وروى أسد بن عمرو عنه: لا يجوز الاقتصار على الأنف إلا من عذر، وهو قول تلميذيه، وفي بعض شروح الهداية عنه: إن وضع الجبهة وحدها من غير عذر جاز بلا كراهة، وفي الأنف وحده يجوز مع الكراهة، والمستحب الجمع بينهما.

                                                وفي "الأسرار" للدبوسي جاز ذلك، وقد أشار أبو حفص في "المنظومة" أنه يجوز بلا عذر، وحكى ابن شاس في "الجواهر" أنه قول مالك .

                                                وقال ابن جرير في "تهذيب الآثار": حكم الجبهة والأنف سواء، فواضع الأنف دون الجبهة كواضع راحتيه دون الأصابع أو الأصابع دونهما، لا فرق بين ذلك، قال: وبنحو هذا الذي قلناه قال جماعة من السلف.

                                                قال ابن بطال: وبه قال طاوس وابن سيرين، وهو قول ابن القاسم .

                                                وفي "المبسوط": ونقل عن ابن عمر مثل قول إمامنا النعمان .

                                                [ ص: 413 ] وأما اليدان والركبتان والقدمان فهل يجب السجود عليهما؟ فقال الشيخ محيي الدين: فيه قولان للشافعي:

                                                أحدهما: لا يجب لكن يستحب استحبابا متأكدا.

                                                والثاني: يجب وهو الأصح، وهو الذي رجحه الشافعي، فلو أخل بعضو منها لم تصح صلاته، وإذا أوجبا لم يجب كشف القدمين والركبتين، وفي الكفين قولان للشافعي: أحدهما يجب كشفهما كالجبهة، وأصحهما لا يجب.

                                                وفي "شرح الهداية": السجود على اليدين والركبتين والقدمين غير واجب.

                                                وفي "الواقعات": لو لم يضع ركبتيه على الأرض عند السجود لا يجزئه، وقال أبو الطيب: مذهب الشافعي أنه لا يجب وضع هذه الأعضاء، وهو قول عامة الفقهاء، وعند زفر وأحمد بن حنبل: يجب، وعن أحمد: في الأنف روايتان.

                                                وفي "المغني" لابن قدامة: والسجود على جميع هذه الأعضاء واجب إلا الأنف فإن فيه خلافا كما سنذكره، وبهذا قال طاوس والشافعي -في أحد قوليه- وإسحاق، وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي- في القول الآخر: لا يجب السجود على غير الجبهة، وفي الأنف روايتان:

                                                إحداهما: يجب السجود عليه، وهذا قول سعيد بن جبير ، وإسحاق ، وأبي خيثمة ، وابن أبي شيبة .

                                                والرواية الثانية: لا يجب السجود عليه، وهو قول طاوس وعطاء ، وعكرمة والحسن ، وابن سيرين والشافعي ، وأبي ثور وصاحبي أبي حنيفة .

                                                فإن قيل: كيف اقتصر أبو حنيفة في فرض السجود على الجبهة أو الأنف وحدها؟ والأحاديث المذكورة تدل على أن الفرض على الأعضاء السبعة كما ذهب إليه الشافعي وزفر وغيرهما ممن ذكرنا فيما مضى؟

                                                قلت: الأمر في النص تعلق بالسجود مطلقا من غير تعيين عضو، ثم انعقد الإجماع على التقييد ببعض أعضاء الوجه، فلا يجوز تعيين غيره، ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد، فنحمله على بيان السنة; عملا بالدليلين.

                                                [ ص: 414 ] ثم اختلف أصحابنا الثلاثة في ذلك البعض، فقال أبو حنيفة -رحمه الله-: هو الجبهة أو الأنف من غير تعيين، لو وضع أحدهما في حالة الاختيار تجزئه، غير أنه لو وضع الجبهة وحدها جاز من غير كراهة، ولو وضع الأنف وحده يجوز مع الكراهة.

                                                وعند أبي يوسف ومحمد: هو الجبهة على التعيين حتى لو ترك السجود عليهما حالة الاختيار لا تجزئه، وأجمعوا على أنه لو وضع الأنف وحده في حال العذر تجزئه، ولا خلاف في أن المستحب هو الجمع بينهما حالة الاختيار.




                                                الخدمات العلمية